
هل تلوين الحواجب من الزينة الظاهرة المستثناة؟
"تحرير المسألة في فقه المرأة" ..
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد ولد آدم أجمعين محمد الرسول الأمين المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وصحبه الغر الأكرمين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛
فإنه من مسائل التزين التي تحرص عليها النساء أن تكون الحواجب غير كثيفة ولا تبدو بشكل يوحي بخشونة المنظر، ويتعللن لذلك بأن تركها على حال زائد على طبيعتها من التشبه بالرجال المنهي عنه شرعا، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)، قال صاحب فتح الباري :" قال الطبري: " المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس، قلت: وكذا في الكلام والمشي، فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس، لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، وأما ذم الكلام التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك".
إذا كان حال الهيئة بصفة عامة، فإن الحواجب يدخلن في ذلك تبعا، مع وجود فرق واضح؛ أنها من الخلقة الجبلية وليست من الثياب، كما أنه جاء فيها نص مخصص صريح في حرمة الأخذ منها،
أما غير الحلق من تلوين فليس داخلا في التحريم،
وأما مسألة التهذيب للحواجب الزائدة عن المعتاد أو التي تبدو مشوهة لأصل الخلقة؛ كالتي اقترن حاجباها، أو اتصلا بشعر الرأس، أو طالا إلى أن نزلا على العينين بحيث لا ترى معهما، فكل ذلك محل خلاف لكونه خارجا عن الحلق، ولكن لا نص يخصصه أو يستثنيه.
النمص في اصطلاح أهل العلم:
عرف النمص عند أهل العلم بأنه إزالة الشعر من الوجه ، قال صاحب فتح الباري : " النماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش منماصا لذلك، ويقال إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما"، وقال صاحب السنن : (النامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه، والمتنمصة المعمول بها).
أدلة تحريم الأخذ من الحاجب وهو النمص:
الأصل في مسألة الأخذ من الحاجب المنع لقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ الله وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)﴾ (النساء:117-119)، قال صاحب الجامع : " وقال طائفة: الإشارة بالتغيير إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن، والمتنمصات جمع متنمصة وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص، وهو الذي يقلع الشعر؛ ويقال لها: النامصة"، ولما في الصحيح من حديث علقمة عن عبد الله قال : (لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، قال صاحب المفهم : " وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن من يفعلها، وبأنها من الكبائر".
أقوال أهل العلم في المسألة:
اتفق الفقهاء على تحريم نتف الحاجبين لغير المتزوجة، وللمتزوجة إذا لم يأذن زوجها في ذلك، واختلفوا في غير ذلك، وسبب اختلافهم يرجع إلى أمرين:
الأول: اختلافهم في معنى النمص، هل هو النتف خاصة، قال صاحب أحكام القرآن: " والنامصة: هي ناتفة الشعر، تتحسن به" ، أم مطلق الأخذ من الشعر سواء كان بالنتف أو الحف وهو الحلق، ولا يخفى أن ما ورد في النص متعلق بإزالة الشعر مطلقا، قال صاحب الفتح : " إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما"، وقال صاحب السنن : (النامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه، والمتنمصة المعمول بها).
الثاني: اختلافهم في علة المنع، فمن رأى أنها التدليس والغش أجاز ذلك بإذن الزوج ، ومن رأى أنها تغيير خلق الله ابتغاء الحسن كما في صريح النص (لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقالت أم يعقوب: ما هذا؟، قال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب الله ، قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾)، منع ذلك مطلقا أذن الزوج أو لم يأذن، قال صاحب الفتح : " قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقا الله عليها بزيادة أو نقص التماس الحسن لا للزوج ولا لغيره".
الصواب عند أهل العلم في المسألة المتعلقة بالأخذ على سبيل الحلق هو المنع مطلقا للأدلة الصريحة:
أولاَ: القرآن الكريم، لقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ الله وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)}(النساء:117-119)، ومن تغيير خلق الله النمص كما قال أهل العلم، قال صاحب الجامع :" والمتنمصات جمع متنمصة وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص، وهو الذي يقلع الشعر؛ ويقال لها: النامصة".
وجه الدلالة: تصريح القرآن بأن تغيير خلق الله من أوامر الشيطان، وهو اتباع له يترتب عنه الخسران المبين، ومن هذا التغيير إزالة وضع الخلقة في البدن، وأصل الحاجب منها.
ثانيًا: الحديث الشريف، لما في الصحيح من حديث علقمة عن عبد الله قال : (لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، قال صاحب المفهم : " وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن من يفعلها، وبأنها من الكبائر".
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحوجنا إلى البحث عن علة التحريم في هذه المسألة، بل صرح بذلك في قوله: {لِلْحُسْنِ المغَيِّراَتِ خَلْقَ الله}، فلا وجه لعلة غير ما صرَّح به الشارع.
ثالثًا: لما ورد في نص الحديث عن علقمة قال: (لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقالت أم يعقوب: ما هذا؟، قال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب الله ، قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾) .
وجه الدلالة: أن اللعن لا يكون عن على مرتكب الكبيرة، وقد عد النمص منها، قال صاحب المفهم : " وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن من يفعلها، وبأنها من الكبائر".
مسألة إزالة شعر الوجه الزائد عن المعتاد:
أما مسألة إزالة شعر الوجه الزائد عن المعتاد، فقد أجازه بعض أهل العلم ، إذا نبتت للمرأة لحية أو شوارب، أو كان فيه أذى تجب إماطته عن المرأة .
أولاً: القرآن الكريم، لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿أوَ مَنْ يُنَشَّؤُ فِي الحِلْيَةِ﴾ (الزخرف:18)، قال صاحب الجامع لأحكام القرآن : " النشوء التربية، قوله تعالى: ﴿فِي الحِلْيَةِ﴾ أي في الزينة، قال ابن عباس وغيره: هن الجواري زيهن غير زي الرجال، قال مجاهد: رخص للنساء في الذهب والحرير، وقرأ هذه الآية، قال إلكيا: فيه دلالة على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه والأخبار فيه لا تحصى"، وقال صاحب التحرير والتنوير : " من تجعل له الحلية من أول أوقات كونه، ولا تفارقه، فإن البنت تتخذ لها الحلية من أول عمرها وتستصحب في سائر أطوارها، وحسبك أنها شقت طرفا أذنيها لتجعل لها فيهما الأقراط بخلاف الصبي فلا يحلى بمثل ذلك وما يستدام له".
وجه الدلالة: أن الأصل في المرأة التزين وما تتحلى به من الزينة المباحة لا شيء فيه، بل هو مرغب فيه لكونه من خصائصها الجبلية، من ذلك التحلي بالذهب من قرط ونحوه، فهو لها خالصا من دون الرجال، وكذلك ما كان من خصائص غيرها فلها إزالته، مثل كل شعر زاد عن أصل الخلقة كالذي يزيد عن المعتاد.
ثانياً: الحديث الشريف صريح في النهي عن الأخذ من الشعر المعتاد للمرأة لا ما كان من شأنه أن يختص بالرجل: من حديث علقمة عن عبد الله قال : (لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، قال صاحب شرح صحيح مسلم : " وهذا الفعل (النمص) حرام إلا إذا نبتت للمرأة لحية أو شوارب، فلا تحرم إزالتها، بل يستحب عندنا"، وهو قول الشافعية.
وجه الدلالة: أن ما كان من غير المعتاد فلا حرج في إزالته، مثل ما هو من أصل خلقة الرجل من شارب ولحية.
ثالثًا: استثناء ما كان للزينة المباحة؛
لما ورد في المصنف : (عن امرأة ابن أبي الصقر، أنها كانت عند عائشة فسألتها امرأة؟ فقالت: يا أم المؤمنين، إن في وجهي شعرات أفأنتفهن أتزين بذلك لزوجي؟ فقالت عائشة (أميطي عنك الأذى، وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزيارة)).
وجه الدلالة: أن التصنع المباح من إزالة الأذى المأذون فيه شرعا، فلا حرج في فعله، بل الحرج في تركه، والأصل رفع الحرج في الشرع.
القول المختار:
إذا كان هناك شعر يشوه الخلقة جاز للمرأة أخذه كالشارب واللحية أو مازاد على أصل خلقة الحاجبين لما ورد في المصنف : (عن امرأة ابن أبي الصقر، أنها كانت عند عائشة فسألتها امرأة؟ فقالت: يا أم المؤمنين، إن في وجهي شعرات أفأنتفهن أتزين بذلك لزوجي؟ فقالت عائشة (أميطي عنك الأذى، وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزيارة)) ؛ لأن هذا ليس من خصائصها، ومن ذلك ما كان زائدا على أصل الخلقة من الحواجب يجوز تهذيبه بالتلوين بالحناء أو نحوها من المواد غير الضارة، ويسأل عن ذلك أهل التخصص من الأطباء، بشأن المواد الطبية التي تصلح للتلوين دون إلحاق الضرر بالعين أو الجلد، وتحقق عدم حلق شعر الحاجب باعتبار المآل، إذ أنه توجد مواد كيميائية تؤثر على الشعر مع طول الأمد، والعبرة بالمقاصد والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
والله أعلم وأحكم.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

.jpeg)
.jpg)