معهد ورش والنهضة الصامتة في صفوف لحراطين

ثلاثاء, 2026/07/21 - 00:43

ليس كلُّ إصلاحٍ يُحدث ضجيجًا، ولا كلُّ نهضةٍ تُولد تحت أضواء المنابر وعدسات الكاميرات؛ فكم من مشروعٍ ملأ الدنيا صخبًا ثم انطفأ كشرارةٍ في مهبِّ الريح، وكم من غرسةٍ نبتت في صمتٍ حتى استحالت دوحةً وارفةً يستظلُّ الناس بفيئها جيلاً بعد جيل.

 

ومن هذا الضرب الأخير كانت مسيرة معهد ورش لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية؛ فقد آثر أن يخاطب العقول بالعلم، والقلوب بالقرآن، والنفوس بالتربية، فلم يشتغل بصناعة الصورة، وإنما اشتغل بصناعة الإنسان، لأن الإنسان إذا صلح استقام به العمران، وإذا تهذب الضمير سقطت من النفوس أسوار التفرقة، وانكسرت قيود الاستعلاء.

 

ولقد كان من أظهر ميادين هذا الأثر المبارك ما تحقق في أوساط شريحة لحراطين، وهي شريحة عانت في مراحل من التاريخ من محدودية فرص التعليم الشرعي والتكوين العلمي، فوجدت في هذا المعهد بابًا مفتوحًا لا يسأل الداخل عن نسبه، ولا عن لونه، ولا عن طبقته، وإنما يسأله: هل معك قلبٌ يطلب القرآن، وعقلٌ يتشوف إلى العلم؟

 

هنالك ذابت الفوارق أمام كتاب الله، وسقطت المقاييس التي صنعها الناس، وارتفعت الموازين التي أنزلها رب الناس: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فما عاد الشرف لقبًا يورث، وإنما صار منزلةً تُنال بالعلم والعمل، وما عاد المجد حكرًا على بيتٍ دون بيت، بل أصبح ثمرةً لكل من صبر على طريق التعلم.

 

ومضت الأعوام في هدوء، بينما كانت النهضة تنمو بعيدًا عن الضجيج. فإذا بأعداد كبيرة من أبناء هذه الشريحة قد حفظوا كتاب الله، وتفقهوا في دينه، وتخرج منهم الأئمة والخطباء، والقراء والمدرسون، والدعاة والمربون. ومن كان بالأمس يجلس متلقيًا بين يدي شيخه، غدا اليوم يجلس إليه الطلاب، ينهلون من علمه، ويقتبسون من هديه، في دورة مباركة يتوارث فيها العلم أهله.

 

إنها ليست نهضة أفراد، بل نهضة وعي، وانتقال من موقع التلقي إلى موقع العطاء، ومن طلب العلم إلى صناعة العلماء، ومن الاكتفاء بحضور المجالس إلى إقامة المجالس، وتعليم الأجيال، وإحياء المساجد، وإعمار المجتمع بالقرآن.

 

وما أحوج مجتمعاتنا إلى أن تدرك أن علاج التفاوت الاجتماعي لا يكون بإذكاء الأحقاد، ولا بإحياء ذاكرة الصراعات، ولا بتوزيع الاتهامات بين الفئات، وإنما يكون بتكافؤ الفرص في التربية والتعليم، وبفتح أبواب العلم لكل راغب، حتى يصبح التفاضل بين الناس قائمًا على الكفاءة والخلق والعلم، لا على الأنساب والألقاب.

 

وهذا ما جسده معهد ورش في واقعه؛ إذ لم يرفع رايةً غير راية القرآن، ولم يجعل بينه وبين الناس حجابًا إلا حجاب الجد والاجتهاد، فخرج من بين صفوفه رجال امتلأت بهم المحاريب، وازدانت بهم حلقات التحفيظ، وانتفعت بهم القرى والمدن، وأصبحوا سفراء للعلم والإصلاح، وعناصر بناء لا معاول هدم.

 

إن الأمة التي تُخرِّج حافظًا للقرآن إنما تُخرج إنسانًا يحمل رسالة، فإذا انضم إلى الحفظ علم، وإلى العلم خلق، وإلى الخلق إحساس بالمسؤولية، فقد وُلد في المجتمع قائدٌ من طراز آخر؛ قائد لا يثير الفتن، بل يطفئها، ولا يزرع الأحقاد، بل يغرس المودة، ولا يمزق الصف، بل يشد بنيانه.

 

ولئن كان الناس يتحدثون كثيرًا عن العدالة الاجتماعية، فإن أعظم صورها أن يُمكَّن الضعيف من أسباب القوة، وأن يُفتح للمحروم باب المعرفة، وأن يُنتشل الإنسان من الفقر العلمي قبل الفقر المادي؛ لأن الجهل هو أصل البلاء، والعلم هو مفتاح التحرر الحقيقي.

 

لقد كانت تجربة معهد ورش في هذا الباب درسًا بليغًا في الإصلاح الهادئ؛ إصلاح لا يعرف الاستعراض، ولا يقتات على الشعارات، وإنما يصنع الرجال، والرجال هم الذين يصنعون التاريخ. وإذا كان للتاريخ أن ينصف المؤسسات، فإن من الإنصاف أن تُذكر هذه التجربة في سجل الأعمال التي أسهمت في تعزيز التماسك الاجتماعي، وتقريب أبناء المجتمع بعضهم من بعض، تحت راية القرآن التي لا تميز بين الناس إلا بقدر ما يحملون من إيمان وعلم وعمل صالح.

 

وهكذا تبقى النهضات الصامتة أبلغ من الخطب، وأصدق من الشعارات؛ لأنها تكتب آثارها في النفوس قبل أن تكتبها في الصحف، وتصنع الرجال قبل أن تصنع الأخبار، وتغرس في الأرض جذورًا لا تقتلعها رياح الفتن، ولا تعصف بها عواصف الأهواء.

 

 

السالك الشيخ