
كشفت دراسة حديثة صاردة عن المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية أن قرار التحرير الجزئي للعملة الموريتانية مثل تحولا لافتا في ظل ضغوط مزمنة على احتياطي النقد الأجنبي، نتيجة العجز الهيكلي في ميزان المدفوعات واعتماد الاقتصاد بشكل كبير على الاستيراد، خاصة المواد الأساسية المسعّرة بالدولار
وشهدت سوق الصرف في موريتانيا تحولاً لافتاً منذ نهاية عام 2023، عقب إطلاق البنك المركزي الموريتاني لسوق ما بين المصارف، في خطوة تهدف إلى الانتقال التدريجي من نظام صرف مُدار مركزياً إلى آلية أكثر اعتماداً على العرض والطلب، ضمن توصيات متكررة من صندوق النقد الدولي.
وبحسب الدراسة، حافظ سعر صرف الدولار على مستوى مستقر نسبياً منذ إنشاء السوق الجديدة، بينما شهد اليورو تقلبات متفاوتة دون أن يخرج عن مستويات مرتفعة قياسياً.
وفي تقييم لصندوق النقد الدولي خلال أبريل 2025، أشار إلى أن السوق الجديدة تعمل بكفاءة، حيث تم تنفيذ نحو 80% من إجمالي تداول العملات – البالغ 3.2 مليار دولار – بين البنوك مباشرة، فيما وفر البنك المركزي النسبة المتبقية عبر آليات التدخل المحدود
وأبرزت الدراسة أن استقرار سعر الصرف ساهم في الحد من التضخم المستورد، حيث تراجع معدل التضخم من 6.8% في عام 2023 إلى نحو 2.5% في 2024، وصولاً إلى 1.6% نهاية 2025.
كما أدى تقليص تدخل البنك المركزي في السوق إلى حماية الاحتياطيات الأجنبية، التي استقرت عند نحو 1.92 مليار دولار، وهو ما يغطي أكثر من ستة أشهر من الواردات غير الاستخراجية.
لكن في المقابل، لم ينعكس تحرير الصرف بشكل واضح على تحسين ميزان المدفوعات، إذ ظل عجز الحساب الجاري مرتفعاً عند نحو 9.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، ما يعكس الطابع الهيكلي للاختلالات الاقتصادية المرتبطة بتقلب الصادرات والأسعار الدولية
وساعد تراجع التضخم في تحسين القوة الشرائية للأسر، خصوصاً مع استقرار أسعار المواد الغذائية المستوردة. غير أن الدراسة تشير إلى أن معدلات الفقر ظلت مرتفعة، حيث بلغت 28.4% في 2024 مقابل 26.3% في العام السابق، ما يعكس ضعف أثر النمو الاقتصادي على الفئات الهشة.
وترى الدراسة أن اعتماد نظام صرف أكثر مرونة يمكن أن يوفر مزايا مهمة للاقتصاد الموريتاني، من بينها الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية، وتعزيز كفاءة السوق، وامتصاص الصدمات الخارجية.
لكنها تحذر في الوقت ذاته من أن التحرير الجزئي قد يؤدي – في ظل اقتصاد يعتمد على الاستيراد ويعاني عجزاً هيكلياً – إلى انخفاض قيمة الأوقية، ما قد يرفع أسعار السلع والخدمات المستوردة ويغذي التضخم مستقبلاً، ما لم تُواكب الخطوة بإصلاحات هيكلية في القطاع المالي وتعزيز الرقابة المصرفية
خلصت الدراسة إلى أن تجربة التحرير الجزئي لسوق الصرف في موريتانيا حققت استقراراً نسبياً في سعر العملة وأسهمت في كبح التضخم وحماية الاحتياطي النقدي، لكنها لم تنجح بعد في معالجة الاختلالات العميقة في ميزان المدفوعات أو تحسين الأوضاع الاجتماعية بشكل ملموس.
ويبقى نجاح هذا التوجه وفق الدراسة مرهوناً بقدرة السلطات على تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، وتنويع مصادر العملة الأجنبية، وتقوية النظام المصرفي، لضمان استقرار مستدام دون تحميل المواطنين كلفة تقلبات العملة.

.jpeg)
.jpg)