
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين إياه أعبد وبفضله أستعين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى ءاله الطيبين وصحابته والتابعين وبعد
فإنه مما دعت الحاجة إلى بيانه أكثر من أي وقت مضى، حكم اشتراط المرأة على الرجل عند إرادة عقد النكاح ألا يتزوج عليها:
والخلاف فى هذه المسألة شائع قديم لأنها أثيرت فى صدر الخلافة الراشدة فى عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه:
وأفتى فيها بلزوم الشرط
ومن الجدير بالملاحظة أنها معضلة من معضلات الفقه لتعارض الأدلة الصحيحة فى ورودها والمختلف فى دلالتها :
يقول العلامة أبو بكر بن العربي فى كتابه [القبس] فى باب مالا يجوز من الشروط] هذه معضلة اختلف الناس فيها كثيرا قديما وحديثا تعارض فيها أصلان عظيمان :
أحدهما قريب المرام وهو ماروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال[ إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ]
والأصل الثاني قوله صلى الله عليه وسلم[ كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط ]
ونحن نبين إن شاء الله تعالى رأي كل فريق مما يوضح أن المسألة خارجة عن القطعيات والخلاف فيها سائغ ولكل أن يأخذ بما غلب على ظنه أرجحيته بشرط أن يكون ذالك الظن راجعا إلى مادة الدليل ومحتوياته لا إلى الميل لأحد الرأيين المجرد عمّا يفيد غلبة الظن لرجحان دليله
قال العلامة ابن دقيق العيد في كتابه شرح الإلمام مانصه :
واعلم أن تقديم أرجح الظنين عند التقابل هو الصواب ان شاء الله غير أنّا نراهم إذا انصرفوا إلى النظر فى الجزيئات يخرج بعضهم عن هذا القانون
ومن أسباب ذالك اشتباه الميل الحاصل بسبب الأدلة الشرعية بالميل الحاصل عن الإلف والعادة والعصبية
فإن هذه الأمور تحدث للنفس هئية وملكة تقتضي الرجحان فى النفس بجانبها بحيث لايشعر الناظر بذالك ويتوهم أنه رجحان الدليل
وهذا محل خوف شديد وخطر عظيم ويجب على المتقي لله تعالى أن يصرف نظره إليه ويقف فكره عليه والله أعلم انتهى
أما القائلون بعدم لزوم الشرط فإنهم احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم[ كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط]
وقوله صلى الله عليه وسلم[ المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا]
معتبرين أن المرأة باشتراطها عدم التزويج عليها رفعت حكما شرعيا وهو حل الزواج بالثانية
وحملوا الدليل الثاني المقتضي للوفاء بالشرط الذي هو قوله صلى الله عليه وسلم[ إن أحق الشروط أن توفوا به ماستحللتم به الفروج]
على الحقوق اللازمة على العقد من النفقة وحسن العشرة
وممن قال بهذا الزهري وقتادة وهشام ابن عروة ومالك والليث والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي
واحتج المخالفون المثبتون لتأثير الشرط بأن هذه الحقوق لا تؤثر الشروط في إيجابها لأنها حقوق مساوية لماهية الزوجية وجودا وعدما
وقالوا يتعين النظر إلى موارد الشروط وبالنظر إليها يتبين أنها ثلاثة أقسام :
ماهو داخل فى مقتضيات العقد وما هو مناقض له وماليس داخلا ولا خارجا فيتعين حمل الحديث عليه
ولذالك استغرب العلامة المحقق ابن دقيق العيد على الحاملين لقوله صلى الله عليه وسلم[ إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ]
على النفقة وحسن العشرة وغيرهما من مقتضيات العقد فقال:
وفى هذا الحمل ضعف فإن هذه الأمور لاتؤثر الشروط فى إيجابها فلا تشتد الحاجة إلى تعليق الحكم بالاشتراط فيها
ومقتضي الحديث أن لفظة أحق الشروط يقتضي أن يكون بعض الشروط يقتضي الوفاء وبعضها أشد اقتضاء له
والشروط التي هي مقتضي العقود مستوية فى وجوب الوفاء
ويترجح على ماعدا النكاح الشروط المتعلقة بالنكاح.
- قلت لايخفى على المتبصر أن المسألة وإن كانت من معضلات الفقه فإن أدلة المجيزين للشرط أقوي لما قدمنا من ضعف حمل الحديث على الحقوق اللا زمة بمقتضي الزوجية واندارجها فى مفهوم العمومات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود
قال تعالى[ يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود]
وقوله تعالى[ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم]
والنكرة المضافة إلى معرفة صيغة عموم
علاوة على كون لزوم الشرط مذهب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه
فقد قال مقاطيع الحقوق عند الشروط
وسعد ابن أبي وقاص ومعاوية وعمرو ابن العاص وشريح وغيرهم
وأنه لايجوز الإنكار على من اشترط هذا الشرط
وإن كان الأولى عدم اشتراطه ومحاولة إزالته لما فيه من التحجير وخلوه من المصلحة
ويتعين هذا على أهل النفاذ للكلمة لأنه من المعروف الذي ينبغي التعاون عليه فى نطاق الإرشاد لا الإنكار
وقد سئل عن المسألة الشيخ العلامة حافظ العلوم يتيمة الدهر الشيخ ءاب بن اخطور عليه هواطيل الرحمات فى زيارته لأبي تلميت
لما تكلم عن الشرط المذكور من ضمن أسئلة وجهت إليه من طرف العلامة محمد أبي مدين
وبعد أن بيّن الشيخ ءاب لزوم الشرط قال إنه من الحسن فى الشرع لامن الأحسن
وينبغي التعاون على إزالته والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدي بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين
كتب فقير عفو ربه وأسير ذنبه: محمد يحي بن الإمام

.jpeg)
.jpg)