
لم يكن نيـل الحرية يوما من الأيام مطْـلبا سهلا، تهفو إليه القلوب الضعيفة الخاوية من الإيمان، الكافرة بأسـرار الطّـموح. بل ظل مرهونا بنفوس تمتلك أيادي مضرَّجة بالدماء دقَّتْ بوابة "الحرية الحمراء"،وقدمت تضحيات كبيرة، وطموحات عظيمة، وحتى هتافات صادقة مدوية ظلَّت تقضُّ مضاجع الظالمين، وهم على سُـرُرٍ غير موضونة، يطوف عليهم الخزي والعار.
استمرت الأيام وظلَّ مطلب الحرية "مطلبا وعِـرا" – كما كان- على غير الأحرار المؤمنين بضرورة الحرية، المشتاقين إلى الاستظلال بظلالها، والعيش تحت سلطتها وحكمها العادل، فالحرية لدى الشعوب المنتفضة ضد الاستبداد، تمثل إكسير الحياة والعطاء والعمل والتغيير.
كانت أيام الزمن ولياليه كفيلة بأن تؤكد تلك الحقيقة أكثر من مرَّة لأجيال الزمن القادم، فكانت صيحات الأحرار بمثابة "المنطلَق" لمسيرة الحرية الواعِـدة، وظلت دماؤهم ترسم "معالمَ الطريق"، وتزيح "العوائق"، وتشرح "تنظير التغيير"، وترتقي بالأمة "نحو المعالي"، وتُعلمُ "جيل النصر المنشود" "صناعة الحياة"، وتحدِّدُ للفـرد "معنى انتمائه للإسلام".
كان أبو القاسم الشابي صادقا وهو يرسم حـروف قصيدة "إرادة الحياة" الحافلة بالحرية وأشواقها، والتي صمدت أكثر من نصف قرن، وظلت حداء للجماهير الثائرة ضد وأد الحرية (معشوقة الأحرار). ذهب الشابي في قصيدته تلك إلى حقيقة جليَّة، هي أن الطموح يمثل "لهيبا للحياة وروحا للظفـر"، فظل يطمح إلى الحرية، ويهدي للحرية والأحرار بناتَ فكره الطامح المحلِّق.
من هنا يتأكد أن الحرية أو"الحبيبة المنشودة" كما يسمِّيها سيد قطب، تستلزم - في كل خطواتها- طموحا كبيرا وصبرا بلا حدود، وأن الطامح إليها لا بد أن يضرب بعصى طموحه بحرَ الحياة كيْ ينفلِق، لينجلي الليل بشرى وحرية، فينشرح صدر "المعشوقة" للعاشقين، فتتلاقى الأرواح، فتشرق شمس"الحرية الكاملة"، فيسود العدل والإنصاف..
وتلك لحظة فاصلة تنتظرها بشوقٍ جماهير أمتنا الكبرى التي "امتدَّت رسالتها طولا وعرضا وعمْقا"..كما يقول "الرجل القرآني"، الشهيد حسن البنّـا.

.jpeg)
.jpg)