
احتضن الصالون الثقافي لجمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم، مساء الأحد ندوة فكرية لتدارس المقاربة الأخلاقية في الفكر الإسلامي المعاصر، من خلال قراءة في كتاب "دستور الأخلاق في القرآن" للمفكر الراحل الدكتور محمد عبد الله درّاز؛ سليل الأزهر الشريف وجامعة السوربون، وأحد أبرز العقول المسلمة في القرن العشرين.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الأمين العام للجمعية الدكتور شيخنا ولد سيدي الحاج، أن المعضلة الراهنة التي تواجهها الإنسانية اليوم لا تكمن في نقص الموارد أو العقول أو الطفرات التقنية، بل هي في جوهرها "أزمة ضمير وتلاشٍ في الرصيد الأخلاقي".
وأوضح الأمين العام أن استدعاء عبقرية الدكتور درّاز في هذا التوقيت يهدف إلى إعادة الاعتبار لجوهر الإسلام الذي يربط العبادة بالسلوك والعقيدة بالعمل، مشيداً بمنهج المؤلف الذي نقل الأخلاق من "فضاء التنظير" إلى "التأصيل العلمي والدستوري"، ليبرهن على أن القرآن الكريم أرسى نظاماً قيمياً دقيقاً يوازن بين ثوابت الوحي ومتغيرات العصر، ويجمع بين رقابة الضمير الذاتي وجزاء التشريع.
وشدد الأمين العام على تطلع الجمعية من خلال هذه الحوارات إلى إحياء فكر حي يثمر حركية في الواقع، ويربي الأجيال الشابة على فلسفة الواجب والمسؤولية، مؤكداً أن الأمة قادرة على استئناف دورها الحضاري وقيادة الإنسانية مجدداً إذا ما زاوجت بين قوة العلم وقوة الأخلاق.
أدار جلسات النقاش الباحث إخليهن محمد الأمين، الذي وصف مؤلَّف درّاز بأنه "كتاب تأسيسي" يتقاطع فيه مساران: التأسيس للتفسير الموضوعي للقرآن، وبناء نظرية متكاملة لفلسفة الأخلاق في الإسلام.
وفي المحور الأول، الذي حمل عنوان "الأسس النظرية الأخلاقية في القرآن من خلال كتاب درّاز"، قدّم الإعلامي والأستاذ محمد الحافظ الغابد قراءة تحليلة، أشار فيها إلى أن الكتاب لم يتعامل مع الأخلاق كأوامر ونواهٍ متفرقة، بل كنسق نظري متكامل صِيغَ عبر الاستقراء المباشر للنص القرآني والتحليل الفلسفي المقارن.
ونبّه الغابد إلى أن درّاز وسّع مفهوم "الإعجاز القرآني" ليتجاوز البُعد البياني إلى الإعجاز القيمي والمعرفي، مستهدفاً الإجابة على الأسئلة الوجودية للإنسان الغربي.
من جانبه، قارب الأستاذ الجامعي الدكتور محمد الحسن ولد أحمد المحور الثاني للندوة: "منظومة القيم والواجبات الأخلاقية في القرآن"، موضحاً أن معيار القيم عند درّاز ينطلق من كونها ملزمة وأخلاقية في آن واحد، ومشيراً إلى أن "النية" تُمثل المحرك الأساسي والضامن لوجود هذه القيم.
واختتم الدكتور ولد أحمد مداخلته بتسليط الضوء على المنهجية الفريدة للكتاب، والآلية التي مازج بها المؤلف بين الروافد الشرعية الأصولية من جهة، والمنطلقات الفلسفية والكلامية من جهة أخرى.
وقد أثريت الندوة في ختامها بالعديد من المداخلات والتعقيبات من الحضور والمشاركين في الجلسة.

.jpeg)
.jpg)