
الجالية الموريتانية في السعودية
الجذور التاريخية، والإسهامات الحضارية، والتحديات الراهنة، وآفاق التنمية
ورقة مقدَّمة إلى منتدى الجاليات الموريتانية 29-31 أكتوبر 2026
تحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني
إعداد وتقديم: عبد الله إسماعيل الشريف
ممثل الجالية الموريتانية في السعودية
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد
فتُمثّل الجالية الموريتانية في المملكة العربية السعودية نموذجًا متميزًا للهجرة الموريتانية، بما تحمله من خصوصية تاريخية ودينية وعلمية واجتماعية. فقد ارتبطت الهجرة الشنقيطية إلى بلاد الحرمين الشريفين، منذ قرون، بالحج والمجاورة ونشر العلم، قبل أن تتطور إلى استقرار أسري واجتماعي امتد عبر أجيال متعاقبة.
وقد أسهم الشناقطة في الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية في الحجاز، وحافظوا على روابطهم بوطنهم الأصلي، فغدوا جسرًا للتواصل الحضاري بين موريتانيا والمملكة العربية السعودية.
وتهدف هذه الورقة إلى تقديم لمحة عن تاريخ الجالية الموريتانية في المملكة وخصوصيتها وإسهاماتها، واستعراض أبرز التحديات التي تواجهها، واقتراح مبادرات عملية تستثمر إمكاناتها البشرية والعلمية والاقتصادية، وتعزز صلتها بالوطن .
المحور الأول: الجذور التاريخية للهجرة الشنقيطية إلى الحرمين الشريفين
أولًا: من أبرز الرحلات إلى بلاد الحرمين
تعود الصلات بين بلاد شنقيط والحرمين الشريفين إلى قرون مضت؛ وقد وثّقت كتب الرحلات والتراجم جانبًا مهمًا من حركة الحج وطلب العلم بين المنطقتين.
ومن أقدم الشواهد المدوّنة المعروفة رحلة الحاج محمد البشير البرتلي الولاتي، التي بدأت سنة 1204هـ/1789م، ونُشرت مخطوطتها محققة سنة 2021م. وتمثّل هذه الرحلة وثيقة جغرافية وعلمية واجتماعية مهمة، لما تضمنته من وصف لطرق الحج ومنازل القوافل والآبار، وتسجيل للقاءات العلمية والمشاهدات الاجتماعية.
ثم توالت الرحلات الشنقيطية، ومن أبرزها:
● رحلة الطالب أحمد بن اطوير الجنة (1245–1250هـ/1829–1834م): المعروفة برحلة المنى والمنة، وتتميز بغناها الجغرافي والعلمي والاجتماعي.
● رحلة الشيخ ماء العينين (1274هـ/1858م): التي مرّت بالمغرب ومصر في طريقها إلى الحجاز.
● رحلة محمد يحيى الولاتي (1311–1317هـ/1894–1900م): التي توثق جوانب من الحياة العلمية والفقهية والاتصال بالمشرق.
● رحلات محمد الأمين بن فال الخير الحسني (1876م-1932م): مؤسس مدرسة النجاة بمدينة الزبير قرب البصرة، الذي وردت ترجمته في أعلام البصرة والكويت والأحساء ونجد والحجاز.
● رحلة العلامة محمد الأمين الشنقيطي (1367هـ/1948م): التي انتهت باستقراره في المملكة العربية السعودية.
وقد تحولت الهجرة، تدريجيًا، لدى عدد من الشناقطة من رحلة مؤقتة إلى استقرار دائم؛ فتكوّن مجتمع شنقيطي في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وامتد حضوره عبر أجيال متعاقبة.
ثانيًا: من أبرز الأعلام الشناقطة الذين استقروا في الحجاز
برز عدد من العلماء والشخصيات الشنقيطية الذين أسهموا في الحياة العلمية والاجتماعية في بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية حرسها الله، وكان لهم أبلغ الأثر في ذاكرة الجالية الموريتانية ومنهم:
العلامة محمد حبيب الله بن ما يابى (ت 1363هـ/1944م): من كبار علماء الحديث، أقام في الحجاز مدة قبل انتقاله إلى مصر، ومن أشهر مؤلفاته زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم. وقد كان هو وأخوه محمد الخضر بن ما يابى الجكني من العلماء الذين درّسوا في الأزهر الشريف والحرمين الشريفين والقدس. وعمل مفتيًا ومدرسًا للحديث النبوي في المدينة المنورة. كما درّس محمد أمين الشنقيطي الحديث في مكة المكرمة، ودرّس فيها كذلك محمد يحيى بن محمد المختار الولاتي الشنقيطي (ت 1330هـ). وتولى محمد بن عبد الله بن آدّ الجكني الشنقيطي القضاء في جيزان وينبع سنوات طويلة، حظي خلالها بالاحترام والتقدير.
الشيخ محمد المجتبى بن خطري البصادي، رحمه الله (نحو 1890–1960م): من أعلام الهجرة الشنقيطية. وصل إلى الحجاز في رحلته الثانية سنة 1358هـ، وأقام أولًا في المدينة المنورة، ثم انتقل إلى مكة المكرمة واستقر بحي جرول، حيث اشتغل بالتدريس والتفسير والإرشاد. وكان يعقد مجالس علمية يحضرها عدد من علماء الحجاز وأعيانه، منهم علوي عباس المالكي، وحسن المشاط، وأمين كتبي. توفي بمكة المكرمة سنة 1960م، ودُفن بمقبرة المعلاة.
العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني، رحمه الله (ت 1393هـ/1973م): صاحب تفسير أضواء البيان. قدم للحج سنة 1367هـ، ثم استقر في المملكة، وأسهم في التدريس والتأليف والتعليم الجامعي والفتيا. وكان له دور رئيس في حصول عدد كبير من الشناقطة على الجنسية السعودية.
الشيخ أبو بكر بن الشيخ المختار آل يوسف التنواجيوي، رحمه الله (1330–1385هـ): قدم إلى الحجاز سنة 1366هـ، وعمل مدرسًا بمعهد الهفوف في الأحساء، ثم انتقل إلى مكة المكرمة، حيث درّس بالمدرسة السعدية ومدرسة الإمام علي بن أبي طالب. وكان أول إمام رسمي لمسجد ابن حسن الشهير، كما أمّ المصلين في المسجد الحرام، ووردت ترجمته ضمن تراجم أئمة المسجد الحرام.
الشيخ أحمد ولد عبد العزيز التاشدبيتي، رحمه الله (1349–1434هـ): استقر بالمدينة المنورة سنة 1966م، بعد رحلة حافلة قادته إلى نيجيريا والنيجر والسودان ومصر، بذل خلالها جهودًا علمية ودعوية واجتماعية، ونسج صلات وعلاقات واسعة. وهو مؤسس جامع العرفان ومكتبته ومحظرته.
الشيخ اعمر بن محمد الأمين بن حب الله الشمشوي، الملقب «النص الشمشوي»، رحمه الله (1920–2008م): قصد الحج أول مرة سنة 1373هـ، ثم كرر الحج من بلاده قبل أن يستقر بالمدينة المنورة سنة 1973م. وأصبح منزله محظرة علمية يؤمّها طلاب العلم، ودرّس أكثر فنون المحظرة، من علوم القرآن والفقه واللغة، على مدى يزيد على 45 سنة. توفي سنة 2008م، ودُفن بالبقيع.
الشيخ غالي بن محمد الأمين (ولد آفّا) الدليمي، رحمه الله (1353–1409هـ): من العلماء الذين جمعوا بين الحافظة المحظرية والعقلية العلمية الأكاديمية البحثية. عمل معلمًا بمعهد إعداد المعلمين بالمدينة المنورة، ومفتشًا وموجهًا تربويًا في وزارة التعليم بالمملكة، وترك آثارًا علمية في تاريخ المدينة المنورة ومعالمها.
الشيخ العلامة محمد الإغاثة ولد محمد سالم الشنقيطي، رحمه الله (1940–2020م): من كبار المتخصصين في علم الرسم والضبط. أمضى أكثر من ثلاثين سنة في العمل بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وعُيّن مراقبًا للنص القرآني، واختير عضوًا في اللجنة العلمية لمراجعة مصحف المدينة النبوية. وله مصنفات علمية، وتتلمذ +عليه عدد من طلبة العلم، وعُرف بالزهد والورع. توفي ودُفن بالبقيع.
الشيخ العلامة الدكتور محمد الخضر بن ضيف الله، رحمه الله (1934–2003م): وفد إلى السعودية سنة 1965م، وكان من تلاميذ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي. انتقل إلى مكة المكرمة، ودرّس بجامعة أم القرى، وكانت له دروس علمية مباركة وجهود دعوية نافعة.
الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو سالم الحسني، الملقب «حدّنا»، رحمه الله (1924–2021م): درّس خمسة عشر عامًا في مكة المكرمة وعشرة أعوام بالمدينة المنورة، وشملت دروسه الفقه والنحو والصرف والشعر والسلوك والسير والأنساب والشمائل. وعُرف بالزهد والتواضع.
الشيخ البروفيسور محمد سيدي الحبيب الجكني، رحمه الله (1931–2017م): قدم إلى السعودية سنة 1968م، وكان من أجود تلاميذ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وأقربهم إليه. انتقل إلى مكة المكرمة، وتولى التدريس بجامعة أم القرى سنوات عديدة، إلى جانب دروسه لطلاب العلم في منزله وفي الدرس العلمي للجالية الموريتانية بمكة. توفي بالمدينة المنورة ودُفن بالبقيع.
الشيخ محمد الحسين ولد حبيب الله الأبيري، رحمه الله (1935–2017م): تخرج من الأزهر، وكان، بحسب ما تذكره سيرته، أول موريتاني يحصل على درجة الماجستير فيه. عمل أستاذًا بمعهد أم درمان، وإمامًا وخطيبًا، وله مؤلفات عديدة لم تُطبع. حج أول مرة سنة 1956م، ثم عاد إلى السودان وكرر الحج منها، قبل أن يستقر بمكة المكرمة سنة 1969م. وقدّم دروسًا علمية عبر إذاعة أم القرى من خلال برنامج «نور على الدرب». وفي أول زيارة للرئيس الراحل المختار ولد داداه إلى المملكة العربية السعودية سنة 1972م، عاد معه إلى موريتانيا لمدة شهر، ثم عُيّن سكرتيرًا أول بالسفارة الموريتانية في جدة. وبعد انتقال السفارة إلى الرياض، عُيّن أول قنصل بالقنصلية الموريتانية في جدة. وكانت له جهود مشهودة في خدمة أبناء الجالية وتيسير أمورهم، دون تمييز بين من يعرف ومن لا يعرف. توفي يوم 28 ديسمبر 2017م، ودُفن بمقبرة المعلاة بمكة المكرمة.
الشيخ البرفيسور محمد عبد الله ولد أمات أبو أنس رحمه الله تعالى (1952-2025) : تولى التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود قبل أن ينتقل إلى أكاديمية الأمير نايف الأمنية وعين بعد سنوات من التدريس والإشراف الأكاديمي عميدًا لكلية الشريعة والقانون ، مثّل بلادنا أحسن تمثيل علمًا وخلقًا ووجاهة ، فكرّس علاقاته في لعب أدوار خالدة في خدمة الجالية بجميع فئاتها وخلفياتها ، واستمر على ذلك النهج حتى توفاه الله تعالى بعد مرض عضال ألم به ودفن في البقيع 2025م رحمه الله تعالى.
الشيخ سيدي محمد بن المصطفى التندغي (الملقب سليم) رحمه الله تعالى (1973-2016م) : تخرج بتفوق من الجامعة الإسلامية قسم القراءات ، والماجستير والدكتوراه من السودان ، درّس لسنوات في مدرسة دار الفتح بالمدينة المنورة ، ثم كانت بركة على المنطقة الشرقية بالسعودية حيث جلس لتدريس علوم المحظرة من علوم القرآن والفقه واللغة والآداب والسلوك ، فدرس عليه قضاة ومهندسون وأطباء وطلاب العلم من شتى الفئات العمرية ، كان وقته رحمه الله عليه مشغولا بخدمة الناس والسعي في مصالحهم ، فبذل في ذلك علاقاته و وقته وجهوده تقبل الله منه ثم توفي في المدينة المنورة بعد مرض ألم به ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى .
ونظرًا لأن الكثير من المهتمين بالكتابة عن الأعلام يركزون على الراحلين ، إلا أنه من الوفاء ومن السنة الحسنة التي ينبغي الاهتمام بها هي الكتابة والتوثيق للأحياء من الأعلام وأصحاب الآثار الحسنة خصوصًا أصحاب النفع المتعدي للآخرين تعليمًا وخدمة وسعيًا في مصالح أبناء الجالية ، لذا أجد من اللازم الكتابة عن بعض الأحياء مد الله في أعمارهم وبارك في أعمالهم ، وإن كان المقام لا يسعف في التعريف الكامل بهم والتنويه بجهودهم إلا أن ما لا يدرك كله لا يترك جله. فنبدأ بقائمة من أعلام الجالية وأصحاب الأثر النافع حسب علمي القاصر.
الشيخ الدكتور سيد أحمد ولد الإمام الموساني، حفظه الله: قدم إلى مكة المكرمة سنة 1978م، وأكمل دراسته الأكاديمية بمعهد الحرم، ثم درّس بالمسجد الحرام وعُيّن في لجنة الإفتاء فيه. ويقيم بمكة المكرمة، وله جهود علمية واجتماعية في خدمة الجالية وحجاج بلادنا.
الشيخ الدكتور محمد عبد الله التاقنيتي، حفظه الله: من شيوخ الجالية الموريتانية بمكة المكرمة. قدم إلى بلاد الحرمين سنة 1980م، ودرّس بدار الحديث بمكة المكرمة أكثر من ثلاثين سنة، ومارس التدريس والإفتاء للحجاج الموريتانيين زمنًا طويلًا.
الشيخ الدكتور محمد أحمد الداه "بدي" الأمسمي حفظه الله : قدم للسعودية سنة 1976، ودرس الدراسة النظامية الثانوية والكلية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، والدكتوراه بجامعة أم القرى بمكة ، درس لسنوات بجامعة طيبة في المدينة وينبع ، وكانت له أدوار كبيرة في خدمة الجالية بمكة والمدينة تعليميًا واجتماعيًا.
الشيخ الشريف بن محمد أحمد العبدقي حفظه الله: قدم إلى الحرمين الشريفين منتصف السبعينات، ودرس على عدد من مشايخ الشناقطة بالمدينة المنورة ، وتميز بتدريس القراءات وعلو السند فيها إضافة إلى تدريس مختصر خليل وغيره من المتون الفقهية وعلوم القرآن.
الشيخ محمد محمود بن المصطفى بن إبراهيم الخليل الأمسمي حفظه الله: أحد وجوه وأعيان الجالية في مكة وأحد مؤسسي لجنة الجالية الموريتانية بمكة ، وله جهود اجتماعية وعلمية مباركة ، خصوصًا في مجال كفالة الأيتام وتوفير احتياجات الأسر المتعففة.
الشيخ عبد الله ولد عابدين المشظوفي حفظه الله ورعاه: من أبرز معلمي القرآن الكريم بالمسجد الحرام؛ فقد ظلت حلقته بجوار باب العمرة مقصدًا لأبناء الجالية وغيرهم لدراسة القرآن الكريم. وانتفع طلابه بعلمه وتربيته وحنوه، منذ منتصف الثمانينيات حتى نحو سنة 2010م.
الشيخ محمد ولد أحمدو حمادي العبدقي حفظه الله : أحد وجوه وأعيان الجالية في المدينة المنورة قدم للسعودية منتصف السبعينات وجاور بالمدينة المنورة ، له جهود اجتماعية كبيرة ومتنوعة في خدمة الجالية ، مثل تحصيل السلال الغذائية للمحتاجين وغير ذلك.
الأستاذ الحاج ولد اطويلب العلوي حفظه الله : أحد مؤسسى مكتب الجالية الموريتانية في مكة المكرمة ، وله جهود اجتماعية مهمة في خدمة الأسر والأيتام ، والإشراف على درس الجالية الموريتانية في مكة .
البروفيسور محمد ولد الداه المهدي الإدريسي حفظه الله: أحد نشطاء ووجوه الجالية بمكة المكرمة ذات الأثر النافع له جهود كبيرة في المجال التعليمي والرياضي للجالية ، وكفاءة علمية وإدارية خدم في الإشراف التربوي والإداري في عدة مدارس بمكة المكرمة
الشيخ خليّفة ولد حنطار البصادي حفظه الله : عرفته الجالية الموريتانية في المدينة المنورة لأكثر من 30 سنة يقدم خدمات اجتماعية مهمة ، تركزت في تسهيل خدمات الجوازات والإقامة ، وتقديم المساعدات الطبية لبعض ضعاف الجالية وكذلك السعي في مصالح بعض العجزة ممن لا معيل لهم، دون تمييز. فجزاه الله خيرًا.
وهذه النماذج غيض من فيض؛ فما أردنا إلا تسليط الضوء على سلف ماجد من الشناقطة جمعوا بين العلم والورع والتواضع والبساطة، وعزة النفس وسمو الأخلاق. وقد كانت هذه الخصال من أبرز ما ميّز حضور الشناقطة في المشرق عمومًا، وفي المملكة العربية السعودية خصوصًا، حتى كانوا موضع إكبار وإجلال وتقدير لدى من لقوهم أو مرّوا بهم.
وفي هذا السياق، حدّثني الوالد مولاي إسماعيل ولد الشريف -حفظه الله ورعاه- ، نقلًا عن خالنا ابحيدة ولد المصطاف الجكني -رحمه الله تعالى- ، أن رجلًا سودانيًا سأله ذات مرة: «أسألك بالله، هل هناك شنقيطي يعصي الله؟». وهي حكاية طريفة تعبّر، على ما فيها من مبالغة محببة، عن الصورة الحسنة التي رسخت لدى بعض المجتمعات عن الشناقطة.
رحم الله السلف، وبارك في الخلف. فقد أسهم أولئك الأعلام وغيرهم في بناء إرث خالد و حضور مؤثر لجاليتنا في السعودية -وفي الطريق إليها-، آن الأوان أن يُستثمر أحسن استثمار.
إشارة توثيقية: من أبرز من كتبوا عن أعلام الشناقطة بالحجاز الشيخ الفاضل بحيد بن الشيخ يربان القلقمي، وكذلك الوالد الدكتور مولاي إسماعيل الشريف. وللأستاذ محمد سيد أهلو مقاطع مرئية نافعة في التعريف بأعلام الشناقطة، فجزى الله الجميع خيرًا. وقد اقتصرت هنا على نماذج من الموريتانيين، ولم أذكر ممن حصلوا على الجنسية السعودية إلا قليلا لاقتضاء المقام ذلك، مع الاعتراف بالدور الكبير الذي أداه كثير من الأعلام الشناقطة السعوديون، مثل محمد منّة الشيباني ومحمد الأمين ولد الصغير، وغيرهما رحمهم الله الجميع.
المحور الثاني: الخصائص المميزة للجالية الموريتانية
تتميز الجالية الموريتانية في المملكة العربية السعودية بعدد من الخصائص التي تمنحها مكانة خاصة بين الجاليات الموريتانية في الخارج:
أولًا: الإرث التاريخي والديني. ارتبطت هجرة أجيال من الشناقطة بالحج والمجاورة وطلب العلم وتعليمه، إلى جانب دوافع أخرى ظهرت مع تطور الظروف السياسية والاقتصادية، ولا سيما بعد الاستعمار الفرنسي لبلادنا.
ثانيًا: التنوع الاجتماعي ووحدة الانتماء. على الرغم من انتماء أبناء الجالية إلى مناطق ومكونات اجتماعية موريتانية متعددة، فقد ألّفت بينهم الهوية الشنقيطية ،روابط التكافل والتعاون، وأسهمت بعض الأوقاف والمبادرات الأهلية في تعزيز التضامن بينهم.
ثالثًا: المحافظة على الهوية الثقافية. احتفظت أجيال من المهاجرين بعاداتها الاجتماعية وتقاليدها العلمية، من ثقافة «الطالب» و«اللوح» و«إثنينته» و«أربعائه»، وغيرها من مظاهر الدراسة المحظرية، ولا سيما في مراحلها الأولى. ولا يزال هذا الإرث حيًا بفضل مساهمات نوعية؛ فإلى جانب الدروس العلمية للجالية في المدينة المنورة ومكة المكرمة والرياض وجدة والدمام، توجد محاظر شنقيطية متميزة يشرف عليها رجال ونساء، بعضها حضوري وبعضها افتراضي.
رابعًا: التميز العلمي والتربوي. تمتلك الجالية رصيدًا معتبرًا من العلماء وحفظة القرآن والأساتذة والأكاديميين، فضلًا عن خبرات متنوعة في المجالات المهنية والإدارية.
خامسًا: القدرة على التواصل الحضاري. تجمع الجالية بين معرفة المجتمع السعودي وثقافته ومؤسساته، والصلات الطيبة بسائر الجاليات المقيمة في الحجاز، والارتباط بالمجتمع الموريتاني؛ مما يؤهلها للإسهام في تعزيز التعاون بين البلدين.
المحور الثالث: ملامح التأثر والتأثير
اتسم الوجود الشنقيطي في بلاد الحرمين بتفاعل متبادل، تجلّى في مجالات متعددة:
في المجال العلمي: نقل الشناقطة تقاليد المحظرة القائمة على الحفظ والإتقان وعلوم العربية والفقه، وتأثروا بدورهم بالتنوع العلمي والمذهبي، وبمناهج التعليم النظامي والجامعي.
في المجال الاجتماعي والثقافي: أسهم الجوار وعلاقات النشأة الاجتماعية والصلات المهنية في تعزيز اندماج أبناء الجالية في المجتمع السعودي. كما أفضى الانفتاح الاجتماعي المتزايد في السنوات الأخيرة إلى مزيد من الروابط الأسرية والثقافية. ويمكن ملاحظة هذا التداخل في حضور بعض مظاهر الثقافة الشنقيطية، من «أتاي» والأطعمة التقليدية إلى اهتمام قطاع من المثقفين السعوديين بالأدب الحساني واللهجات الحسانية؛ وهو ما يعكس تآخيًا ملموسًا بين الثقافتين الشعبيتين.
في المجال الاقتصادي والمهني: أتاحت الإقامة في المملكة فرصًا لاكتساب الخبرات التعليمية والإدارية والتجارية، التي يمكن استثمارها في مشروعات تنموية مشتركة. وما نحتاج إليه اليوم هو توسيع استفادة رجال الأعمال الموريتانيين من الفرص الاستثمارية السعودية. وأذكر في هذا السياق تجربة، أو تجربتين، في مجال التنقيب، أتاحتا العمل لنحو مئتي عامل قدموا من موريتانيا لهذا الغرض؛ وهي تجربة تستحق الدراسة والبناء عليها.
وقد أسهم هذا التفاعل في تكوين أجيال تمتلك رصيدًا ثقافيًا مزدوجًا، يمكن أن يكون مصدر قوة في تعزيز العلاقات الشعبية والاقتصادية بين البلدين.
المحور الرابع: الواقع الراهن للجالية والآفاق المتاحة
لا شك أن الجالية عبر تاريخها في المملكة العربية السعودية استفادت كثيرًا من الفرص الطيبة التي أتاحتها الحكومة السعودية في مجالات عدة كالتعليم والصحة وغيرهما ، كما استفادت الجالية كذلك من فرصة الجوار للحبيب صلى الله عليه وسلم ، والحج والعمرة دون أي تعقيد أو صعوبات ، ونظرًا لأن هذه الجالية في الأغلب الأعم استثناء من بين جميع الجاليات فلم تكن الإقامة في السعودية هدفها -لدى معظم أبناء الجالية- تنمية المال وتحويله إلى بلد آخر ، فكان الدافع الرئيس هو الاستقرار في السعودية وجدت نفسها مع تغير الظروف التنموية للسعودية أمام تحدٍ لم تحسب له حساب مثل غيرها من الجاليات ، فبدأت الجالية تواجه صعوبات في الوظائف وحالة الإقامة ولأنها لم تفكر في العودة إلى الوطن اجتمعت المفاجأة بالتغيير في إجراءات الإقامة مع كونها لم تهيء نفسها للانتقال إلى بلد آخر فيمكن قراءة واقع الجالية بناء على هذه المستجدات و الواقع الذي جاءت فيه من خلال المعطيات التالية:
● تقدر الجالية حسب ما هو متاح من إحصاءات وتقديرات بحوالي 20 ألف مواطن موريتاني موزعين على النحو التالي 12 ألفًا في المدينة المنورة و5 آلاف في مكة المكرمة ، والبقية موزعة على مدن المملكة بواقع الرياض حوالي 500-1000 مواطن والمنطقة الشرقية حوالي 150 مواطن موريتاني والبقية عبارة عن أفراد موزعين على معظم مناطق المملكة.
● يقدر عدد الأسر التي رحلت بعد 1/7/2017 تاريخ بدء سريان رسوم الإقامة الجديدة بحوالي 4000 مواطن أغلبها الأكبر رجع إلى الوطن وأعداد معتبرة توجهت إلى الجزائر ومصر وتركيا وبعض دول الخليج كقطر والإمارات
● معظم المقيمين في مكة والمدينة لا يمارسون عملًا فعليًا باستثناء مواسم رمضان والحج وفي الوقت الحالي أصبح وجود فرصة عمل في الحج ورمضان يرتبط بسريان الإقامة ، وهو الأمر في الأغلب لا يتوفر في حالة من لديه أسرة,
● ينظر المسؤولون الرسميون في السعودية بالكثير من التقدير للجالية الموريتانية حسبما ينقله القائمون على الجالية و الموظفون الدبلوماسيون في القنصلية والسفارة ، إلا أن إشكال الإقامة هو إشكال عام لا يمكن اتخاذ قرار أحادي خاص بجالية دون الجاليات الأخرى.
● يمكن المجازفة بالتقدير أن أكثر من ثلثي الجالية الموريتانية لديهم مشاكل في الوضعية القانونية من حيث الإقامة وما يترتب عليها من عمل رسمي إلخ. وتوجد مشاكل أخرى وهي وجود عدد من أبناء الجالية غير مسجل رسميًا في الحالة المدنية ورغم استفادة عدد كبير من القرار الرئاسي الذي فخامة رئيس الجمهورية بإحصاء كافة الموريتانيين إلا أنه ما زالت هناك أعدادًا لا بأس بها لم تسجل في السجل المدني للحالة المدنية.
وبعد هذه المعطيات التي تضعنا أمام تصور واقع الجالية ، يمكن أن نركز الحديث عن بعض المشاكل في جوانب محددة وبعض الاقتراحات التي من شأنها أن تقدم حلولًا مقترحة لمسؤولينا في القطاعات المعنية .
أولًا: التعليم
تتيح المملكة العربية السعودية مشكورة فرصة التعليم في مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية أمام جميع أبناء الجالية على مدار تاريخها ولله الحمد ، وأحيانًا كثيرة المتفوقون في شهادة الثانوية العامة يحصلون على منح دراسية محترمة في أغلب الجامعات السعودية فجزاهم الله خيرًا، ولكن معظم التحديات تبدأ من المرحلة الجامعية.
التحديات: تواجه بعض الأسر صعوبات في ضمان استمرار تعليم أبنائها، بسبب الأوضاع الاقتصادية والإجراءات المرتبطة بالإقامة والالتحاق بالمؤسسات التعليمية.
الفرص: توجد مؤسسات قرآنية ومحاظر أهلية ذات خبرة، وتوجد أيضًا تجارب فردية رائدة لبعض الشباب والمشايخ في التعليم، -من أهمها تجربة الأستاذ الفاضل أحمد عبد الفتاح في المدينة المنورة ، وغيره - فضلًا عن تجربة فرع جامعة العلوم الإسلامية بالعيون الموجّهة إلى طلاب الجالية. ولا ننسى القرار الرسمي الصادر بتوجيه من رئيس الجمهورية بإنشاء وحدة دراسية تابعة لجامعة نواكشوط، منذ نحو عام ، والذي لم يرَ النور بعد.
المقترحات:
1. إنشاء مدرسة شنقيطية أهلية أو مؤسسية مرخصة، بالتنسيق مع الجهات المختصة في البلدين، تجمع بين التعليم النظامي والتكوين القرآني والمحظري، وتستفيد من الكفاءات الموريتانية المقيمة في المملكة.
2. دعم تجربة فرع جامعة العلوم الإسلامية بالعيون، وتطوير آليات الدراسة والقبول بما يراعي ظروف أبناء الجالية ويضمن استدامة الفرص التعليمية.
3. تشجيع المبادرات القرآنية والمحظرية القائمة، وتوفير برامج لتأهيل المعلمين والارتقاء بمخرجات التعليم.
4. الإسراع في تنفيذ القرار الرئاسي المتعلق بإنشاء وحدة دراسية تابعة لجامعة نواكشوط.
ثانيًا: الصحة
التحديات: تمثل تكاليف العلاج والتأمين الصحي، إلى جانب بعض الأوضاع النظامية والاقتصادية، عائقًا أمام حصول الفئات الأكثر هشاشة على الخدمات الطبية، ولا سيما كبار السن والمصابون بالأمراض المزمنة.
الفرص: وجود مبادرات أهلية واتفاقيات خصومات علاجية مع بعض المنشآت الصحية الخاصة، فضلًا عن كفاءات طبية موريتانية يمكن الاستفادة منها. -وهنا فرصة لأنوّه بتجربة مكتب الجالية الموريتانية في مكة المكرمة -
المقترحات:
5. إنشاء صندوق تضامني صحي وطني خاص بالجالية، وفق الأطر القانونية المعمول بها، لدعم الحالات الأكثر احتياجًا.
6. توسيع الشراكات مع المستشفيات والمراكز الطبية لتوفير خدمات بأسعار مخفضة.
7. إعداد دراسة جدوى لإنشاء مشروع طبي استثماري موريتاني سعودي، يقدم خدمات علاجية وتدريبية، ويخصص برامج دعم للفئات الموريتانية محدودة الدخل.
ثالثًا: الاستثمار والتمكين الاقتصادي
التحديات: لم تتشكل الهجرة الشنقيطية تاريخيًا بوصفها هجرة اقتصادية في المقام الأول؛ وهو ما انعكس على طبيعة الأنشطة المهنية لبعض أجيالها. كما تواجه فئات من الجالية تحديات اقتصادية وإجرائية

.jpeg)
.jpg)