حول تسوية وضعية الاقتطاعات الريفية في موريتانيا: قراءة في الحاجة إلى التأطير القانوني / سيد المختار كواد

جمعة, 2026/04/24 - 16:40
سيد المختار كواد  /  باحث في مجالات العقار والتعمير والبيئة

يشهدُ النقاشُ الجاري حول إصلاح المنظومة العقارية في موريتانيا تركيزًا متزايدًا على إشكالية الاقتطاعات الريفية، باعتبارها من أكثر الملفات تعقيدًا في الواقع العقاري، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال الحضري والتوسع العمراني.

 

تمثلُ الاقتطاعاتُ الريفية وضعياتٍ انتقالية بين المجال القروي والمجال الحضري، حيث تندمج تدريجيًا داخل النسيج الحضري أو على حدوده بفعل التوسع العمراني، دون أن تستكمل في كثير من الحالات متطلبات التأطير القانوني والتخطيطي. وقد أفرز هذا الوضع أشكالًا متعددة من الاستغلال، شملت البناء والتجزئة في غياب سندات مكتملة أو مخططات معتمدة، مما أدى إلى تداخل الحقوق وتعقيد مساطر التسوية.

 

تفرضُ هذه الوضعياتُ اعتمادَ مقاربةٍ قائمة على التشخيص والتصنيف، تميز بين الحالات القابلة للإدماج الحضري وتلك التي تستوجب إعادة التنظيم أو المعالجة الخاصة، وفق معايير واضحة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب القانونية والعمرانية.

يبرزُ في هذا السياق دور المرسوم رقم 2010-080 الصادر بتاريخ 31 مارس 2010، المطبق للأمر القانوني رقم 83-127 المتعلق بإعادة التنظيم العقاري، كإطار إجرائي لتنظيم الملكيات وتسوية الوضعيات غير المنتظمة، من خلال الإحصاء الميداني وتحديد الحقوق وإعادة توزيع القطع.

تكشفُ التجربةُ العملية عن محدودية هذه الآليات في معالجة الاقتطاعات الريفية، بالنظر إلى صعوبة التوفيق بين المعايير القانونية وأنماط الحيازة التقليدية، وتعقيد إثبات الحقوق، واتساع هامش التقدير الإداري، مما يستدعي تطوير الأدوات القانونية المعتمدة.

يعززُ صدورُ القانون رقم 003-2024 المتعلق بالعمران والبناء الإطارَ المنظم للتوسع الحضري، من خلال إخضاع عمليات البناء والتجزئة للترخيص المسبق واحترام وثائق التعمير (المادتان 5 و8)، ومنع البناء دون سند قانوني (المادة 71)، وتمكين الإدارة من صلاحيات المراقبة والتوقيف (المادة 79) مع ترتيب جزاءات على المخالفات (المادة 83).

يعززُ كذلك القانونُ رقم 012-2025 المعدل والمتمم هذه المقتضيات، عبر توسيع صلاحيات التدخل الإداري في إزالة المخالفات (المادتان 205 و206)، وإقرار مسؤولية مختلف المتدخلين في عملية البناء (المادة 210).

يكتسي صدورُ القانون رقم 2023-017 المتعلق بالتطوير العقاري أهمية خاصة، باعتباره يؤسس لتنظيم تدخل الفاعلين الخواص في إنتاج المجال العمراني، ويفتح إمكانية إدماج بعض هذه الوضعيات ضمن مشاريع تهيئة مهيكلة تخضع لمعايير قانونية وتقنية.

يفتحُ إدخالُ منطق “المشروع العقاري المنظم” بديلاً عن أنماط الاستغلال غير المهيكلة التي طبعت بعض هذه الاقتطاعات، خاصة عند توجيه تدخل المطورين نحو إعادة الهيكلة في إطار شراكات مع الدولة أو الجماعات المحلية، مع ضرورة استكمال النصوص التطبيقية وضبط آليات التدخل بما يضمن حماية الحقوق.

يقترحُ هذا الإطارُ جملةً من التدابير العملية، من بينها إرساءُ آليةٍ وطنيةٍ للتشخيص والتصنيف تعتمد معايير موحدة لتحديد الوضعيات القابلة للإدماج أو إعادة الهيكلة، وتبسيطُ مساطر التسوية عبر رقمنة الإجراءات وتعزيز التنسيق بين الإدارات، بما يحد من التعقيد ويعزز الشفافية. كما يبرزُ دورُ إطلاق برامج تجريبية لإعادة هيكلة بعض المجالات ذات الأولوية في إطار شراكات بين الدولة والجماعات المحلية والفاعلين الخواص وفق مقاربة تعاقدية. ويقتضي ذلك تأطير تدخل المطورين العقاريين بضوابط تضمن احترام حقوق الشاغلين، خاصة عبر آليات ملائمة لإعادة الإسكان أو التعويض عند الاقتضاء، إلى جانب تعزيز المراقبة الميدانية وتطوير أدوات التخطيط الاستباقي.

تؤكدُ هذه المعطيات أن تسوية وضعية الاقتطاعات الريفية تمثل ورشًا إصلاحيًا متكاملًا، يتطلب تنسيقًا مؤسسيًا وتحديثًا للأدوات القانونية، بما يحقق الانسجام بين متطلبات التنظيم العمراني ويعزز نجاعة السياسات العقارية.

سيد المختار كواد

باحث في مجالات العقار والتعمير والبيئة