الشباب المسلم ومشكلات المنهج..

سبت, 2024/03/30 - 23:52

 

 

بقلم: سعد الكبيسي..عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

المنهج ببساطة هو: مجموعة من القواعد والخطوات النظرية أو العملية، والطريقة المنظمة والمتسلسلة التي توصلنا إلى أهداف ونتائج ومخرجات محددة.

 

وهنا تبرز أهمية وثمرة المنهج في تشكيل العقل الإنساني فكريا وسلوكيا، وكيف يؤثر في النهاية على تشكيل المفاهيم والتصورات والقرارات في حياة الفرد.

 

إن الإنسان بطبيعته لا يمكن له أن يعيش عيشة سوية بدون منهج، ولهذا كان الوحي نفسه منهاجا له كما قال سبحانه: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (المائدة: 48)، والمنهاج هو الطريق الواضح السهل، فلم يترك الله خلقه دون منهج أو منهاج يسيرون عليه وهم في ابتلاء الحياة الدنيا وسيرهم نحو الآخرة، ولهذا فالمنهج – البارحة واليوم وغدا – ليس قضية تكميلية أو تحسينية، بل هي قضية ضرورية لا يمكن استقامة الحياة بدونها.

 

إن الشباب اليوم في كل العالم يشكل ويصاغ صياغة مقصودة أو غير مقصودة بناء على أحد أمرين: إما على العشوائية والفوضى في الصياغة والتشكيل وحالة العبثية واللامنهج، وإما بناء على منهج نسبي ومهجن ومتغير ومصلحي، وضعته المؤسسات السياسية والاقتصادية والتعليمية والتربوية والإعلامية وفقا لأهوائها ومصالحها، وهذا الأمران: حالة اللامنهج، وحالة المنهج المصلحي والمتغير، في تدافع وصراع محتدم مع المنهج المستقيم الذي عادة ما تكون أدواته أقل وأضعف بكثير منهما.

 

والشباب المسلم لا يخرج عن هذا التدافع، بل هو عنده في أعلى تجلياته، نظرا لما يمتلكه هؤلاء الشباب من مرجعيات فكرية وقيمية ولو بحدها الأدنى، تبقى حاكمة على مفردات حياته، ولذا فهو يواجه تحديات ومشكلات منهجية أعتبرها هي الأخطر عليه بلا منازع، وأن ما عداها ما هي إلا توابع وتفصيلات وتفريعات لتحديات ومشكلات المنهج.

 

إن الكثير من العاملين مع الشباب يفشلون في عملهم دون دراية منهم لأسباب هذا الفشل، وعلى رأس هذه الأسباب هو التعامل مع الجزئيات دون الكليات، والفروع دون الأصول، والتفاصيل دون المنهج، وغياب الدراية منهم هذا إنما نشأ من غياب البناء والتأهيل المنهجي أو محدوديته.

 

إن المشكلات والتحديات المنهجية لا تواجه إلا بمعالجات منهجية، وهنا سأتكلم عن أبرز التحديات والمشكلات التي يواجهها الشباب المسلم المعاصر، والتي تشكل خارطة الملفات التي يشتغل عليها المعنيون بالشباب.

 

مع بقاء الدين في مجتمعاتنا الإسلامية حاضرا وبقوة، فإن النسخة الأصيلة المعتدلة من الدين والتدين قد لا يتيسر تقديمها لكل الشباب، خصوصا مع الحرب على هذه النسخة لصالح نسخ أخرى، متطرفة أو متحللة أو وظيفية او مشوهة

 

أولاً: المشكلات المنهجية الدينية

 

إن عالم اليوم عالم متداخل مندمج، وقد غادر كثير من هذا العالم الدين جملة بالإلحاد أو الدين كمرجعية حاكمة للحياة بالعلمانية، وتوجه بكل ما يستطيع نحو بناء الحضارة المادية الصرفة، وإن كان ثم دين أو قيم فهو في خدمتها وتحت أمرها، ليكون الدين في النهاية إما أسطورة، وإما إطار مقيد، وإما منظومة عائقة عن التقدم، ويساعد على ذلك نزعة النفس الإنسانية للتحرر، لنيل شهواتها ومتعها.

 

ومع بقاء الدين في مجتمعاتنا الإسلامية حاضرا وبقوة، فإن النسخة الأصيلة المعتدلة من الدين والتدين قد لا يتيسر تقديمها لكل الشباب، خصوصا مع الحرب على هذه النسخة لصالح نسخ أخرى، متطرفة أو متحللة أو وظيفية او مشوهة أو جامدة أو مسيسة أو مثالية، بحيث تدفع الشباب إما إلى التحلل الديني، أو إلى اعتناق نسخة سيئة منه لم يجد غيرها، أو وجد النسخة الصحيحة لكنه خالفها واعتنق ما يوافق نزعته وهواه.

 

ما زال أمامنا الكثير من النظر فيما يمكن أن نسميه بـ "النوازل الشبابية" فالشباب ذكورا وإناثا ما زالوا يعانون من تباين الرؤى الفتاوى فهم مثلا بين من يقول لهم: لابد أن تؤدوا أدوراكم في الحياة وبين الفتاوى التي تفرض عليهم قيودا تجمد هذه الأدوار من خلال تقديم الاحتياط وسد الذرائع والشبهات والورع المفرط دون ضابط.

 

ومواجهة هذا التحدي والمشكلة إنما يكون بتقديم النسخة الأصيلة المعتدلة من الدين والتدين، والتي تجمع بين المثالية والواقعية في النظر لاحتياجات هؤلاء الشباب فكرا وسلوكا، وهذا التقديم لا محالة ضرب من ضروب الجهاد في عصرنا.

 

عالم اليوم كي يعيش الفرد فيه حياة كريمة فإن عليه أن يعمل فوق طاقته في كثير من الأحيان، وبهذا فهو إما يستغرق في هذا العمل ليكون عنده أشبه ما يسمى بالاحتراق النفسي، أو يفر هاربا من الحياة لصالح العزلة والبطالة والاكتئاب

 

ثانيا: المشكلات المنهجية النفسية

 

إن حياة اليوم عمقت الفردية بشكل مذهل، فالانسحاب لصالح الفضاء الإلكتروني الجاف، والبحث عن المتعة الافتراضية، مع ضعف التدين والقيم الروحية وقوة الارتباط بالله سبحانه، وما تورثه المعصية من ظلمة القلب وقسوته، مع القلق والتوتر والاكتئاب الذي ينتجه الوضع الاقتصادي، وغياب الفرص، وتحقيق الكفاية، ومشكلة التأخير في سن الزواج، واضطراب الوضع الأمني في بعض البلدان، كلها تحديات نفسية منهجية تحتها عدد كبير من التحديات الفرعية.

 

إن عالم اليوم كي يعيش الفرد فيه حياة كريمة فإن عليه أن يعمل فوق طاقته في كثير من الأحيان، وبهذا فهو إما يستغرق في هذا العمل ليكون عنده أشبه ما يسمى بالاحتراق النفسي، أو يفر هاربا من الحياة لصالح العزلة والبطالة والاكتئاب الذي يأكله ويحطمه دون إدراك للبيئة من حوله لما يعانيه.

 

ومواجهة هذا التحدي والمشكلة إنما يكون بتعميق منهج الاتزان النفسي في تربية الشباب، والإدراك بأنه عرضة أكثر من غيره للاختلال والاضطراب والمرض النفسي عند غياب هذا المنهج.

 

التحديات التربوية في عالم اليوم تكاد تكون هي الأصعب والأعقد، لوجود عامل رئيس في ذلك، ألا وهو الثورة التكنولوجية التي انتزعت الصدارة في التربية من الأسرة والمدرسة والمسجد والبيئة والقبيلة، لصالح الإعلام والفن

 

ثالثا: المشكلات المنهجية التربوية

 

لا يوجد عصر مر على الإنسان إلا وهو يواجه تحديات تربوية من نوع خاص، لكن التحديات التربوية في عالم اليوم تكاد تكون هي الأصعب والأعقد، لوجود عامل رئيس في ذلك، ألا وهو الثورة التكنولوجية التي انتزعت الصدارة في التربية من الأسرة والمدرسة والمسجد والبيئة والقبيلة، لصالح الإعلام والفن الذين أصبحا بدون منازع المؤثر والمشكل الأول والأعظم في أطفال وشباب اليوم، بحيث أصبح الابن او البنت يعيشون في البيت نفسه مع الوالدين، لكن العقل والقلب والمشاعر والتشكيل العقلي والنفسي والأخلاقي والديني في مكان آخر تماما.

 

ومواجهة هذا التحدي والمشكلة إنما يكون بتعميق التواصل الحي مع المتربين، وتكثيف هذا التواصل واستمراريته، وأما ما بعده من نوع الأساليب والخطاب التربوي ومهاراته وغير ذلك فكل ذلك مجرد تفاصيل.

 

وإلى تدوينة ثانية قادمة عن الشباب المسلم ومشكلات المنهج.