من تشخيص التحول إلى بناء القدرة: التربية في قلب المعادلة الحضارية ج2/د. يحيى عابدين

سبت, 2026/02/07 - 12:19
د. يحيى عابدين

إذا كان المقال السابق قد انشغل بتشخيص التحوّل العميق الذي تمرّ به الأمة، والتنبيه إلى طبيعته المركّبة التي تمسّ الوعي والقيم قبل السياسة والجغرافيا، فإن استكمال هذا النقاش يقتضي الانتقال من توصيف اللحظة إلى مساءلة أدوات التعامل معها. فالأحداث، مهما بلغت حدّتها، لا تصنع التاريخ وحدها، بل تصنعه المجتمعات التي تمتلك القدرة على الفهم، وترتيب الأولويات، وبناء الإنسان القادر على التفاعل الواعي مع التحوّلات، لا الانفعال العابر معها.

 

إن أخطر ما تواجهه الأمم في لحظات التحوّل الكبرى ليس فقط ضغط الخارج أو اختلال موازين القوة، بل ارتباك الداخل حين يغيب الإطار التربوي القادر على تحويل الوعي بالحدث إلى مسار تراكمي منتج. فالتحوّلات، في غياب هذا الإطار، قد تتحوّل إلى طاقة مستنزفة بدل أن تكون فرصة لإعادة البناء. ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة عند حديثه عن تقلبات التاريخ بقوله تعالى:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾،

في دلالة على أن تداول القوة ليس فعلا آليا، بل محكوم بأهلية المجتمعات وقدرتها على التعلّم من التحوّل، واستيعاب دروسه، وبناء شروطه الداخلية.

لقد كشفت التحوّلات الجارية في فلسطين والمنطقة عمومًا أن جوهر الصراع لم يعد محصورا في موازين القوة المادية، بل بات مرتبطا بمنظومات الفهم والتأويل، وبالقدرة على الصبر الاستراتيجي وإدارة الزمن. وأظهرت التجارب الحديثة أن المجتمعات التي تفتقر إلى وعي تربوي متماسك تميل إلى أحد مسارين متناقضين: 

-إمّا التهويل الذي يفضي إلى العجز.

-وإمّا التبسيط الذي يفضي إلى الاستهتار. 

وكلا المسارين يعكس خللا في بنية الوعي الجمعي، لا في طبيعة الحدث ذاته.

وفي هذا السياق، تبرز التربية بوصفها المدخل الحاسم للتعامل مع زمن التحوّل. فالتربية، بمعناها الحضاري، ليست نشاطا تعليميا محدودا ولا خطابا أخلاقيا موسميا، بل عملية طويلة النفس، وتمتاز بالتراكمية، تستهدف إعادة بناء الإنسان من حيث وعيه بذاته، وفهمه للعالم، وقدرته على الجمع بين الإيمان والعمل، وبين الحماسة والانضباط. وهي التي تمكّن الفرد من إدراك أن التحوّل التاريخي ليس طريقا مختصرا نحو النصر، بل مساحة اختبار وتمحيص، كما في قوله تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾،

حيث يربط النص القرآني بين صدق الإيمان والاستعداد لتحمّل كلفته الواقعية.

ومن الإشكالات التي أفرزتها المرحلة الراهنة تعميقُ الفصل بين الإيمان والواقع، أو بين الخطاب الديني ومسارات الفعل العام. ففي كثير من الأحيان، جرى اختزال الدين إمّا في خطاب تعبوي سريع الأثر محدود الامتداد، وإمّا في وعظ أخلاقي مجرّد، معزول عن قضايا الصراع والتدافع وسنن التاريخ. في حين قدّم القرآن تصورا مغايرا، يربط بين التزكية وتحمل المسؤولية، ويؤسّس لفهم الإيمان بوصفه التزاما عمليا ممتدّا في الزمن، لا مجرّد حالة وجدانية عابرة، كما في قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،

حيث يوسّع النصّ القرآني دائرة الإيمان لتشمل مجمل حركة الإنسان في الحياة، ويضع الفعل والاختيار والسلوك اليومي ضمن مقتضيات العبودية والمسؤولية التاريخية.

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال أهمية بناء الفرد قبل الرهان على التحوّلات الكبرى. فالتجارب الإصلاحية العميقة أثبتت أن المجتمعات لا تنهض بالقفز على المراحل، ولا بتعليق الآمال على لحظات استثنائية، بل ببناء الإنسان القادر على الاستمرار، وضبط النفس، والعمل ضمن جماعة، واحترام سنن التدرّج. وهو معنى يتقاطع مع منطق قرآني راسخ يؤكد أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، كما في قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.

ويكتسب مفهوم الإعداد، في هذا السياق، دلالة أوسع من اختزاله في بعده العسكري أو التقني. فالقرآن يقدّم الإعداد باعتباره عملية شاملة تبدأ ببناء الإنسان ووعيه، وتمرّ بإعداد المجتمع وتنظيمه، قبل أدوات القوة المادية. ويعبّر عن هذا المعنى قوله تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾،

حيث تحيل عبارة «ما استطعتم» إلى الواقعية والتدرّج، وتؤكد أن بناء القدرة مسار طويل تحكمه السنن، لا منطق الاستعجال أو الرغبة في قطف الثمار قبل نضجها.

ولا ينفصل هذا النقاش عن المشهد القيمي العالمي، الذي أشرنا إليه في المقال السابق، حيث كشفت الأزمات الأخلاقية المتلاحقة عن تآكل عميق في المنظومات التي ادّعت يوما قيادة العالم أخلاقيا. غير أن قراءة هذا الواقع ينبغي أن تتجاوز منطق الشماتة، لتتعامل معه باعتباره درسا تاريخيا يؤكد أن الحضارات لا تسقط حين تضعف قوتها المادية فقط، بل حين يفقد الإنسان فيها قيمته، وتغيب المعايير التي تضبط السلوك العام. ويكمن الخطر الأكبر في قابلية بعض مجتمعاتنا لاستيراد هذه النماذج المنهارة دون وعي نقدي أو تحصين تربوي كاف.

إن التحوّل الذي نعيشه اليوم يفرض إعادة الاعتبار للتربية بوصفها عنصرا استراتيجيا في بناء القدرة على الصمود والتفاعل، لا بوصفها شأنا ثانويا أو ترفا فكريا. فالمجتمعات التي تعاني من هشاشة داخلية، وانقسام حاد، وضعف في إدارة الاختلاف، سرعان ما تُستنزف من الداخل، مهما امتلكت من موارد. وقد نبّه القرآن إلى هذا المعنى بوضوح حين ربط التنازع بفشل الجماعة وذهاب قوتها، في قوله تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

 

ختاما يمكننا القول بأنّ التحوّل التاريخي الراهن لا يمكن التعامل معه بوصفه قدرا مفروضا أو فرصة تلقائية للنهوض، بل هو اختبار مشروط بمدى جاهزية المجتمعات، وعلى رأسها الجاهزية التربوية. فإمّا أن يتحوّل الوعي بالتحوّل إلى مسار بناء طويل النفس، يعيد الاعتبار للإنسان والقيم والسنن والعمل الجماعي المنضبط، وإمّا أن يُستهلك في ردود أفعال متفرّقة تُبدّد الطاقة وتفوّت الفرص.

 

ويبقى السؤال مفتوحا أمام الكتّاب والباحثين وصنّاع الوعي:

كيف يمكننا بلورة نموذج تربوي معاصر، متجذّر في المرجعية القرآنية، وقادر في الوقت ذاته على استيعاب تعقيدات الواقع والتحوّلات الجارية، بحيث لا يكتفي بتفسير الصراع، بل يُسهم فعليا في بناء القدرة على خوضه والاستمرار فيه؟

 

*الأستاذ: يحي عابدين* 

*أمين الشباب في المكتب التنفيذي للرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني.*