
وقف الأستاذ في كامل أناقته،تحفه الأدوات الهندسية،وخياله يصنع زاوية حادة مع الظروف،وأصابعه تمسك الطباشير الملونة،وسواد السبورة يذكره بأحلام الشتاء المفزعة!
رفع عيونه ليرسل دوريَّة من النظرات،لتفتش عن ألغام الفوضى،المزروعة على قسمات تلاميذ السنة أولى إعدادي،"فبان كيمون" لو وقف هنا سيموت من القلق ومن الغضب ومن الضحك!
بعد جولة خاطفة من النظر،اكتشف وجود تلميذ يرتدي نفس القميص الذي يرتديه،أعاد النظر كرتين،نعم إنه نفس القميص وبنفس اللون وبنفس المقاس تقريبا(شيء محرج)،كأن الأقدار لديها مبادرة لتشجيع فكرة توحيد الزي المدرسي!
عاد بعد الدوام،وخبَّأ القميص في أعماق ملابسه،وتذكر سفح "آفاركو"،والتاجر الذي باعه القميص،وعلاوة"الطبشور"،وسنة التعليم،والهجرة السرية التي تمارسها المعنويات،ونكتة قالها له زميل مرح(أن الأساتذة دائما يموتون بسرعة)
سأل نفسه أين هي علاوة "ضبط المشاعر"،وأين حلمه القديم بالسفر نحو الفضاء،والعمل في "ناسا"،أثناء ذلك رأى جسماً غريباً في نهاية الطريق الرملي،قال في نفسه:ربما تكون مركبة فضائية قادمة من زحل!..لكنها كانت عربة يجرها حمار،وصاحبها يحمل فأساً،تذكر ظاهرة التصحر،وشجرة قرب "التامورت" كتب على جذعها اسم فتاة،كان يقدم لها قرابين الحب،وقد كتب لها قصيدته الأولى و"طلعته" الأولى،ورسم عيونها في دفتر العلوم،قرب درس الوراثة البشرية،وتمنى أن يتزوجها يوما،وينجب منها طفلتين جميلتين تشبهان النجمة والهلال في العلم الوطني،وأن يسكن معها تحت سفح الجبل،وأن تساعده في زراعة الطماطم والحناء في بستانه،وحسبه من الجمال مشاهدة ابتسامتها،ومنظر الأفق الفضي وهو يصافح رؤوس الجبال البعيدة،إنها السعادة العفوية الهاربة من ظلال الرغبات المتوثبة،ومن الطمع الذي يكبر في سماء الطموح كالعواصف الهوجاء،إلى أين نمضي وماذا نريد؟
لقد كبرنا وأصبحنا نمارس السخرية من أحلامنا القديمة،ومن تلك المثالية التي بدأنا بها الحياة،لقد كناًّ طيبين ونحب الخير،والآن أغلقنا علينا دائرة المصالح الشخصية!
فعندما نجدهم حولنا،يمارسون القليل من الفضيلة على سطح الحياة،والكثير من الخطيئة في الخفاء،وأن هناك ممراً سرياً في هذا الوطن،يفضي بسرعة إلى دهاليز الدولة العميقة والحياة العميقة،لكنك لن تراه إلا إذا اكتسبت مناعة ضد تأنيب الضمير!
وعليه بات هو يفكر بشكل جدّي،هل يشتري قميصاً جديداً،أم يعود لقميصه القديم؟؟
هنا تامشكط والساعة تشير إلى 8 صباحاً و 27 دقيقة،والحياة جميلة كعيون الأطفال،وكقسمات بائعة السمك وهي تعد نقودها في المساء،مع شعور بالرضا،بعد بيع محصولها بالكامل،وتقول في نفسها: هناك لذة في الرزق الحلال لو علمها مهربي "الكذب الغش والتزوير والخداع" ما فيها لزاحمونا عليها!!

.jpeg)
.jpg)