
يعتبر "سؤال الهوية" في موريتانيا من أوائل الأسئلة التي طُرحت إبّان تأسيس الدولة الموريتانية المعاصرة، وما يزال هذا السؤال مطروحًا إلى اليوم؛ لأنه لم تتم مقاربته بطريقة صحيحة خاليَّة من الذاتية والتفكير الضيق، بل غلب على تناوله التفكير الأيديولوجي وتغليب المصالح الذاتية والفئوية، وكأن مثل هذه القضايا الكبرى يمكن حسمها بمنطق الصراع السياسي. ولهذا سادت في الخطاب العام حول هذا الموضوع أطروحتان أساسيتان: أطروحة التعريب وأطروحة الزُّنُوجة، واستُدعي في سبيل تأييدهما الدين واللغة والتاريخ والثقافة والسياسة، كما برز الحديث عن الأقليات والأكثريات، وتكاثرت السرديات المتعارضة في تفسير الواقع الوطني، وتم الخلط بين قضايا دقيقة، المسافة بينها تحتاج إلى قدر كبير من الفحص والتأمل.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل مشكلة الهوية في موريتانيا ناتجة عن وجود تنوع عرقي وثقافي، أم عن الطريقة التي يُدار بها هذا التنوع داخل الدولة والمجتمع؟
وتسعى هذه المقالة إلى مقاربة هذا السؤال من خلال مناقشة بعض الإشكالات التي تطرح في هذا السياق، وتحليل جوانب من واقعنا السياسي والاجتماعي، وتسليط الضوء على أبعاد يغفل عنها كثير من المتابعين، إسهامًا في النقاش الوطني حول هذا الموضوع الشائك.
وبما أنَّ مسألة اللغة تعدّ من أهمّ مكونات الهوية، فإنَّ الإشكال المركزي الذي يطرح في هذا السياق، هو القول: إن اللغة العربية، بوصفها لغة القرآن، هي اللغة الجامعة لشعبنا بكل مكوناته، على أساس أن هذه المكونات كلها مسلمة، يجمعها الاعتقاد السني والمذهب المالكي. وتزداد صعوبة مناقشة هذه الأطروحة لأنَّ أصحابها يعرضونها بصيغة تقرير الحكم الديني، مما يجعل عدم التسليم بها يبدو وكأنه اعتراض على الدين نفسه. ومع ذلك، فإنَّ هذه المقدمة صحيحة من حيث الأصل؛ فالعربية لغة الوحي، وهي الوعاء التاريخي للثقافة الإسلامية، وقد أدت دورًا جامعًا في كثير من المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ. إلَّا أن تحويل هذه الحقيقة إلى مسوغ لفرض العربية على جميع المكونات يحتاج إلى تدقيق.
ذلك أن الإسلام، وإن جعل العربية لغة الوحي، فإنَّه لم يجعلها شرطًا للانتماء إلى الجماعة الإسلامية، ولم يلغ بها تعدد الألسن والثقافات. فالقرآن نفسه يقرر أن اختلاف اللغات آية من آيات الله في خلقه: ﵟوَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَﵞ[الروم: 22]، وهو تقرير يضع هذا التنوع في دائرة السنن الكونية لا في دائرة الخلل الذي ينبغي إزالته.
ومن هنا فإن الجمع بين مكانة العربية الدينية والحضارية وبين احترام اللغات الوطنية الأخرى هو الأقرب إلى روح الإسلام وعدالته. فالعربية تظل لغة الدين والحضارة الإسلامية، بينما تبقى اللغات الوطنية تعبيرًا مشروعًا عن خصوصيات ثقافية وتاريخية لمجموعات بشرية داخل المجتمع. وعدالة الإسلام تقتضي الاعتراف بهذا التنوع، لا التعامل معه باعتباره عقبة ينبغي تجاوزها.
وعلى هذا الأساس فإن اعتماد العربية لغة جامعة ينبغي أن يكون نتيجة توافق وطني حر، يقوم على القناعة والمصلحة المشتركة، لا على الفرض السياسي أو الإكراه الثقافي. فالتجارب التاريخية –ومن ضمنها تاريخنا الوطني ما قبل الدولة الحديثة- تدل على أن اللغات التي ترسّخت في المجتمعات إنما تمّ لها ذلك بقوة الإقناع والوظيفة الحضارية، لا بالقرارات الإدارية.
ومن المهم في هذا السياق التمييز بين الوظيفة الحضارية للغة العربية ووظيفتها السياسية. فالوظيفة الحضارية للعربية نشأت تاريخيًا بوصفها لغة الوحي والعلم والثقافة الإسلامية، وقد اكتسبت هذه المكانة عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري داخل العالم الإسلامي، حتى غدت لغة مشتركة للتواصل العلمي والثقافي بين شعوبه. أمّا وظيفتها السياسية فهي مسألة مختلفة، تتعلق باختيار الدولة للغة الإدارة والتعليم والمؤسسات العامة. وقد عرفت الحضارة الإسلامية عبر تاريخها دولًا كبرى كان لها تأثير واسع في العالم الإسلامي، ومع ذلك لم تكن العربية لغتها الأصلية. فالدولة العثمانية مثلًا كانت لغتها التركية، ومع ذلك ظلت العربية حاضرة فيها بوصفها لغة الدين والحضارة.
ويتولد عن هذا الطرح إشكال آخر، مفاده أن كثيرًا من الدول ذات التنوع الاجتماعي تعتمد لغة رسمية واحدة، وأن موريتانيا ينبغي أن تسير على هذا النهج. والواقع أن تجارب الدول في هذا المجال متعددة؛ فبعضها اختار لغة رسمية واحدة، وبعضها اعتمد أكثر من لغة رسمية. والمسألة في النهاية ليست حكمًا دينيًا ملزمًا ولا قاعدة سياسية عامة، بل هي خيار تنظمه المصلحة العامة وما يتفق عليه المجتمع.
ومن الإشكالات التي تكثر في النقاش حول الهوية في موريتانيا الجدل المتكرر حول الأقليات والأكثريات. ويحتوى هذا الطرح على مغالطة؛ فالمجتمعات لا تُختزل في حسابات عددية صرفة، وشؤون الدول لا تُدار بمنطق الغلبة الديموغرافية وحده، بل بمنطق المواطنة والعدل بين جميع المكونات. ويضاف إلى هذا أنَّ الواقع في كثير من البلدان يشهد بأنَّ الأكثريات غالبًا تكون في مواقع الهيمنة والصدارة بحكم عددها وثقلها السياسي، بينما تتحرَّك الأقليات عادة بدافع الخوف على خصوصيتها الثقافية أو خشية من التهميش. ولهذا فإن تحويل النقاش حول الهوية إلى جدل حول الأكثرية والأقلية يفضي غالبًا إلى تعميق الانقسام بدل تجاوزه، لأنه ينقل الحوار من البحث عن صيغة تعايش مشترك إلى صراع حول موازين القوة والعدد.
ومن الإشكالات التي ترد في هذا السياق الحديث عن التوظيف السياسي لقضايا الوحدة الوطنية. فالتوظيف السياسي لهذه القضايا أمر واقع لا يمكن إنكاره، لكن الانشغال بمواجهة من يوظفونها أو بتتبع خطابهم لا يكفي لمعالجة أصل المشكلة. والأولى أن تُصرف الجهود إلى معالجة هذه القضايا معالجة جادة، وتحمُّل مسؤوليتها بوعي وصدق، حتى لا تبقى ثغرة تُستغل في توظيفها أو تدويلها.
ومن المغالطات التي تتكرر في الخطاب السياسي القول إن جهة معينة أو شخصية بعينها لا تمثل مكونًا من مكونات المجتمع. وهذا القول يمكن توجيهه إلى جميع الأطراف على السواء؛ لأن النخب السياسية في كل الاتجاهات هي الفاعل الحقيقي في المجال العام. فإذا قيل إن هذه النخب تمثل الفئات التي تنتمي إليها لزم أن يُقبل ذلك من الجميع، وإذا قيل إنها لا تمثلها لزم أن يُطبق الحكم على الجميع كذلك، وحينئذ ينبغي أن يدور النقاش في فضاء وطني عام، بعيدًا عن الاتكاء على المكونات الاجتماعية واستدعائها في الجدل السياسي.
بقي أن نشير إلى مسألة كثيرًا ما تُثار في هذا السياق، وهي ما يُقال عن إقصاء المتحدثين باللغة العربية من الإدارة الموريتانية نتيجة هيمنة اللغة الفرنسية على مفاصلها. وهذه الظاهرة، على ما فيها من إشكال حقيقي، لا ينبغي الخلط بينها وبين إشكال الهوية في موريتانيا، لأنها في حقيقتها مسألة أخرى أقرب إلى أن تكون من آثار النخبة الأوليغارشية المتحكمة في الإدارة ومراكز القرار. فهذه النخبة لا تمثل مكونًا اجتماعيًا بعينه، وإنما هي شبكة نفوذ تشكلت تاريخيًا داخل أجهزة الدولة، واستقرت على اعتبار الفرنسية لغة الإدارة والثقافة. ولذلك أصبح إتقان الفرنسية في نظرها شرطًا غير معلن للاندماج في الإدارة أو الوصول إلى مواقعها، وهو وضع يعكس اختلالًا في بنية الإدارة أكثر مما يعكس إشكالًا في هوية المجتمع. ويسهم في هذا الخلط أنَّ بعض النخب المتفرنسة من مكون الزنوج تنظر إلى العربية بوصفها لغة مكون اجتماعي بعينه، لا بوصفها لغة ثقافية مشتركة.
وبعد هذا العرض لبعض الإشكالات التي يثيرها النقاش حول الهوية واللغة، يبقى أن ننظر في الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تشكلت في ظله هذه المواقف، لأن كثيرًا من التصورات المتداولة اليوم لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق التاريخي الذي نشأت فيه.
وقد مرّ هذا البلد بظروف سياسية واجتماعية أثرت في موقف بعض مكوناته من اللغة العربية بوصفها لغة جامعة، حتى أصبحت تُرى أحيانًا باعتبارها لغة مكون واحد، لا لغة وطنية مشتركة. وكان من أبرز هذه العوامل السجال السياسي الذي دار في مرحلة من المراحل بين القوميين العرب والقوميين الزنوج، وما صاحب طرح اللغة العربية آنذاك من خطاب قدّمها في أحيان كثيرة بوصفها لغة قوم، لا لغة جامعة، وما أعقب ذلك من صدامات واحتكاكات، كان أعمقها أحداث 88 و89 التي عمّقت الشرخ بين مكونات البلد.
وفي ظل هذه الخلفيات يصبح طرح اللغة العربية لغة وطنية جامعة طرحًا صحيحًا من حيث المبدأ، لكنه يظل غير كافٍ إذا تجاهل تعقيدات الواقع التاريخي والاجتماعي. فليس كل ما هو حق في ذاته يكون ممكن التطبيق في كل ظرف؛ إذ كثيرًا ما تعوق الواقعَ إكراهاتٌ تجعل بعض الأمور تحتاج إلى تدرج في تحقيقها.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى ترميم العلاقة بين مكونات المجتمع على أساس الاعتراف بالشراكة في الوطن، وأنه ليس لمكون أن يفرض رؤيته على الآخر. وهذا يقتضي الاعتراف بكل اللغات والثقافات الوطنية في إطار عقد اجتماعي يتفق عليه الجميع، لا يُقصى فيه أحد ولا تُهمَّش فيه أية لغة.
ولا يعني هذا أن المكانة الطبيعية للغة العربية في بلد مسلم ينبغي أن تبقى موضع تردد؛ فحق هذه اللغة أن تتبوأ منزلة الصدارة بوصفها لغة الدين والحضارة الإسلامية. لكن الوصول إلى هذه المكانة يقتضي تهيئة الظروف الاجتماعية والسياسية التي تسمح بقبولها قبولًا طوعيًا. ولعل ترميم الثقة بين المكونات الوطنية وإعادة بناء مناخ التعايش يفتح المجال أمام الأجيال اللاحقة – التي لم تعش أجواء الشحن العنصري التي عرفتها مراحل سابقة – لتجاوز هذه الإشكالات وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.
وإذا كان تجاوز إشكال الهوية يحتاج إلى معالجة سياسية وثقافية متدرجة، فإن المجال التعليمي يمثل أحد أهم المجالات التي يمكن أن يبدأ منها الإصلاح. فاستمرار الازدواجية في التعليم يفضي إلى تخريج أجيال متباعدة في تكوينها الثقافي والتصورات التي تحكم فهمها للعالم. ومن هنا تبدو الحاجة إلى بناء نظام تعليمي موحد، بلغة واحدة أو بلغتين على الأكثر، حتى تتخرج الأجيال القادمة متقاربة في معارفها وتصوراتها، بدل أن يظل التعليم عاملًا إضافيًا في تعميق الانقسام الثقافي والاجتماعي

.jpeg)
.jpg)