بين القائد والمفكر.. جدلية التأثير ومفارقة الكمال/ اخليهن محمد الأمين

أحد, 2026/02/15 - 14:16

قيادة الجماهير موهبة وملكة تختلف عن ملكة العلم والفكر، وتحتاج إلى أدوات غير أدوات العلم والفكر المجرّد والتنظير الأكاديمي؛ ولذلك ظلّ القادة عبر التاريخ أقلّ من العلماء والمفكّرين. وأساس هذه الملكة موهبة فطرية تولد مع الإنسان، وتنمَّى بالتجربة والاحتكاك بالناس.
فالقادة علماء نفس بالفطرة والسليقة، ويدركون بذكاء أنماط الكلام الذي يجذب الجماهير؛ أمّا الأكاديميون، والعلماء، والمفكّرون فتأثيرهم في الجماهير محدود؛ لأنّهم، رغم ما يملكون من معارف، يفتقدون أدوات التواصل مع الجماهير. وقد تنبَّه لهذا المعنى الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون، فقال: "فإن الذين سادوا على العالم وساسوا الأمم والمماليك... كانوا دائمًا من علماء النفس وهم لا يشعرون". (روح الاجتماع، مؤسسة إقرأ، 2015، ص11). فهم لا يعرفون المجتمع من خلال الدراسات والنظريات، بل يعرفونه من خلال الحدس الحيّ والتجربة المباشرة، ويعرفون كيف يخاطبون الغرائز الجمعية، ويستخرجون من روح الجماعة أقصى درجات التفاعل والانقياد. ويدركون أن الخطاب الذي يحرّك الجماهير ليس بالضرورة هو الخطاب الذي يُرضي النخبة، ويعرفون متى يتكلّمون بسفه، ومتى يتكلّمون بحكمة وعقلانية. وهذه الملكة الفطرية، كما يشير لوبون، لا يمكن اكتسابها بالتعلّم أو التدريب، بل هي توليفة فطرية من الذكاء العاطفي، والبصيرة الاجتماعية، وملكة التأثير.
وقد كان العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون من أوائل من نبّهوا إلى هذا التمايز بين القائد والمفكر، وبين السياسة والعلم؛ فأكَّد أنَّ الكيس والذكاء عيب في صاحب السياسة؛ لأنَّه إفراط في الفكر، وأنَّ الملكة السياسية قلّما تحصل عند من كان شديد اليقظة والذكاء. (المقدمة، دار ابن حزم، 2024، ص257).
وحينما يقع الاختلاف بين القادة والعلماء والمفكّرين، فإنّ هذا الاختلاف في الغالب يأتي من قصور العلماء والمفكّرين عن إدراك كثير من تصرّفات القادة؛ لأن أدواتهم التي يقيسون بها ليست من جنس واحد. فالمفكر يقيس الأمور بموازين المنطق والدليل والاستقراء، بينما القائد يتعامل مع ميدان لا يخضع بالضرورة لتلك الموازين: ميدان الوجدان الجمعي، وتقلّب المشاعر، واستثمار اللحظة التاريخية. ولذا، فإن ما يبدو للمفكر تهوّرا أو تناقضا، قد يراه القائد مناورةً ذكية أو ضرورةً ظرفية. ومن هنا تنشأ المسافة بين النظرية والممارسة، وبين المعيار الأخلاقي والمعيار البراغماتي، وهي مسافة لا يسدّها إلا من جمع بين القيادة والفكر، من أمثال جمال الدين الأفغاني، وحسن البنا، والخوميني، وغيرهم من القلَّة الذين استوعبوا الأفكار ودرسوها بشكل علمي، وتملكوا أداوات توصيلها وتحريك الناس بها.
لا أريد أن أبخس العلماء والمفكّرين حقّهم، فلهم دورهم في قيادة المجتمع، ولكنّ دورهم –في الغالب- في ميدان إنتاج الأفكار وصياغتها، وفي مجال الصراع الثقافي، والتأسيس النظري، وبلورة الآراء؛ أما ميدان تحريك الجماهير فهو حكر على القادة، الذين قد لا يمتلك الكثير منهم أدوات العلم والمعرفة بالصورة الأكاديمية الدقيقة التي عند العالم والمفكر، ولكنّهم قادرون أكثر من غيرهم على توظيف تلك الأدوات في ميدان الحياة.
ولا يخلو القادة الكبار من نزعة استبدادية -بمستوى من المستويات- تتولد عن الشعور الداخلي بالتفرّد والسبق والرؤية الواضحة. ولكنّهم في المقابل يمتلكون قدرات قيادية عالية لا تتوفر في سائر الناس، وينجزون في سنة ما ينجزه غيرهم في عقد أو عقدين؛ ولذلك يكونون محط أنظار الجماهير وإعجابها، ولتلك النزعة الاستبدادية فيهم تتوجّه إليهم الانتقادات من النخبة ومن أقرانهم في العمل.
فالقادة الأفذاذ لا يُقاسون بغيرهم من الناس؛ لا في الإنجاز ووضوح الرؤية، ولا في الحسم والشجاعة والإقدام، ولا في القدرة على خوض المعارك، وعلى تحريك الجماهير وإلهاب مشاعرها. ومهما يكن لديهم من سلبيات، فإن الواحد منهم يساوي العشرات، وربما المئات، من نظرائه من القادة الإداريين الذين ينجزون وفق الشروط الفنية، ولا يمتلكون شروط الإبداع والخروج على النص.
ومع ما في النزعة الاستبدادية من سلبيات، إلا أنَّها قد تكون –في بعض السياقات– ضرورة تاريخية. فالقرارات الحاسمة، والتحولات الكبرى، لا تتم عبر الإجماع البطيء، بل عبر وعي فردي نافذ يتجاوز السياق ويكسر التردد، ويصوغ الواقع بوعي وعزم، لا بإملاء الظروف وحدها.
لسنا ننكر أهمية ما وصلت إليه البشرية اليوم من بناء ديمقراطي تكاد تختفي معه القيادة الفردية لتحلَّ محلَّها "المؤسسات" والقيادة الجماعية؛ بل إنَّنا نؤكد أن هذا هو الأصل، وهو الحالة التي ينبغي أن تكون غالبة في البلدان التي لا يوجد فيها قادة أفذاذ. أمَّا حينما يوجد قائد فذ -وهو لا يوجد إلا مرات قليلة في التاريخ- فينبغي إفساح المجال أمامه لينهض بالأمة.
بقيت هنا فكرة يمكن أن تُستخلص مما سبق، وهي أن من شروط النهضة الحقيقية احترام التخصصات، والاعتراف لأهل الفضل بفضلهم؛ بحيث لا يُقحم الإنسان نفسه في ميدان هو لغيره أكثر إتقانًا، ولا يتصدّر في مجالٍ لم يُؤهَّل له، ولا ينازع أهله موقعهم بدعوى الشمول أو الغيرة أو الحماسة. فاختلاط الأدوار، وتنازع الاختصاصات، من أسباب الفوضى الفكرية والاضطراب العملي، كما أن وضوح المواقع، وإدراك حدود الكفاءة، من أسباب الرشد والتكامل.
فالمفكر حين يحاول أن يمارس القيادة الميدانية دون أدواتها، يربك الجماهير، والقائد حين يتصدى للتنظير العميق دون عدته، يُفسد المفاهيم. والنهضة لا تقوم إلا حين يعمل كلٌّ في موقعه، ويُحسن الآخرون الظنّ به، ويُسندون إليه ما يُتقنه، لا ما يريدونه له.
ونؤكد هنا في ختام هذه الإضاءة أنّ هذا الطرح ليس سوى تنظير فلسفيٍّ مجرّد، لا يكاد يجد له مصداقًا في الواقع إلا في حالات نادرة، قد لا تتجاوز فردين أو ثلاثة أفراد في العالم الإسلامي كله.
#السراج