
خلال العقود الأولى لنشأة الدولة الموريتانية كانت المداس الثانوية قليلة جدا، يفِد إليها التلاميذ من جميع أنحاء الوطن. ومع تزايد الطلاب وعدم إمكانية توفير الإعاشة الشاملة لهم كان المعوّل عليه، بعد الله سبحانه وتعالى، هو كرم المجتمع وبذله للخير وحبه واحترامه لطلبة العلم. على الرغم من أن الفقر كان السمة الغالبة على الجميع. ولولا ذلك البذل وروح التكافل الاجتماعي لما استطاع الكثير من أطر الدولة ونخبها الحاليين والسابقين إكمال تعليمهم الدراسي. وهو جانب لم أقرأ حتى الآن لمن كتب عنه في مذكراته أو تصانيفه وأعطاه حقه.
فمثلا، كان يدرس في ثانوية لعيون، بالإضافة إلى طلبة الحوض الغربي، أبناء ولايات تگانت ولعصابة والحوض الشرقي. ولكم أن تتصوروا حجم الضغط على ساكنة المدينة الصغيرة يومها... ثم جاءت بعد ذلك فترة، عايشتُها في التسعينيات من القرن الماضي وهي الفترة التي حدثت فيها هذه القصة، حيث كان يفِد إلى المدينة طلاب مقاطعات الطينطان وكوبني وتامشكط، بالإضافة إلى طلاب ضواحي مقاطعة لعيون نفسها.
وقد كانت شكرودَه بنت الواقف -رحمها الله- نموذجا لنساء تلك المدينة المرحِّبة بضيوفها؛ جُبلت على كرم أصيل، مع إشراقة وطلاقة وجه تُنسي الزائر همومه وأتعابه.. وكان لبيتِها العامر نصيبه من الطلبة الوافدين، الذين من بينهم من لا تربطه بعائلتها صلة مباشرة، ولكنه السخاء وبذل المعروف لجميع الناس. ومع ذلك سمعت بوجود طالب مغترب من مقاطعة الطينطان "ي ولد ط" لم يجد من يسكن عنده إلا أسرة فقيرة جدا من معارف ذويه، فرقّت لحاله وكان همّها أن تجد طريقة تستدرجه بها للسكن مع طلاب بيتها.
وهي بالمناسبة لم تكن ربة بيت غني ميسور، ولكنه حال الجواد الذي يبحث دائما عن المكرُمات ولا يبالي ما ذا تكلفه بعد ذلك. فقصة الرجل المجهود (الجائع) الذي لم يجد له النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أزواجه إلا الماء، فنادى بأبي هو وأمي في الصحابة "ألا رجل يضيف هذا رحمه الله"، وانبرى لضيافته الأنصاري الذي ضحِك الله من صنيعه، توضح أن ذلك الأنصاري لم تكن حاله المادية تلك الليلة أحسن بكثير من حال بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه اضطر لإطفاء السراج وللمبيت هو وأسرته بدون طعام، من أجل أن يتمكن من إكرام وفادة ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم! فالأسخياء قوم يسارعون إلى كل مكرُمة تترآى لهم دون نظر كبير في ما يترتب عليها لاحقا.
كانت شكرودَه، رحمها الله، ذكية خبيرة بصنائع المعروف فطلبتْ من ابنها الذي كان يدس حينها في الثانوية، يحفظُ ولد النّمَّه، حفظه الله، أن يجد طريقة يصادِقُ بها الطالب "ي ولد ط". فعندما يصبحا صديقين سيستطيع دعوته إلى بيتهم بشكل متكرر لتناول الطعام، ثم يوطّد العلاقة بشكل يسمح له لاحقا بطلبه الانتقال للسكن معه. وقد نجح الابن، الذي يمتاح الجود والكرم من قريب، في تلك المهمة وحقّق لأمه ما أرادت. وانضم الطالب إلى تلاميذ المنزل وتحسنت ظروف سكنه ودراسته.
ستكون لي عودة، إن كان في العمر بقية، إلى الكتابة عن تلك الحقبة الزمنية بشكل أوسع إن شاء الله. ولكن هذا قبس كرم أردت أن أشارككم إياه بمناسبة شهر البذل والعطاء. تقبل الله صاحبته في عليّين وألحقها بالصالحين.
رمضانكم مبارك كريم

.jpeg)
.jpg)