
قراءة في مذكرات السفير ووزير الخارجية الموريتاني الأسبق أحمد ولد تكدي: أربعة وثلاثون عاما في اروقة الدبلوماسية الموريتانية
هي قصة نجاح وتميز لأحد أبرز الدبلوماسيين الموريتانيين تستثنى منها، حسب تصوري، فترة العمل في دولة الاحتلال.
قرأت خلال الأيام الماضية مذكرات معالي وزير الشؤون الخارجية الأسبق الأستاذ أحمد ولد تكدي. وهذه خلاصة لتلك القرآة.
يقع الكتاب في 290 صفحة وهو مطبوع طباعة جيدة وكتب بلغته سلسة وإن كان لا يخلو من أخطاء مطبعية وهنات لغوية واسلوبية لعل من أسبابها أنه مترجم من اللغة الفرنسية.
الكتاب يشرح بالتفصيل تجربة معالي الوزير الغنية في المجال الدبلوماسي.
وستكون هذه القراءة من خلال جزئين الأول خلاصة لمسيرة معالي الوزير وما قدمه من عطاء متميز خدمة لبلده أما الجزء الآخر فسيركز على علاقات موريتانيا بدولة الاحتلال- وذلك هو اسمها الذي يعكس الحقيقة.
حصل الأستاذ أحمد ولد تكدي على شهادة الباكلوريا (الشعبة العلمية) سنة 1976 ثم شهادة في الاقتصاد من جامعة روبس روليى، ثم شهادة الماستر في التخطيط من رومانيا.
التحق بوزارة الخارجية سنة 1981 ثم عمل مستشارا في عدد من السفارات الموريتانية في واشنطن والقاهرة وصنعاء والرباط ثم سفيرا في دولة الاحتلال ثم سفيرا ممثلا دائما لموريتانيا لدى الأمم المتحدة ثم وزيرا للخارجية خلال الفترة 2013-2015.
يتكلم معاليه أربع لغات هي: العربية والفرنسية والانجليزية والرومانية.
إذا تحدثنا عن أداء أو عطاء الأستاذ أحمد تكدي خلال مسيرته المهنية فهو متعدد ومتنوع وأكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة على شكل عناوين:
- نجاحه في توظيف بعض الكوادر الموريتانية في الأمم المتحدة وخاصة تعيين إسماعيل الشيخ أحمد مبعوثا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا وإبراهيما تياو نائبا لمدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومحمد الأمين ولد كيك امينا عاما مساعدا للأمين العام لجامعة الدول العربية وسيدي ولد التاه مديرا عاما للمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في افريقيا.
- سعيه للحصول على مناصب أخرى لكن الدولة لم تدعمه بالصورة المطلوبة، حسبما ذكر
- مساعيه المثمرة للإفراج عن مواطنين موريتانيين كانا محتجزين في كوانتنامو
- حصوله على فرص متعددة لمشاركة موريتانيا في قوات حفظ السلام في عدد من الدول مثل ساحل العاج وسوريا ووسط أفريقيا وجمهورية مالي.
- تمكنه من اقناع وزيري خارجية فرنسا وإسبانيا برفع الإشارة الحمراء أو البرتقالية عن موريتانيا لتمكين السواح من زيارة البلاد
- تمكنه من تعزيز التعاون بين موريتانيا وإسبانيا في مجال الصيد
- تمكنه من حل الاشكالات التي اثرت سلبا على العلاقات الموريتانية المغربية
- إشرافه على مشاركة موريتانيا في مفاوضات الأطراف المتنازعة في جمهورية مالي التي نظمت في الجزائر
- إدارته لملف رئاسة موريتانيا للاتحاد الافريقي خلا فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز
- نجاحه في تسوية الإشكال بين إسبانيا وغينيا بيساو أثناء استضافتها لقمة الاتحاد الإفريقي 2013
- تمكنه من تسوية إشكال اعتراض الآتحاد الأوروبي على دعوة بعض الدول الأفريقية لقمة الاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي وكذلك الحال بالنسبة للقمة الأمريكية الأفريقية.
- النجاح في حل الخلاف بين الاتحاد الافريقي ومصر بعد انقلاب 3 يوليو ( بغض النظر عن الموقف من هذا الانقلاب) وقد توج الأمر بعودة مصر إلى الاتحاد الافريقي، وقد أسقط هذا النجاح إسقاط جميلا بصفته انتقاما كريما من بعض المواقف المصرية مثل مقولة السادات أن موريتانيا "دويلة يجهلها التاريخ وكذلك تصريح الصحي المصري محمد حسنين هيكل الذي أشار فيه إلى " هامشية موريتانيا".
- سعيه في رفع تمثيل فلسطين إلى مراقب عضو في الأمم المتحدة
- قيادته للجنة الجامعة العربية في زياراتها للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لمناقشة عضوية فلسطين في الامم المتحدة.
- سعيه في إصلاح الخارجيه وبدؤه في خطوات في هذا الاتجاه.
شهادات
حصل الأستاذ أحمد تكدي على عدة شهادات من المسؤولين الذين عمل معهم مثل المصطفى ولد الشيخ محمدو وأحمد ولد منيه ومحمد الأمين ولد انجيان
ومحمد الأمين يحيى الذي أوصى الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع بتعيينه في موقع مناسب وشهادة بانكي مون الأمين العام السابق للأمم المتحدة الذي كلم عنه الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وأثنى على ادائه، وكذلك شهادة وزير خارجية إسبانيا الأسبق الذي وصفه بدبلوماسي الصحراء وأنه دبلوماسي محترف عظيم، يتصف بالرزانة والصبر.
ويسجل الأستاذ أحمد تكدي بشيء من المرارة تقرأ بين السطور عدم استجابة- أو مماطلة- الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز لطلبه إرسال رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون من أجل الحصول على منصب في الأمم المتحدة، وقد وقعت الرسالة من قبل وزير الخارجية وليس رئيس الجمهورية، وفي تلك الأثناء انتهت ولاية بان كي مون وجاء غوتيريش فتغيرت الظروف..
الجزء الثاني
سأتناول في هذا الجزء موضوع العلاقات التي أقيمت بين موريتانيا ودولة الاحتلال على ضوء ما كتبه الأستاذ أحمد ولد تكدي في مذكراته.
وأود أن أوكد في البداية أن الكلام حول المسألة سيكون صريحا لكن المقصود به ليس معالي الوزير بصفته الشخصية.
عن سبب العلاقة
يقول المؤلف في المدخل ص 26:
(يقدم هذا الكتاب شهادة حول مساري المهني خلال كل هذه المراحل، وهو يهدف بالأساس إلى رفع الظلم الناتج عن سوء الفهم والالتباس الذي عانت منه موريتانيا عندما أخذت قرارها بالاستجابة لطلب ملح من الزعيم التاريخي الفلسطيني ياسر عرفات رحمه الله الذي جاء إلى نواكشوط في 15 سبتمبر 1993 حصريا للتعبير عنه أمام الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع، وقد تعلق الأمر آنذاك بالرغبة في قبول موريتانيا بإقامة نوع من العلاقة مع إسرائيل إسهاما في بناء ثقة متبادلة بين الفلسطينيين والإسرائليين، في إطار تنفيذ عملية السلام المنبثقة عن مؤتمر مدريد للسلام 1991 واتفاقيات أوسلو 1993).
قد يكون هذا سبب من اسباب إقامة العلاقة مع دولة الاحتلال لكن الموضوع أوسع من ذلك إذ أن موريتانيا كانت تعاني من صعوبات على المستويات السياسية والأمنية والدبلوماسية والاقتصادية نتيجة تعاقب عدة أزمات: الأزمة الخطيرة التي حدثت بين موريتانيا والسنغال بعد أحداث 1989 وما نتج عنها من تضرر علاقات موريتانيا مع بعض الدول الغربية وكارثة احتلال العراق للكويت وما نتج عنها من ضمور في العلاقات بين موريتانيا ودول الخليج العربي، هذا فضلا عن تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
وفي مثل هذه الظروف اعتقد انه يمكن تفهم سعي الرئيس معاوية لإيجاد مخارج من هذه الأزمات الخانقة وأسهل المخارج في ظل المعطيات الموضوعية، حسب تصوري معين، هو التقرب من دولة الاحتلال لتحسين العلاقة مع الولايات المتحدة.
ومما زاد من صعوبة الوضع اعتقال فرنسا في يونيو 1999 للنقيب علي ولد الداه بتهمة تعذيب السجناء السياسيين، فردت السلطات الموريتانية بقرارات غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الموريتانية الفرنسية إذ طردت الخبراء العسكريين الفرنسيين من موريتانيا، وفرضت تأشيرة دخول على جميع الفرنسيين الذين ينوون دخولها.
ولعل العلاقة مع دولة الاحتلال كانت بمثابة حماية من الانكشاف أمام فرنسا.
راي مجلة الاكسبرس الفرنسية
قبل عامين، كانت الولايات المتحدة تهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع البنك الدولي في هذا البلد (موريتانيا)، الذي كان يُعتبر آنذاك أحد الحلفاء الرئيسيين للعراق...
بالنسبة للنظام الموريتاني، يُعد التحالف مع إسرائيل عربوناً يُقدّم للأمريكيين وضماناً للحصول منهم على المساعدة والدعم. وقد نظم الجيش الأمريكي مناورات مشتركة مع الجيش الموريتاني. والأهم من ذلك، أن موريتانيا، التي تنفذ في الوقت ذاته سياسة للتكيف الهيكلي، باتت الآن مطمئنة إلى دعم المؤسسات المالية الدولية. وهكذا حصلت في الربيع على شطب جزء كبير من ديونها، تنفيذاً للقرارات التي اتخذتها مجموعة السبع لصالح الدول الأكثر مديونية.
(مجلة l express
La Mauritanie mise sur Israel 14/02/2000)
راي الدبلوماسي الشيخ ولد باها
يشرح المحامي والدبلوماسي الشيخ ولد باها الأمر في مقابلة مع قناة الساحل وفي بودكاست مع صحراء 24 على النحو التالي:
التطبيع مع اسرائيل عنده أسباب حسبما يبدو لي: السبب الأول هو الوضع الذي كانت توجد فيه موريتانيا في ذلك الوقت فقد كانت محاصره من طرف الدول الغربيه ما عدا اسبانيا لأن فرنسا تعاطفت مع السنغال ووقفت إلى جانبه في ذلك الوقت.
السبب الثاني هو موقف موريتانيا من حرب الخليج فقد دعمت العراق والغرب كان ضد العراق. كانت البنوك الموريتانيه لا تستطيع ان تجد بنوكا خارجيه تعزز الاعتمادات المفتوحه من قبل البنوك الموريتانيه، كانت البلاد في أزمه اقتصاديه كبيرة، وكانت محاصرة، لم يتعاون معها سوى إسبانيا التي منحت خط اعتماد للبنك المركزي الموريتاني
هذا الضغط الذي تعرضت له موريتانيا في ذلك الوقت كان سببا اساسيا في إقامة العلاقات مع اسرائيل من اجل فك الحصار الاقتصادي.
ويضيف السفير: سافرت مع وزير الخارجيه محمد عبد الرحمن ولد امين الى الجمعيه العامه للأمم المتحدة ثم سافرنا إلى واشنطن والتقينا رئيس لجنه الخارجيه في الكونجرس الأمريكي وهو يهودي ووجدنا امامه العلم الأمريكي والعلم الإسرائيلي يفتخر به وقال لنا: انتم عندكم الآن رئاسه الجامعه العربيه (في تلك السنه) واتفاق اسلو وقع والفلسطينيون بدأوا التواصل مع الاسرائيليين، ينبغي ان تسعوا من اجل تطبيع العلاقات مع اسرائيل ومشاكلكم كلها ستحل بصريح العبارة.
فنحن كنا محسوبين على العراق، وقد استدعيت دول المغرب العربي لحضور مؤتمر مدريد مع دول الخليج والأردن ومصر.
وحضرنا نحن سفراء المغرب العربي الخمسة و لما انتهى الاجتماع طلب عرفات اللقاء بنا وحضر جزءا من الاجتماع وترك معنا نبيل شعث وزير الخارجيه في ذلك الوقت واخبرنا بان بعض الدول العربية ضد هذا الاتفاق وقال لنا نحن مضطرون إلى هذا الاتفاق لاننا لم نعد نستطيع ان نقاوم من اي بلد عربي، اصبحنا محاصرين ولهذا فاوضنا الإسرائيليين اولا سرا ومن بعد وقعنا الاتفاق معهم ولأننا نعرف ان دول المغرب العربي ليست لها مصالح خاصه ولا حسابات مع الفلسطينيين فمساندتهم للفلسطينيين مسانده خالصه ولهذا نطلب منكم أن تدعمونا ودعمكم يكون بالتطبيع مع اسرائيل، فكتبت تقريرا بهذا وبعثته الى وزاره الخارجيه.
وعندما سأله الصحفي :هل كان التطبيع استجابه للطلب الفلسطيني اجاب: لا استطيع ان اقول ان هذا هو سبب استجابتها ولكن على كل حال من بين امور اخرى.
ثم سأله الصحفي: وهل ترى ان ان الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضا على موريتانيا والمقاطعه تبرر ان نأتي بالكيان الصهيوني الى أرض المناره والرباط؟ ألا يقول العرب إن الحره تجوع ولا تأكل بثديها فأجاب الشيخ ولد باها:
لما تكون الحره شخص فهذا صحيح، ولكن هذه دوله لها مصالح ولأن قيادتها مسؤوله عن شعب لازم ان تبحث عن مصالحه ومصالح موريتانيا كانت في التطبيع مع اسرائيل في ذلك الوقت وإلا ما هو الدافع؟ موريتانيا لم تستفد من إسرائيل لكنها استفادت ان الغرب طبع مع موريتانيا وان الغرب شجع الشركات الغربيه لتأتي إلى موريتانيا وتبحث عن المعادن وتكتشف معادن بعد ذلك.
وصية الرئيس معاوية
ذكر المؤلف في الصفحة 75 أن الرئيس معاوية قال له : عليك أن تعلم بأن موريتانيا لا تطلب اي شيء من الإسرائيليين، ثانيا افعل كل شيء ممكن لدعم موقف إخوتنا الفلسطينيين..
وهذا كلام جميل يحسب للرئيس معاوية.
لكن في المقابل ذكر المؤلف أن الرئيس معاوية قال له: لأنكم قلتم لي مرارا أن اصدقاءكم يقترحون عليكم تقديم المساعدة لنا، فسنختبرهم، نحن الآن في مفاوضات عسيرة جدا مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي .. اطلب التدخل من أصدقائك الأروبيين والأمريكيين..)
ويضيف الكاتب:وعدت الرئيس ببذل قصارى جهدي لجعل الإسرائيليين يقدمون لنا الدعم الذي نتمنى الحصول عليه (ص 84).
ويضيف:
غادرت الفندق مباشرة إلى وزارة الشؤون الخارجية الإسرائيلية لإبلاغ رسالتي، فاستقبلت فورا على أعلى المستويات، ودون تأخير وما لبث أن بدأ التفاعل مع تحركاتي الدبلوماسية يؤتي اكله. ولا أنسى بأن أول ردة فعل سارة قد جاءتني من الإسرائيليين أنفسهم... كنت عائدا إلى تل آبيب وأثناء المسافة المعتادة التي تعودت على قطعها مرارا وتكرارا بين تل آبيب والقدس، رن هاتفي وإذا بجواب من الإسرائيليين: "اطمئنوا ما تريده موريتانيا سوف ينجز".
كانت تلك الجملة السحرية التي لطالما أردت أن اسمعها من المسؤولين الإسرائيليين، وفي اليوم الموالي طرت إلى نواكشوط لأنقل الخبر السار للرئيس ولد الطايع).
ثم يذكر المؤلف أن الممثل الأمريكي تكلم في اجتماع اللجنة الاستشارية حول موريتانيا وذكر أنه ينبغي أن تحصل موريتانيا على المساعدة، وبعد تلك المداخلة اطلق سيل من الدعم والمساندة لموريتانيا .. وفي انواكشوط كان الارتياح كبيرا، لقد اخضعنا الإسرائيليين للاختبار وجعلناهم على المحك ولم يخيبوا أملنا(ص 86).
الاعتماد
ذكر المؤلف أنه عين سفيرا في إسرائيل في شهر نوفمبر وتم إرسال سيرته الذاتية نفس اليوم إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية في القدس وفي نفس اليوم جاء رد تأكيد القبول إلى وزارتنا للشؤون الخارجية ، وهو رقم قياسي عالمي في مجال (ال)دبلوماسية، كما يقول السفير، واضاف: ربما فاتني آنذاك أن اقوم بتسجيله في موسوعة غينتس للأرقام القياسية!(ص 87).
عصير البرتقال بدل الكحول
ذكر السفير أن وزير الخارجية الإسرائيلي طلب منه القدوم إلى القدس في يناير 2000 لتقديم أوراق اعتماده مع سفيري فرنسا والولايات المتحدة وعندما قدموا أوراق اعتمادهم للرئيس الإسرائيلي عازار وايزمان أخبره البروتوكول الإسرائيلي بأن الرئاسة اضطرت خلال الحفل لقبول أن ترفع كؤوس عصير البرتقال بهذه المناسبة بدل المشروبات الكحولية، من منطلق احترام العادات الموريتانية في عدم تعاطي الكحول. ص 87.
اظن ان هذا الموقف ينطبق عليه ما قاله ابن عمر رضي الله عنهما لأهل العراق: تقتلون الحسين رضي الله عنه وتسألون عن دم البرغوث.
وذكر السفير بشيء من المرارة عدم زيارة المسؤولين الفلسطينيين لموريتانيا، بما فيهم الرئيس عرفات ،بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين موريتانيا وإسرائيل وذكر أن ياسر عبد ربه وزير الثقافة الفلسطيني الأسبق هاجم موريتانيا بضراوة أمام وسائل الإعلام ودون سبب وجيه.
ولنا هنا نتساءل لماذا يهاجم مسؤول فلسطيني موريتانيا والفلسطينيون هم الذين طلبوا منها إقامة علاقة مع دولة الاحتلال؟ فتفسير ذلك، حسب تصوري، أن دولة الاحتلال كفرت بالسلام الذي لم تؤمن به اصلا لذلك لعل المسؤولين الفلسطينيين رأوا أن استمرار وجود سفير موريتاني إنما هو خدمة لدولة الاحتلال على حساب الفلسطينيين.
زيارة مزرعة شارون
ذكر السفير أنه رافق وزير الشؤون الخارجية آنذاك الشيخ العافية لزيارة شارون في مزرعته وأن شارون ذكر له ان الوزير الموريتاني هو ثاني وزير خارجية يزوره في مزرعته بعد وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر..
ولكن السؤال المطروح هنا ما هي الميزة في زيارة شارون وهو من أكبر القتلة الصهاينة؟.
من إنجازات شارون
مذبحة قبية في خريف 1953 التي راح ضحيّتها 170 من المدنيين الأردنيين ومجزرة اللد عام 1948 التي حصد خلالها أرواح 426 فلسطينيا بعد أن اعتقلهم داخل المساجد وقتله الفي أسير مصري في حربي 56 و 67 وكان يأمر هو وجنوده الأسرى المصريين بحفر قبورهم قبل قتلهم ثم سرقوا بعض اعضائهم الداخلية وباعوها لمرضى ومستشفيات في الغرب وهو مسؤول عن مجزرة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني معظمهم من الأطفال والنساء وهو الذي حاصر بيروت ودمرها وهو الذي استفز مشاعر المسلمين بإقتحامه للمسجد الأقصى المبارك سنة 2000، وهو المسؤول عن مذبحة جنين 2002، وعن عملية السور الواقي في الضفة الغربية وقد امر بالكثير من عمليات الاغتيال او نفذها ضدَ أفراد المقاومة الفلسطينية وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين والرئيس ياسر عرفات.
فقد ورد في كتاب: "أسرار أريئيل شارون" لمؤلفه أوري دان:
(في أثناء زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلي، أريئيل شارون، لواشنطن في 14/4/2004 ولقائه الرئيس الأميركي، جورج بوش، تخلّص شارون من وعده بعدم المس بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وراح يتحدث في اللقاء ذاته عن "مساعدة الله" للمسّ بعرفات.)
الانتقام الإلهي
قضى أرييل شارون 8 سنوات في غيبوبة كاملة، منذ إصابته بجلطة دماغية حادة في يناير 2006، حتى وفاته في 11 يناير 2014، حيث ظل معتمدًا على أجهزة التنفس والتغذية طوال تلك الفترة وبلغت تكلفة بقائه في المستشفى (سنويا) 456 الف دولار اي نحو 3.5 مليون دولار دفعتها الخزينة الاسرائيلية لبقائه على قيد الحياة - غائبا عن الوعي - حتى وفاته.
هذه نبذة مختصرة عن صاحب المزرعة او البلدوزر الذي زاره السفير مع وزير الخارجية في مزرعته.
ذكريات من إسرائيل
تناول الكاتب ما اسماه ذكريات من إسرائيل (ص 104- 106)، فذكر أنه احتفظ بذكريات طيبة من فترة إقامته في إسرائيل، كما احتفظ بذكريات أخرى على حد قوله.
ومن الأشياء التي كانت جيدة حسب رأيه: مناخ البحر الأبيض المتوسط شديد الاعتدال، وجمال الطبيعة، وجودة مستوى الحياة وثراء التاريخ هي خصائص تميز تلك البلاد ،حيث توجد معالم أثرية وأضرحة كثير للأنبياء تنتشر في كل مكان، وهناك أيضا فنون المطبخ الممتاز من أصول متعددة تنتمي لمختلف الآفاق .
لمناقشة ما ورد في هذه الفقرة نبدأ بالعنوان اولا، ولكن قبل ذلك اقول بأن كل فقرة بل كل كلمة وردت الكتاب عن العلاقات مع دولة الاحتلال تستحق التعقيب والتفكيك.
والبداية مع العنوان: "الذكريات"،
تعبر الذكريات في الغالب عن الأمر المحبب إلى النفس مثل ذكريات الطفولة أو الدراسة أو العمل أو الإقامة في بلد جميل، أما الإقامة في دولة الاحتلال فالأصل أنها ليست مكانا للذكريات الجميلة.
تحدث الكاتب عن ثراء التاريخ بصفته إحدى الخصائص التي تميز تلك البلاد.. والسؤال هنا هل يقصد السفير بتلك البلاد إسرائيل ام فلسطين؟ فإذا كانت إسرائيل هي المقصودة فإن عمرها لم يتجاوز 75 سنة وهذه فترة لا تمكن من الحديث عن ثراء التاريخ بالنسبة للدول، أما إن كان يقصد فلسطين فقد أخطأ في العنوان: "ذكريات من إسرائيل".
أما حديث السفير عن اضرحة الأنبياء (عليهم السلام) المنتشرة في كل مكان فمثير للريبة فتاريخ الأنبياء في تلك البلاد المباركة أقرب منه تاريخ الإسلام فهل أراد سعادته العودة إلى تاريخ قديم ليوافق سردية معينة؟.
أما قوله إن الإسرائيليين كانوا يتمتعون بصفات مهنية عالية فهو توصيف صحيح إذا كان يقصد به حجم اجرامهم وما ارتكبوه من جرائم بشعة بحق الفلسطينيين وغيرهم من العرب والمسلمين.
ثم تحدث السفير عن الثقة المتبادلة بينه وبين الإسرائيليين التي جعلتهم يعطونه معلومات حساسة.
هذه النقطة، حسب تقديري، لا تحتاج إلى تعليق..
وتحدث بعد ذلك عن اندماجه في المجتمع الإسرائيلي والدعوات التي كانت تأتيه لحضور المناسبات العائلية وحضوره لاحتفالات رأس السنة اليهودية بدعوة من صديق إسرائيلي وأن شمعون بيريز كان من المدعوين.
وشمعون هذا الذي تباهى سعادة السفير، على ما يبدو، بحضوره لهذه الدعوة هو أحد مؤسسي دولة الاحتلال وهو الذي أمر يوم 11 أبريل 1996 بتنفيذ عدوان عسكري شامل ضد لبنان سمي "عناقيد الغضب" لمحاولة القضاء على المقاومة، فقصف فيه مدن لبنان بما فيها العاصمة بيروت.
وبتاريخ 18 من الشهر نفسه لجأ مئات اللبنانيين، بقرية قانا لمركز تابع للأمم المتحدة هربا من جحيم القصف الإسرائيلي الذي أصاب المركز فتناثرت أشلاء ما يقرب من 250 مدني بين قتيل وجريح اغلبهم من الأطفال والنساء وكبار السن.
تمت هذه المجزرة في السنة التي وصل فيها السفير الموريتاني إلى فلسطين المحتلة..
"حياد" السفر
أشار السفير في الصفحة 106 إلى الانتفاضة الثانية وعرفها في الهامش كما يلي:
فترة عنف ببن الإسرائيليين والفلسطينيين ابتداء من سبتمبر 2000 إلى فبراير 2005 . يصف الفلسطينيون الأحداث بأنها ثورة شعبية ضد المحتل الإسرائيلي، في حين أن إسرائيل تصفها بأنها حملة إرهاب فلسطيني..
وقف السفير بهذا التعريف موقف حياد بين الضحية والجلاد ولم يشر إلى سبب الانتفاضة.
ولمعلومات السفير، فقد اندلعت
الانتفاضة الثانية يوم 28 سبتمبر 2000، عقب اقتحام أرييل شارون- صاحب المزرعة- باحات المسجد الأقصى، تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال.
هب المقدسيون للدفاع عن المسجد المبارك فتصدى لهم جنود الاحتلال بالرصاص، وسرعان ما امتدت المظاهرات إلى جميع المدن في الضفة الغربية وقطاع غزة وتحولت إلى ثورة سميت "انتفاضة الأقصى"، وشاركت فيها مختلف فئات الشعب الفلسطيني.
حرب لبنان
تحدث السفير في الصفحة 107 عن "حرب لبنان"، فكتب: في عام 2006 نشب نزاع مسلح بين إسرائيل ولبنان عرف في لبنان بحرب تموز وفي إسرائيل بالحرب اللبنانية الثانية حيث واجهت إسرائيل حزب الله اللبناني في يوليو 2006.
وعلى منهج السفير في "الحياد" قدم السفير تسمية الطرفين للحرب.
ولكن ما هو سبب الحرب الذي لم يذكره السفير؟ ونشرته وسائل الإعلام وقتها:
في خضم الصراع العربي الإسرائيلي، وإصرار إسرائيل على إبقاء مختطفين لبنانيين لديها، وإصرار حزب الله على تبني تحريرهم، وبعد مرور حوالي 30 عاما على سجن بعض اللبنانيين (سمير القنطار) وبعد فشل المفاوضات غير المباشرة لإطلاق سراحه، قرر حزب الله أسر جنود إسرائيليين لتحرير بقية اللبنانيين وغيرهم من المعتقلات الإسرائيلية.
حرب غزة في عام 2007
تحدث السفير عما اسماه حرب غزة فقال:
في عام 2007 اندلعت حرب غزة وفي الهامش كتب المؤلف:
بدأت حرب غزة في 27 دجمبر 2007 كرد على هجمات شنتها حماس وبدأت بضربات جوية تبعها هجوم بري اطلق في 3 يناير الموالي. كان الهدف المعلن من طرف الجيش الإسرائيلي هو وضع حد لقصف الصواريخ القادمة من غزة لسكان إسرائيل.
ويضيف المؤلف في الصفحة 110:
(... وبشكل مباغت نفذت إسرائيل خطة لتفكيك شبكة الأنفاق أو "مترو حماس" التي كانت الطريق غير المرئي الذي يعج بالحركة لتمويل حركة حماس، في قطاع غزة، في الأصل كان إطلاق الهجمات الإسرائيلية على غزة ردة فعل على قصف بالصواريخ من داخل قطاع غزة على مدن وبلدات إسرائيلية محاذية مثل اسديروت وآشدود.)
في بداية التعليق على حديث السفير عما سماه حرب غزة نقول أولا إن الحرب ليست حرب غزة فالمسند هنا الحرب والمسند إليه غزة حسب رأي السفير، ولكن الحقيقة أن الحرب هي حرب دولة الاحتلال أو عدوانها على غزة، وينطبق هذا ايضا على "حرب لبنان".
ولعل اختيار تسمية " حرب غزة" جاء تاثرا بالإعلام الأمريكي والغربي عموما الذي يسند الحروب إلى ضحاياها كقولهم " حرب العراق" Iraqi war والواقع أنها حرب أمريكا وبريطانيا- ومن كان معهما من الكومبارس- على العراق.
تحدث السفير أيضا عن "مترو أنفاق حماس" الذي وصفه بأنه كان يعج بالحركة لتمويل حركة حماس، ولكن السؤال هنا هو هل زار السفير أنفاق غزة حتى يرسم هذه الصورة وإذا لم يزرها فمن أعطاه هذه المعلومة؟
والأغرب من ذلك أن يقول السفير أن الهجمات الإسرائيلية جاءت ردا على قصف البلدات الإسرائيلية بالصواريخ من داخل غزة.
والسفير هنا يتبنى رواية دولة الاحتلال بشكل لا حياد فيه، ولم يقدم رواية المقاومة حول عدوان دولة الاحتلال على غزة.
ونذكر السفير هنا بسبب العدوان على غزة في تلك الحرب كما نشر في وسائل إعلام محايدة.
تأتي العملية بعد انتهاء تهدئة دامت ستة أشهر كان قد تم التوصل إليها بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من جهة وإسرائيل من جهة أخرى برعاية مصرية في يونيو وخرق التهدئة من قبل الجانب الإسرائيلي وعدم التزامه باستحقاقاته من التهدئة من حيث رفع الحصار الذي يفرضه على القطاع وبالتالي عدم قبول حماس لتمديد التهدئة.
موريتانيا وأزمة كنيسة المهد
تحت هذا العنوان كتب السفير في الصفحة 112:
قام الجيش الإسرائيلي من مارس إلى إبريل عام 2002 بإطلاق عملية "الدرع الواقي" العسكرية في الضفة الغربية بعد موجة من العمليات المميتة ضد الإسرائيليين، ولممارسة ضغط دولي على إسرائيل قام حوالي 200 من الفلسطينيين كان البعض منهم مسلحا، باحتلال كنيسة المهد في بيت لحم وقد استمرت تلك الأزمة 39 يوما من 2 أبريل إلى 10 مايو 2002.
وقد انتهت الأزمة بخروج الفلسطينيين المحاصرين ، ومن بينهم 13 ناشطا تعتبرهم إسرائيل "خطرين" تم نقلهم إلى قبرص حيث التحقوا بدول استقبال
أوروبية بشكل خاص، وأذكر بأن صديقي ميغيل موراتينوس الذي كان في ذلك الوقت الممثل الخاص للاتحاد الاوروبي للشرق الأوسط مقيما في قبرص، قد طلب مني أن تستقبل موريتانياأحد أولئك الفلسطينيين الثلاثة عشر المنفيين.
وذكر السفير أن الفلسطيني استقبل في نواذيبو واكتتب مستشارا فنيا في الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك في العاصمة الاقتصادية .
يلاحظ هنا أن السفير يقدم رؤية الاحتلال لأزمة الكنيسة بل قدم رؤيته المؤيدة بشكل واضح للاحتلال فوصف العمليات الفلسطينية ب"المميتة" وكأن دولة الاحتلال حمل وديع ليس في قاموسه سوى السلام والتعامل الناعم والرحمة بالفلسطينيين. أما العمليات التي سماها السفير بالمميتة فيسميها الفلسطينيون وشرفاء الأمة العمليات الاستشهادية ردا على جرائم الاحتلال التي تتكرر يوميا منذ عشرات السنين.
لكن الغريب ان يقدم السفير رواية لم يتبناها الاحتلال ، او على الاقل لم ينسبها إليه، عندما قال: " ولممارسة ضغط دولي على إسرائيل قام حوالي 200 من الفلسطينيين كان البعض منهم مسلحا، باحتلال كنيسة المهد في بيت لحم ".
هذا التعليل إنما هو من عند السفير ثم إنه أخطأ عندما قال إن الفلسطينيين احتلوا الكنيسة والحقيقة أنهم لجأوا إليها للحماية من بطش جنود الاحتلال.
لقد كان السفير "دبلوماسيا" جدا عندما وصف طريقة خروج الفلسطينيين من الكنيسة:
"تم نقلهم إلى قبرص حيث التحقوا بدول استقبال
أوروبية بشكل خاص ".
ولعلم سعادة السفير فالفسطينيون لم "ينقلوا" ولم "يلتحقوا" بل ابعدوا قسرا عن وطنهم وأهله.
ولتصحيح معلومات السفير نقدم له هنا حقيقة أحداث أزمة كنيسة المهد:
حدثت أزمة حصار كنيسة المهد عام 2002 عندما حاصرت قوات الاحتلال الإسرائيلي حوالي 200 فلسطيني، بينهم نشطاء مسلحون ورهبان، داخل كنيسة المهد في بيت لحم لأكثر من شهر (2 أبريل - 10 مايو 2002). جاء الحصار كجزء من عملية "الدرع الواقي" الإسرائيلية، حيث لجأ المقاتلون للكنيسة هرباً من الاجتياح، مما أسفر عن حصار طويل تم فيه قطع المياه والكهرباء والكهرباء، وقتل قناصة الاحتلال 10 فلسطينيين. وانتهت الأزمة باتفاق برعاية دولية قضى بنفي 13 مقاتلاً إلى أوروبا و26 إلى غزة.
قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل
يقول السفير في الصفحة 95:
عندما وقع انقلاب ال 6 أغسطس 2008 كنت في موريتانيا ولم توضح لي السلطات الجديدة التي كان يقودها آنذاك الجنرال محمد ولد عبد العزيز رئيس الدولة الجديد اي شيء بخصوص علاقات موريتانيا مع إسرائيل.
ويضيف:
في إسرائيل كان الاتصال الوحيد الذي ربطني مع وزيرنا للشؤون الخارجية في 4 يناير 2009 عندما اتصل بي هاتفيا ليطلب مني العودة إلى نواكشوط في أسرع وقت ومع ذلك فكان مدير ديوان الرئيس السيد شياخ ولد اعل يتصل بي من حين لآخر في تلك الفترة وكان في كل مرة يقول وبنفس النمط تقريبا: "يجب على أصدقائك هناك ان يساعدونا وإلا فما الذي ننتظره منهم؟".
ويضيف :
كنت اقول له: "علينا ان نبعث لهم بإشارات قوية لتشجيعهم على الضغط على اصدقائهم وحلفائهم الغربيين في اتجاه ما يخدم مصالحنا".
ويضيف ايضا:
كنت مرة تحت ضغوط نواكشوط المستمرة من أجل مراجعة الاسرائيليين، فذهبت بسرعة إلى وزارة الشؤون الخارجية في القدس واستقبلت هناك بعناية فائقة كالعادة، ولكن كان ردهم :
" لقد سافر قائد أركان جيوشكم مؤخرا إلى طرابلس في ليبيا وجرى استقباله من طرف القذافي، لقد جاء إليه لطلب دعم الاتحاد الإفريقي، وقد اجابه القذافي بأنه لا يستطيع فعل اي شيء لموريتانيا ما لم تقطع علاقاتها مع إسرائيل ونحن إذا نتابع عن قرب تطور الوضعية".
ويضيف السفير أن مدير الديوان أصبح يعطيه تلميحات إلى أن قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل مسألة وقت.
وكنت ارد عليه- يقول السفير- في الغالب بأنه "اذا كان رئيس الدولة يريد معرفة رأيي حول الموضوع فإني اقترح عليه عدم قطع العلاقات الدبلوماسية وأن ذلك القرار ينبغي تفاديه".
وضرب السفير مثلا بالعراق وإيران اللتين خاضتا حربا ضروسا لسنوات عديدة..
ومع ذلك لم يقطع البلدان علاقاتهما الدبلوماسية.
وحرصا منه على العلاقة مع دولة الاحتلال اقترح السفير حلا بديلا وهو تجميد مشترك لوجود البعثتين الدبلوماسيتين في كل من نواكشوط وتل آبيب واعتماد سفراء "البلدين" في مدريد كسفراء غير مقيمين في موريتانيا وفي إسرائيل.
لكن السفير ذكر أن نصائحه لم تلق آذانا صاغية معبرا عن أسفه على ذلك.!
إن القارى ليستغرب حرص السفير على هذه العلاقة مع دولة الاحتلال التي قال إنها أقيمت بناء على طلب من الفلسطينيين لكن الفلسطينيين الذين قدموا هذا الطلب ادركوا أن دولة الاحتلال استغلت هذه العلاقة لصالحها ولم يجن الفلسطينيون منها اي شيء ولذلك أصبح لسان حالهم إن لم يكن مقالهم يدعو لقطعها.
أما ما ذكره السفير عن الحالة بين العراق وإيران فهذا قياس مع الفارق فهما بلدان جاران وبينهما من المصالح المتشابكة والروابط المتعددة ما يحتم عليهم الحفاظ على علاقاتهما حتى أثناء الحرب.
أما موريتانيا فليست جارة لفلسطين المحتلة ولم تدخل في حرب مع دولة الاحتلال.
والغريب هنا هو حرص السفير على هذه العلاقة التي أقيمت "اضطرارا " مع دولة احتلت أرض شعب شقيق مارست في حقه انواع الابادة والقتل والتشريد..
إغلاق السفارة
"الورع والأمانة"
في حديث السفير عن إغلاق السفارة الموريتانية في دولة الاحتلال- العبارة من عندي- ذكر أنه كان لابد لهم من الوفاء بالتزاماتهم تجاه الغير وهي تتعلق بدفع رواتب ثلاثة أشهر للعمال المحليين الإسرائيليين الذين كانوا يعملون في السفارة لتمكينهم من تغطية حاجياتهم ريثما يحصلون على أعمال جديدة.
والسؤال المطروح هنا هو من يعوض الفلسطينيين ليس عن رواتب ثلاثة أشهر وإنما عن وطن سلب ومعاناة مستمرة منذ ما يناهز قرنا من الزمن.
شهادات مؤلمة
من هذه الشهادات شهادة سفير دولة الاحتلال السابق لدى موريتانيا التي قال فيها: إن موريتانيا هي البلد العربي الوحيد الذي لم يجمد صلاته بإسرائيل بعد الانتفاضة التي أطلقها ياسر عرفات في سبتمبر 2000.
حضور احتفال "الاستقلال"
حضر السفير الموريتاني في "تل أبيب" الاحتفال السنوي بعيد "استقلال" إسرائيل في مايو 2002 في أوج مذبحة "جنين" في الوقت الذي قاطعه سفيرا الأردن ومصر– وتصريحه بأن العلاقات الموريتانية الإسرائيلية لم تتأثر بـ"الأحداث الجارية" (يعني مذابح جنين ورام الله).
وحتى لا نظلم السفير نذكر له بعض المواقف الإيجابية الداعمة لفلسطين:
- اتصاله بسلطات دولة الاحتلال للمطالبة برفع الحصار عن الرئيس عرفات بناء على أمر من الرئيس معاوية وحسبما ذكر السفير فقد أخبره الإسرائيليون بأن الدبابات انسحبت من المقاطعة بناء على تدخل موريتانيا.
- كان رائدا في التصويت في الأمم المتحدة لرفع عضوية فلسطين إلى عضو مراقب وقاد اللجنة العربية التي كلفتها الجامعة العربية بالتواصل مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن حول عضوية دولة فلسطين.
- تصريحه عندما كان وزيرا للخارجية الذي تضمن اتهام
الجيش الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، خلال العدوان على غزة سنة 2014 .
وقال الوزير في تصريحات صحفية بالقاهرة: إن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تسبب في “خسائر بشرية فادحة ترقى لجرائم الحرب”، بالإضافة إلى ارتكاب “انتهاكات خطيرة لمبادئ القانون الإنساني” وأضاف أن القطاع “تعرض لعدوان إسرائيلي غاشم”، متهماً إسرائيل بـ “المبالغة والتعنت إزاء المبادرات الإقليمية والدولية والنداءات والاحتجاجات الشعبية”.
- انضمامه للمبادرة التي
أطلقها الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي بشأن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من ظلم واعتداء سافرين على حقوقه وكرامته وأرضه. وأكد الموقعون تضامنهم مع فلسطين ومع الشعوب العربية التي ما زالت تعتبر قضية فلسطين قضيتها الأولى، ودعمهم حق الفلسطينيين في استخدام كل أشكال الطرق المشروعة في مقاومة الاضطهاد والتمييز العنصري.
- كما أشار السفير في الصفحة 126 إلى ما يعانيه الفلسطينيون بسبب بناء المستوطنات ونقص المياه وفرص العمل وكارثية أوضاعهم المعيشية في الأراضي المحتلة وأكد أنه طيلة أكثر من اثنتي عشرة سنة قضاها دبلوماسيا في إسرائيل لم يلاحظ تطورا إيجابيا حقيقيا من طرف إسرائيل يسمح بالتقدم إلى الأمام في تنفيذ مسار السلام .
وما ذكره سعادة السفير هنا صحيح فدولة الاحتلال ليس في منهجها السلام لأنها تمارس احتلالا إحلاليا يقوم على القوة ويلغي مبدأ التعايش مع الشعب الفلسطيني أو مع غيره فمنهجهم يعني إما نحن أو هم وهم بذلك إلى زوال.
فإسرائيل في طريقها إلى الزوال السريع، والأمة باقية بإذن الله كما يقول الكاتب السعودي د. أحمد بن عثمان التويجري في مقال له بعنوان: (الإمارات التي في قلوبنا جريدة الجزيرة السعودية بتاريخ 22 يناير 2026)
ماهية الاعتراف
يقول الكاتب السعودي عبد الله بن بخيت:
فاذا اعترفت بها (إسرائيل) بعض الدول العربية فذلك من باب الاعتراف بالأمر الواقع وليس من باب الاعتراف بحق الوجود ويضيف ابن بخيت:
هناك سلام مع إسرائيل يقوم على الاعتراف (بوجود دولة إسرائيل)، هذا ما وقّعت عليه مصر والأردن، وهناك سلام آخر يجب أن يقوم على الاعتراف بـ(حق إسرائيل في الوجود)، أي أن يعترف العرب والمسلمون ثقافياً ودينياً وتاريخياً بوجود إسرائيل.
الأول سلام سياسي وسلام ضرورة، والآخر سلام ديني وتاريخي، والسلام الديني التاريخي يفترض أن يحذف أحد الطرفين شيئاً من دينه ومن تاريخه ليتفق مع دين الآخر وتاريخه).
(من مقال الكاتب السعودي عبد الله بن بخيت المنشور في عكاظ بتاريخ 13 يناير 2026 تحت عنوان: ما هو السلام الإبراهيمي؟).
هل يعتذر سعادة السفير؟
قد يتفهم بعض المتابعين أن سعادة السفير اضطر لهذه المهمة تنفيذا لتعليمات مسؤوليه، أما وقد قطعت العلاقة وتبدل الرؤساء وانتهت مهام السفير وتقاعد فكان الأولى أن يعتذر للشعب الموريتاني كما فعل بعض المسؤولين الموريتانيين الذين كانوا ضالعين- ربما ليس عن رغبة- في إدارة هذه العلاقة.
فقد أعلن وزير الخارجية الأسبق محمد فال ولد بلال، اعتذاره للشعب الموريتاني عن الدور الذي لعبه في إبرام العلاقات الموريتانية الإسرائيلية.
ودعا في مقابلة تلفزيونية مع إحدى المحطات المحلية، إلى ضرورة التواصل بين الأجيال، وتجاوز الماضي بكل تفاصيله، مضيفا أن الاستقالة في عهد ولد الطايع بتسعينيات القرن الماضي لم تكن واردة، نظرا لكون البلاد حينها كانت تخطو خطواتها الأولى نحو الديمقراطية والبلد يفتقد لتعددية إعلامية.
كما أصدر وزير الخارجية الأسبق، أحمد ولد سيد أحمد (المتهم الرئيس بهندسة العلاقات الموريتانية الإسرائيلية) بيان اعتذار تحت ضغط الحملة التي غصت بها وسائل التواصل الاجتماعي ودعت لعزل جميع رموز نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع ممن لهم صلة بملف العلاقات الموريتانية الإسرائيلية.
وقال ولد سيد أحمد في بيانه الذي وصلت نسخة منه لـ"عربي21" إنه لما كلف سنة 1999 بالتوقيع على رفع العلاقات بين موريتانيا وإسرائيل من درجة مكتب رعاية مصالح إلى درجة سفارة، "اعتبرت شأني في ذلك شأن المسؤولين الذين سبقوني وأولئك الذين خلفوني، أنه كان علي أن أقوم بالمهمة التي أسندت إلي، علما بأن الموظف يكلف بمهام قد لا يكون مقتنعا بها، ولا ريب أن هذه المهمة بالذات كانت من هذا النوع بالنسبة لي" بحسب تعبيره.
وختم بيان اعتذاره بالقول: "لست بحاجة لأن أؤكد موقفي الثابت الداعم للقضية الفلسطينية العادلة، وهو الموقف الذي تمليه علي القيم الإسلامية والانتماء العربي ورفض الظلم. كما أنني أشاطر الشعب الموريتاني بصفة عامة، والشباب الموريتاني بصفة خاصة، تضامنهم ومساندتهم للشعب الفلسطيني الشقيق في نضاله العادل ضد الاحتلال الصهيوني".
(من موقع عربي 21)
ملاحظات عامة
أولا: اعتقد ان الفصل الخاص بالعلاقة مع إسرائيل يصلح ليكون موجها إلى دولة الاحتلال أو إلى الجمهور الغربي ولعله لو كتب بالعبرية وبعض اللغات الأوربية كان ذلك انسب، لذلك كانت النسخة الفرنسية تفي بالغرض، أما ترجمته إلى اللغة العربية فلا أراها الا استفزازا للقارئ الموريتاني والقارئ العربي عموما.
ثانيا: يمكن تصنيف الكتاب كما لو كان تطبيعا بأثر رجعي مع دولة الاحتلال وإرسال رسائل مفادها أن التطبيع ليس فقط ممكنا بل هو مطلوب..
ثالثا: حمل الكتاب بعض التناقض فهو يؤكد أن إقامة العلاقة جاءت بناء على طلب الفلسطينيين لدعم مسيرة السلام بينما احتفى الكاتب بما قدمته دولة الاحتلال من "دعم" لموريتانيا وتاسف على قطع العلاقة حتى بعد ان اصبح قطعها رغبة فلسطينية.
رابعا: كان من المناسب أن يغتنم السفير فرصة نشر الكتاب ليعتذر للموريتانيين وقبل ذلك للفلسطينيين عن تعاونه مع المحتل المغتصب.
خامسا: من الصدف العجيبة أن الكتاب تم إيداع لدى المكتبة الوطنية في شهر أكتوبر 2023 وهو الشهر الذي بدأت فيه حرب الإبادة ضد أهلنا في غزة وهي ما تزال مستمرة.
سادسا: إن طلب معالي الوزير وسعادة السفير رأيي لأشرت عليه بحذف الفصل الخاص بالعلاقة مع دولة الاحتلال. (اذا بتليتم فاستتروا).
سابعا: هذه القراءة تفرق بين صورتين الأولى صورة الدبلوماسي المحنك المحترف معالي الوزير احمد ولد تكدي الذي خدم بلاده وكان عطاؤه متميزا بشهادات كبار المسؤولين داخل البلاد وخارجها وهو لذلك يستحق الثناء والتقدير والتكريم.
أما الصورة الأخرى فهي صورة ابتلاء وقعت فيه موريتانيا باقامتها لهذه العلاقة مع المحتلين المغتصبين الذين احتلوا بيت المقدس والأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، وقتلوا وشردوا وعذبوا وسجنوا المرابطين في اكناف بيت المقدس، وكان للسفير نصيب الأسد من هذا الابتلاء وتزداد المرارة اذا ما علمنا أن الأستاذ أحمد تكدي ينحدر من وسط اجتماعي عرف اهله بمقاومة المحتلين والتضحية بارواحهم وبما يملكون دفاعا عن الوطن والدين..
واعتذر لمعالي الوزير فليس الكلام موجها إليه بشكل شخصي بل هي رسالة لأهلنا في فلسطين بأن بلاد شنقيط - موريتانيا على العهد في نصرتهم ولو بشطر كلمة..


.jpeg)
.jpg)