ذكريات من أيام الدراسة في الثانوية الوطنية/ الهادي بن محمد المختار النحوي

أربعاء, 2026/09/23 - 20:42
الهادي محمد المختار النحوي

انتقلت مع أخي أحمد سالم بن احمد من إعدادية البنين إلى الثانوية الوطنية (سنة أولى آداب – القسم المزدوج (Bilingue(1979- 1980م).

وكان معنا أيضا ابن عمتنا رجل الأعمال احمد ولد سالم والدكتور السيد ولد اباه والدكتور ابوه ولد محمدن واحمد ولد افقيه وغيرهم.. 

كانت أولى ثمار انتقالنا للسنة الأولى من الثانوية هي أني تنفست الصعداء وارتحت من مادة الرياضيات وتركتها خلف ظهري لكن جاءت بدلها مادة الفيزياء والكيمياء التي سببت لي بعض المتاعب وإن كان ليس بنفس مستوى ما سببته لي الرياضيات. كان فصلنا يضم تشكيلة من الأجناس والأعراق فكان فيها الموريتاني والعربي والإفريقي والفرنسي لذلك كان بعض الإخوة يسميها ( Classe Internationale)..

من أبرز أساتذتنا ، أستاذ مادة التاريخ- اسمه العائلي الحافي – وهو أستاذ مغربي متمكن درسنا من ضمن ما درسنا تاريخ الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، وكان مقتدرا ومتمكنا من المادة، ولعله من أسرة الإمام الزاهد بشر الحافي – أو أن جده سمي عليه. وأفتح هنا قوسا لأذكر بنبذة قصيرة من قصة توبته : كان بشر ( توفي رحمه الله في بغداد سنة 227 او 226 للهجرة) من العابثين غير الآبهين لشيء، وفي ليلة كان يلهو مع رفاقه يشربون ويمرحون ، فمرَّ بهم رجل صالح ، فدقَّ الباب ، فخرجَت إليهِ جارية ، فقال لها: صاحب الدار حرُّ أم عبد ؟ قالت : بل حُرّ ، قال : صدَقْتِ ، لو كان عبداً لاستعمل أدب العبودية ، فَسَمِعَ بِشر مُحاورَتُهُما ، فسارع إلى الباب حافياً حاسراً ، قد ولَّى الرَّجُل ، فقال للجارية : من كلَّمكِ وماذا قال لكِ ؟ فأخبَرَتْهُ بما جرى ، فقال : أي ناحية أخَذَ هذا الرّجُل ؟ قالت : كذا ، فَتَبِعَه بِشر حتّى لَحِقهُ ، فقال له : يا سيدي أنت الذي دققت الباب وخاطبت الجارية ؟ قال : نعم ، قال : أعد علَيَّ الكلام ، فأعَادَهُ عليهِ فَمَرَّغَ بِشر خدَّيهِ على الأرض فقال : بل عبد ثمّ هام على وجهه حافياً حاسراً ، حتى عُرِفَ بالحَفاء فقيل له : لِمَ لا تلبسُ نعلاً ، قال لأنّي ما صالَحَنِي مولاي إلاّ وأنا حافِ فلا أزول عن هذه الحالة حتى الممات.

أما اللغة العربية فكان أستاذها مدرس تونسي متمكن وكانت لامية العرب للشنفرى من مقرر اللغة العربية:

أقيموا بني أُمِّي صدورَ مطِيِّكُم = فإنِّي إلى قومٍ سِوَاكُم لأَمِيلُ

فقدْ حُمَّت الحاجاتُ والليلُ مُقْمِرٌ = وشُدَّتْ لِطَيَّاتٍ مَطَايا وأرْحُلُ

وفي الأرضِ مَنْأَى للكريمِ عن الأذى = وفيها لمنْ خافَ القِلَى مُتَحَوَّلُ

لعَمْرُكَ ما بالأرضِ ضيقٌ على امرِئٍ = سَرَى راغباً أوْ راهباً وهوَ يعقلُ

وأذكر أن أستاذ اللغة العربية هذا كان يثير لنا أحيانا جادا أو ممازحا ظاهرة السمنة عند النساء الموريتانيات وهي ظاهرة كانت سائدة في عصور معينة من تاريخنا مثل كثير من الظواهر السلبية في تلك الفترات ولا غرابة أن تثير هذه القضية انتباه مدرس قادم من تونس التي ذهبت بعيدا فيما أسموه "التنوير" لدرجة الحرب المعلنة والمكشوفة على الدين في مرحلة معينة، حتى أصبح التونسي العربي المسلم غريب الوجه واليد واللسان في تونس الزيتونة.

وفي مادة الأدب الفرنسي كان مقرر المادة يتضمن : تاريخ الأدب الفرنسي وبعض النصوص الأدبية لكبار الأدباء وكذلك دراسة حياتهم ومن بين الأدباء الذين درسنا سيرهم وبعض نصوصهم : شاتوبريانه وهو أحد رواد الأدب الفرنسي (توفي سنة 1848م) ومنهم كذلك الأديب المشهور فيكتور هيجو (ت 1885م) وقد كان صاحب همة عالية فقد قال كلمة مشهورة تعبر عن ذلك : إما أن أكون شاتو برييانه أو لا شيء (« Je veux être Chateaubriand ou rien »وذلك لتأثره بشاتو بريناه ومن هنا نفهم أهمية أن يضع الإنسان لنفسه هدفا وكذلك أن يقتدي بمثل أعلى يحفزه ، وقد تحقق له ذلك أو كثر فقد أصبح من رواد الأدب العالمي ومما يعبر عن علو همته أنه كان يقول عندما كان طفلا : "قضيت طفولتي مشدود الوثاق إلي الكتب". وهذا دليل بين على حبه للكتاب والقرآة عكس حال أمتنا نحن التي نسيت اليوم أنها "أمة إقرأ" فأصبحت في ذيل الأمم.

نشرت له في حياته 50 رواية وكان يقول معبرا عن مكانته في الأدب الفرنسي : "أنا الذي ألبست الأدب الفرنسي القبعة الحمراء" أي قبعة الجمال.

: "J'ai mis un bonnet rouge au vieux dictionnaire"، وهي تعني حرفياً «ألبست القبعة الحمراء للقاموس القديم» (وقد شاع تداولها في الثقافة العربية بصيغة "أنا الذي ألبست الأدب الفرنسي القبعة الحمراء"). ووردت هذه العبارة في قصيدته الشهيرة "رد على إدانة" (Réponse à un acte d'accusation) من ديوانه "التأملات" (Les Contemplations) الصادر عام 1856.

كانت الثانوية الوطنية في تلك الفترة هي أبرز مؤسسة ثانوية في البلاد، قبل ان تنافسها الثانوية العربية، وكانت تشهد صراعات سياسية بين مختلف التيارات : الناصريون والإسلاميون واليساريون. لكن وجود التيار الناصري تعزز بشكل كبير مع تأسيس الثانوية العربية التي كانت الغلبة فيها بلا منازع للتيار الناصري.

وأذكر أنني تعرفت في الثانوية الوطنية على شاب من الحركة الإسلامية يعرف محليا ب "طليل" واسمه الرسمي محمد بن سيدي وكان من أنشط شباب الحركة الإسلامية وأصبحت بيني وبينه صداقة فعرض علي الانضمام للحركة لكن قوة انتمائي للتيار الناصري وقتها - لم تطل فترة الانتماء تلك كثيرا- حالت بيني وبين تلبية رغبته.

والأستاذ طليل هذا سيمثل في أواسط الثمانينيات، حسبما فهمت، مرحلة جديدة في تاريخ التيار الإسلامي إذ بعد عودته من الدراسة في تونس جاء بفكرة "اليسار الإسلامي" وكانت معه مجموعة من شباب الحركة.

انتهت السنة الدراسية وتجاوزنا بحمد الله إلى السنة الثانية ثانوي premiere .. أما دراسة السنتين الأخيرتين من الثانوية فكانت في الكويت .. 

 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

تابعونا

إعلانات