
مَن منا لا يتألّم قلبه، وينهمر دمعه فرقا من الرياء وخوفا أن يكون من الأشقياء؟
ومن منا لا يتلمّس قلبه، ويتحسّس جوانحه تشوفا لحلاوة الإيمان، وتشوقا للذة القرآن، وطمعا في التمتع بالطاعة والنفور من العصيان؟ كلنا أو جلنا يقع منه ذلك أحيانا ويتمنى صادقا لو يكون من الأتقياء الأصفياء الأخفياء الذين يستمتعون بالطاعات، ويستحْلُون القربات. ولكن هيهات! أنى لنا ذلك؟ "إن الأماني والأحلام تضليل" وربما تساءلنا أين هو طعم الإيمان في قلوبنا؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا" وأين هي حلاوته في نفوسنا؟ ألسنا مؤمنين؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان"؟ وأين هي راحتنا بالصلاة وأنسنا بمكابدة الساعات، وظمإ الهواجر، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر؟
المفارقة التربوية التي قد لا ننتبه لها هي أننا ننتظر بالاستكثار من القرآن أن نستحليه، ولن نستحليه حتى نكثر منه، وننتظر بالإكثار من الصلاة وإطالتها أن نحشع فيها ونستمتع بها ولن نستمتع بها أو نخشع فيها حتى نكثر منها فنقع في "الدور والتسلسل" ومن ثمّ نتيه في الفراغ وهكذا بقية العبادات .. فما السبيل للخلاص من هذه الدوامة التي تؤرقنا وتسبب لنا وحشة روحية وشحوبا إيمانيا وجفافا قلبيا؟ إنها المجاهدة التي تسبق الحلاوة بحمل النفس على المكاره وأطرها على المباغض حتى تأنس بالعبادات وتألف الطاعات ويتحقق لها وعد الله {وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ} وهي نفسها المجاهدة التي اهتدى بها السلف، وامتلأت بها صفحات سيرهم المشرقة؛ فهذا أبو محمد ثابت بن أسلم البناني التابعي يقول عن نفسه - كما في سير أعلام النبلاء- (كَابَدْتُ الصَّلاَةَ عِشْرِيْنَ سَنَةً، وَتَنَعَّمْتُ بِهَا عِشْرِيْنَ سَنَةً). نعم تنعم بها وأصبح يحمل هم الخروج منها لكن بعد أن كابد نفسه عليها.
وهذا صنوه الإمام القدوة محمد بن المنكدر بن عبد الله المدني ينقل عنه الذهبي في السير: (كابدتُ نفسي أربعِين سنة حَتى استقامت). ولم يكن لابن تيمية – وهو من هو- أن يزدهي بحلاوة الإيمان في صدره حتى يقول: (إنه لتمر بي أوقات أقول فيها لوكان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه لكانوا في عيش كريم) لولا أنه نشأ وعاش مجاهدا نفسه في تصوّن تام وعفاف وتعبد واقتصاد على حد تعبير تلميذه الذهبي.
ولهذا عُني علماء التربية قديما وحديثا بالتأكيد على أهمية اقتحام العبادات ومكابدة الطاعات ولو من غير إخلاص لفك شفرة القلوب؛(فعمل على رياء أفضلُ .. من تركه لخوفه وفضلوا) كما في المطهرة.

.jpeg)
.jpg)