عيدية.. ذكريات في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة/الشيخ محمد الأمين مزيد

جمعة, 2026/03/20 - 09:29

الحمد لله  

في سنة 1976 حصلت على منحة للدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وكنت في أول مجموعة تُبتعث من قبل وزارة التهذيب وقد ضمت المجموعة : محمدن (بدِّ) ولد أحمدُّ سالم ولد للُّو رحمه الله تعالى والتراد ولد البشير رحمه الله تعالى وأحمد بزيد ولد بَبَـــيَّ ومحمد ولد مانَّ وأحمد ولد حبيب الله

وصلنا إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والتحقنا بالمعهد الثانوي التابع للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وكان من أساتذتنا في هذا المعهد الشيخ محمد فتحي رفاعي (ت2012) وهو داعية خطيب وواعظ مؤثر وهو مدرسة في أدبه وأخلاقه وكان يدرسنا مادة الأدب .

  وكان من أساتذتنا في مادةَ التاريخ أستاذ كنا نطلق عليه- غفر الله لنا- اسم (تاجر) بالجيم المصرية وسبب ذلك أن أول درس حضرناه معه قال فيه إن أبا بكر رضي الله عنه كان تاجرا ونطقها بالجيم المصرية .

 وكان الطلاب إذا أذن المؤذن لصلاة الظهر يتحفزون للخروج ، فيقول لهم : (مالْناشْ دعْوَ بالأذان نحن مُؤَيَّدين بالجرس ) وينطق الجرس بالجيم المصرية أما أستاذ اللغة الإنجليزية فكانوا – غفر الله لهم – يطلقون عليه اسم ( بْرايِدْ ) لأن أول درس حضرناه معه برزت فيه كلمة (برايد) 

وكان يدرسنا مادة الأصول أستاذ متقن لمادته يسمى عبد الرزاق 

بعد الحصول على الشهادة الثانوية توزع الإخوة الستة على الكليات في الجامعة الإسلامية والتحقتُ بكلية الحديث تطبيقا لتوجيهات شيخي محمد سالم ولد عدود رحمه الله تعالى الذي استشرته وأخبرته أن هناك خمس كليات : كلية القرآن الكريم ، وكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية ، وكلية الشريعة ، وكلية الدعوة ، وكلية اللغة العربية ، فاختار لي كلية الحديث ، وشرح لي وجه ترجيح هذه الكلية على بقية الكليات ، ومما قاله لي إن خريجي كلية الشريعة معرضون لأن يكونوا قضاة . والعجيبُ أنني لما جئت إلى الإمارات ، وقبل أن ألتحق بكلية خليفه بن زايد الجوية ، تقدمت إلى وزارة العدل فرُفِض ملفِّي لسبب قانوني وهو أنني لست متخرجا من كلية الشريعة فأنقذتني كلية الحديث من وظيفة القضاء .

في كلية الحديث كان من شيوخي الدكتور ربيع بن هادي بن محمد عمير المدخلي وهو رجل له اطلاع واسع على علوم الحديث كانت رسالته للدكتوراه كتاب النكت لابن حجر على ابن الصلاح (تحقيق ودراسة ) وله رسالة بعنوان (بين الإمامين مسلم والدارقطني)   

بعد ذلك صار له اتجاه ينسب إليه .

وكان يصلي بنا في المسجد النبوي عبد العزيز بن صالح وقد أم الناس في المسجد النبوي مدة ناهزت خمسين عاما كما تقول ترجمته وكان محتسبا في الإمامة وكان مع ذلك قاضيا في المحكمة وكان وجيها نافذ الكلمة وقد كتب عنه محمد بن ناصر العبودي كتابه : ( معالى الشيخ عبد العزيز بن صالح كما عرفته )

كما كان يصلي بنا الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن زاحم (1350-1423) وكان مساعدا للشيخ عبد العزيز بن صالح 

وكان الشيخ عبد العزيز ب عبد الله بن عبد الرحمن بن باز (1330-1420) رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من عام 1390 حتى 1395 

وفي وداع الشيخ بن باز يقول الشاعر السوري محمد المجذوب

بكينا وفاء لامرئ قل أن يرى له في الدعاة الفاعلين نظير

فخلوا ملامي إن ألح بي البكا فإن فراق الصالحين عسير 

ولكنه كان يزور الجامعة الإسلامية بعد ذلك ويحاضر فيها فكان الطلاب يلتقون به في رحاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 

وكان مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عند ما وصلنا إليها عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن العباد (1353) ثم عين عليها بعده الدكتور عبد الله بن محمد الزايد (ت2012) وقد تطورت في عهده تطورا كبيرا

 

  وكان من أساتذتنا في مادة التفسير في كلية الحديث : أستاذ متميز هو الدكتور عبد الفتاح إبراهيم سلامة (1938-1988) وكنا نكتب درسه كما هو ،كما كان الطلاب في المعهد العالي يكتبون دروس الشيخ محمد يحيى ولد الشيخ الحسين (يحيانَّ) ومن طرائف الدكتور أنه كان يقول لنا ( كما لا تعلمون ) بدل (كما تعلمون)    

وكان من أساتذتنا فترة قصيرة الشيخ عطية بن محمد سالم (1346-1420) الذي كان يدرس الموطأ وهو صاحب كتاب ( ترتيب التمهيد على أبواب الفقه)) 

ومن أساتذتنا في السيرة النبوية محمد السيد الوكيل (ت1423) وهو باحث له عدة مؤلفات في السيرة النبوية والتاريخ وتولى عمادة كلية الحديث .

كما كان من أساتذتنا : عمر بن محمد بكر الفُلاَّني الشهير بفلاته(1345-1419) الأمين العام للجامعة الإسلامية وكان يدرس مصطلح الحديث وكان له درس في المسجد النبوي قريبا من الروضة وكان خيرا فاضلا متواضعا أذكر أنه عادني وأنا مريض

  وكان من أساتذتنا الشيخ المحدث عبد القادر بن حبيب الله السندي (1355-1418) وأذكر أنه كان يكلفني بنسخ صفحات كثيرة من إحدى مخطوطات مسند أبي يعلى الموصلي  

ومن مؤلفاته ( الذهب المسبوك في تحقيق روايات غزوة تبوك) و( حجية السنىة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي )و( التصوف في ميزان البحث والتحقيق العلمي ) و (تحقيق الكافي وتخريج أحاديثه ) و( خطب الجمعة للشيخ الزاحم تحقيق وتخريج )

 

وممن درسنا الدكتور الأعظمي (1362-1441) وكان يدرسنا مادة الفرق والأديان وهو هندي وكان هندوسيا ثم أسلم وحصل على الجنسية السعودية وعمل في رابطة العالم الإسلامي ثم التحق بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 

ومن أساتذتنا الدكتور بابكر دوشين وهو أستاذ سوداني متواضع ، مولَع باللغة العربية والأدب العربي ، أذكر أنه قال لنا : إن النسبة الصحيحة لفلسطين فلسطي وقال إنه يتوقّع أن تنجح الثورة الفلسطينية إذا سموها الثورة الفلسطية !! ومن شعره هذه الأبيات التي قالها في وداع المدينة المنورة :

لجامعةِ المدينةِ في فؤادي وشائج أُلفةٍ وعُرى ودادِ

قضيتُ بسُوحها الفيحاءِ خَمْساً وعَشْراً هُنَّ راحلتي وزادي

أودِّعها وقد أطلعنَ صُبحاً يضيء بلمَّتي بعد السَّوادِ

أودِّعها وفي عنقي استقرَّتْ لها ولكلِّ مَنْ فيها أيادِ

بفضل الله ثم بها أفدنا جِوارَ المصطفى خَيْرِ العبادِ

عليه صلاة ربِّي كلَّ حينٍ مع التَّسليم تهمي كالعِهادِ

أزِينُ بذكره شعري وتبقى محبَّته بقلبي في ازديادِ

أليس الجذع حَنَّ إليه شوقاً وحيَّاهُ الحفيُّ من الجمادِ

حننتُ إلى المدينةِ من قريـبٍ حنـيني يـوم كنـتُ علـى البِعادِ 

وقد أدركت الدكتور محمد أمين المصري (1333-1397) وهو يفسر سورة الأنفال في مسجد الجامعة الإسلامية ، وهو صاحب كتاب ( من هدي سورة الأنفال) وكانت رسالته للدكتوراه في بريطانيا بعنوان(معايير النقد عند المحدثين)  

وممن أدركته بالجامعة الإسلامية : الأديب السوري الشيخ محمد بن مصطفى بن عبد القادر بن أحمد المجذوب (1325-1419) وهو صاحب كتاب ( علماء ومفكرون عرفتهم ) 

  وقد عمل في الجامعة الإسلامية عشرين سنة (1383-1403)

وكان يرأس تحرير مجلة الجامعة الإسلامية وقد نشر لي فيها قصيدة ظلموني تحت عنوان ( العالم الإسلامي يتكلم)

وبالمناسبة كنت أنشد شعري في حفلات الجامعة الإسلامية ، وكم أنشدت قصيدة ظلموني وكم طلبها الطلاب مني ، فسارت مشرِّقة ومغرِّبة مع طلبة الجامعة الإسلامية الوافدين من أقطار العالم الإسلامي ، وأذكر أني أنشدت قصيدة ( عجبت لما ذا النفط لم يحرق الفقرا) في نادي الفروسية في الرياض في حفل رسمي .

كان في المسجد النبوي دروس ثابتة ، كانت هناك دروس للشيخ محمد المختار بن محمد سيد الأمين بن حبيب الله بن مزيد الجكني (1337-1405) 

وكانت هناك دروس لأبي بكر جابر بن موسى بن عبد القادر الجزائري (1921- 2018)

وكان واعظا مؤثرا سهل الأسلوب يستفيد من وعظه عامة الناس قال 

ومن الطرائف ما كتبه الشيخ عبد المحسن العباد

في مقال له بعنوان : من ذكرياتي عن الشيخ أبي بكر الجزائري رحمه الله 

قال للشيخ أبي بكر الجزائري رحمه الله ابن واحد وتسع بنات، ولما توفي الأخ عبدالله الباحوث رحمه الله وهو من موظفي الجامعة الإسلامية زرت بنيه للتعزية، فسألت أحد أبنائه عن عدد أبناء والدهم؟ فقال: تسعة بنين وبنت واحدة، وكان منزلهم قريبا من منزل الشيخ أبي بكر، فقلت: الآن أذهب لزيارة أبي بكر الذي له ابن واحد وتسع بنات. 

وكانت هناك دروس للشيخ المحدث حماد بن محمد الأنصاري الخزرجي (1343-1418) 

ومن كتبه بلغة القاصي والداني من تراجم شيوخ الطبراني 

وهناك دروس للشيخ عبد القادر بن شيبة الحمد بن يوسف الهلالي (1339-1440)

ومن كتبه ( تهذيب التفسير وتجديد التأويل ) و (إمتاع العقول بروضة الأصول) 

كانت الجامعة الإ سلامية تعطي للطلاب منحة شهرية ولكن الغياب عن الحصص يؤدي إلى حسم ما يقابل ذلك من المنحة ، وكانت طريقة أخذ الغياب أن المراقب يسجل أرقام المقاعد الفارغة وكان الطلاب يجلسون على مقاعد مرقَّمة فلا يحتاج إلى النداء بالأسماء .

وكانت الجامعة الإسلامية توفر تذاكر للطلاب سنويا وحدث ذات مرة أن تأخر استلام التذاكر وكان الأمير فهد بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ولي العهد آنئذ هو الرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية ، فكتبت له رسالة أرسلتها له بالبريد المسجل ، ففوجئت ذات يوم برئيس الجامعة يستدعيني وينبهني على هذا الذي فعلت – فلم يكن من المقبول الاتصال بالجهات العليا مباشرة- فعلمت أن الرسالة وصلت ، المهم أن مشكلة تأخر التذاكر حلت .

كان معي في الغرفة مجموعة من الطلاب من مختلف الجنسيات ، وأذكر أنه كان معي طالب من كوريا الجنوبية يدرس في شعبة اللغة العربية كان يقول لي إنه إذا فهم الإسلام فإن كوريا ستفهم الإسلام !!

 زار المجا هدين في أفغانستان ذات مرة وأخبرني أنه قال لهم : إن الناس يعطونكم المال وأنتم تعطون الناس الإيمان فأوجز الخطبة وأبلغ . وقال لي : إن عندهم قرية اسمها ( فلاج إسلاميك ) وقال لي : إنه لما جاءهم فرحوا بمجيئه ، وطلبوا منه أن يصلي بهم صلاة الجمعة فقلت له فماذا فعلت ؟ قال أنا سافرت يوم الخميس . 

 عيد مبارك وكل عام وأنتم بخير