.
| عبد الله المختار : حضرت مجالس علمية في المحظرة أعدها اليوم من مفاخر الزمان |
|
السراج : لنعد الآن إلى الحديث عن المحظرة وحياة الطلاب فيها، من خلال دراستك أنت في المحظرة عبد الله:بدأت دراستي على يد الوالدين ودرست ما يعرف عند الناس بالكتب الصغار على الوالدة والوالد،فقد كان الوالد رحمه الله تعالى،فقيها ذا محظرة عامرة،كانت تدرس كل الفنون، رغم أنه كانت له اليد الطولى في علوم العربية معجما ونحوا وصرفا وبلاغة. في هذه البيئة بدأت دراستي الأولى، وقد انتقلت بعدها إلى الشيخ محمدو ولد احويب الله رحمه الله،وكان قمة في التواضع والعلم وكان على مستوى من الزكاء وحسن العبادة والقدرة على التربية والتأثير العجيب على الطالب،أمرني رحمه الله بإمامة مسجد الطلاب،وقد حاولت في البداية الرفض،لكنه خاطبني قائلا ’’ألست تعلم أنه يجب عليك أن تطيع ما آمرك به’’ فاستجبت، لأمره،وكان الشيخ رحمه الله يخصني دائما بقراءة الكتب له،وأن أكتب له ما يرد من قصائد ويأمرني بحضور المجالس التي يعقدها مع كبار العلماء والوزراء الذين يزورونه بين الفينة والأخرى،كنت أعد لهم الشاي ،وأستمتع بحواراتهم الشيقة أدبا وعلماء ،وعلى الشيخ محمدو رحمه الله درست مختصر الشيخ خليل رحمه الله تعالى،وقد وجهني بشكل خاص إلى دراسة البيوع والقضاء،رغم أنني لم أكن أرى ذلك،لكن لعل الشيخ كان أدرى وبدا أن حاجتي الآن لهذه الأبواب أكثر،إذ أستقبل أسئلة الناس في حياتهم الاجتماعية،وفي معاملاتهم الكثيرة،الاقتصادية.ولما أدرت دراسة النحو قال لي الشيخ محمدو رحمه الله ’’دع عنك النحو،أنت تتكلم الفصحى بشكل مقبول،ولاداعي لك لدراسة الفقه’’ وقد فزعت جدا من كلام الشيخ وكنت أعتقد حينئذ أن الشيخ قد كشف له أنني لا يفتح علي في النحو وقد شاء الله عكس ذلك، فلم أبذل في النحو كثيرا، وأنا اليوم مشارك فيه ولله الحمد وله الشكر. وبالنسبة لحياة الناس في المحظرة، فقد كانت بسيطة طيبة، وتؤسس لروابط عظمية بين الطلاب، قوامها الإخوة والمحبة،كان أكثر طعام الطلاب اللبن،وكانوا يتقاسمون كل ما بين أيديهم.وكان للمجتمع كذلك فرائض خاصة للطلاب،منها شاة الطلاب من كل وليمة،ومنها الدهان الذي كانت تمنحه الأسر للطلاب إذا شعثت رؤوسهم ومنها رسالة الطلاب،التي يبعثون بها فيجدون ما يريديون.كما أن المجتمع قد أسقط عن الطلاب كثيرا من الحرج فيما يعتبر عند غيرهم نقائص في المروءة،كانوا يحل لهم كثيرا مما يمكن تصنيفه عبثا،وليس الأمر كذلك وإنما هي محاولة للترويح عن هؤلاء الطلاب وتوجيههم إلى طلب العلم،ومساعدتهم عليه.وعهدي بالشيوخ ينهون كل النهي عما يسقط المروءة أو يصد عن العلم،وغالبا ما تتحول سيرة الطالب بعد تعمقه في العلم إلى ورع،مشتغل بما توجه إليه،وآية العلم عجيبة في التأثير على القلوب وقد قال الغزالي طلبنا العلم لغير الله،فلم يزل العلم حتى كان لله’وبالجملة كانت المحظرة مدرسة نور تغرس العلم وتزرع الإيمان والورع والإصلاح
السراج : ربما عاصرت في تلك الفترة محاولة فرض المدرسة ورفض المجتمع لذلك؟ عبد الله:سأحدثك عن المنطقة التي عشت فيها وهي منطقة الركيز والعقل ورقاب العقل، فقد قاوم أهل هذه المنطقة المدرسة مقاومة عنيفة، كانت بالنسبة لهم تعني التنصر، ويرون أن الطفل الذي يسلمه والداه للمدرسة، يسلمانه إلى الكفر والكافرين، وأذكر أن الشيخ محمد عبد الله ولد احمذيه رحمه الله تعالى رد على الحاكم الفرنسي في بوتلميت حينئذ الذي خاطبه قائلا ’’ إنكم تخافون من المدرسة وهي أمر بسيط ومهم، وخوفكم يشبه خوف من أمر بحمل قربة ضخمة، ولما جاءها وجدها مملوءة بالهواء وليس بالماء’’ فرد عليه الشيخ ولد احمذيه قائلا ’’ على العكس خوفنا منه هو خوف من أمر بأن يحمل دار الحاكم الفرنسي من مكانها ويضعها في مكان واحد، إنه لايرغب في ذلك ولايمكنه’’ وقد تناول الشعراء والفقهاء هذه المسألة بالمكاتبات الفقهية والأدبية،ونذكر للشيخ محمدو حامد ولد آلا قوله: والدين مبقاه أن تأتي الصغار به وحيث لا فإذا لم يبق من دين والناس إن تركوا دين الصغار رضوا بالمحو للدين من كل الدوواين. إلى أن يقول: لموتهم عندنا أولى من أن يلجوا مما به سألوا أبواب سجين كانت مقاومة شرسة وقوية،ولعل بعض آثارها لايزال قائما لحد الآن،في مناطق متعددة من الوطن،وفي أذهان بعض الناس،والحق كل الحق أن المدرسة رغم أهميتها وفائدها للناس إلا أن لاتزال منقوصة القيمة،والفائدة،وأعتقد أن ما نشاهده اليوم من أثر سيئ للتعليم ليس على مستوى برامجه ومؤسساته،وإنما أيضا على مستوى أخلاق طلابه وتلاميذه وبعد أكثرهم عن القيم التي ينبغي أن يتحلى بها المتعلم ويربي المعلم التلاميذ عليها،يجعل من الواجب إنصاف أولئك العلماء في موقفهم من المدرسة في ذلك الوقت.وأنا أعلم أن المدرسة شكل،وأن مضمونها وبرامجها تخضع لاختيار الأمة،أو هكذا ينبغي وقد قلت: لو جعلت مدراس النساء في منزل عن الرجال نائي وأصلحت مناهج التعليم تبين المنتج من سقيــم إصلاحها بديننا يرتبط لأنها بشرعه تنضبــط وأكاد أجزم أن المدرسة لم توفر لنا الاكتفاء الذاتي في مجال العلوم العصرية، ولاهي أسهمت في الحفاظ على الهوية والثقافة الإسلامية في البلد كما ينبغي السراج : من تذكرون من العلماء الذين عاصرتم في تلك الفترة؟ عبد الله:أذكر من هؤلاء العلامة الأديب والمحدث محمد ولد محمدو ولد آبوه الأستاذ المشهور والعالم الكبير وأذكر رحمه الله، أنه كان يقول إذا أراد أن يشرب الشاي أئتوني بالمياهي، يقصدني فأنا ابن عبد الكريم بين مياه، وكنت أعد له الشاي وكان يقرأ علي شعره ونوادر الأدب والفقه وغير ذلك، وأذكر من ذلك قطعة من أروع ما سمعت من شعر الوصف قال لي إنه قالها وصفا لطاولة شاي عند أحد سكان مدينة أطار. لله سبك صفيحة من جوهر
كصحيفة في دور هالة مقمر
زهراء راد بها البهاء فأسفها
من كل نقش مستدير أزور صيغت لأكواب كواسي فوقها قمصا تلون في طراز عبقري ما بين أبيض ناصع أو أحمر
قان أو أصفر فاقع أو أخضر
ومعندم ومنرجس ومورس
ومعصفر ومزركش ومزعفر
صور تحار بها النواظر ألبست من كل ثوب غير آخر أزهر فكأنها دورا على إبريقها ببريقها ورنينها في المسبر ناد تجمع من بني غلب المقا ول أحدقت بعظيمها من حمير متخالف الأقدار والأولوان والتيــ جان والألحان والمتطور تلكم أوان للمكارم عدها عال يحمد في اللقا والمخبر في دارة جعلت مصائد للمكا رم والمكارم حيث ما هي تعتري (ها) وقد بيعت هذه الطاولة بعشرة آلاف أوقية وكان ذلك مبلغا خياليا حينئذ، وقد تعددت بيعاتها في ذلك الزمن. محمد ولد آبوه كان رجلا متقدما على زمنه كان عالما محدثا، درس الحديث في المغرب وكان من طلاب الشيخ ماء العينين، وأعتقد أنه توفي سنة 1985.
ومن طرائفه ذات مرة – وقد كان ذا علاقة طيبة بالفقيه والسياسي المغربي علال الفاسي رحمه الله، وقد كانت لعلال مواقف ضد استقلال موريتانيا، ويقال إن المرحوم المختار ولد داداه استدعى الشيخ محمد ولد آبوه، في قصر الرئاسة، وسأله في لقاء معه عن آخر قصائده، فقال له إنها في مدح علال الفاسي، فطلب منه قراءتها، فقال له ’’ أغلق النوافذ فقد قيل إن الحكومة تحبس كل من يمدح علال الفاسي’’ فضحك المختار رحم الله الجميع.
وأذكر أن شيخي محمدن ولد احويب الله، دعاني ذات مرة لأعد الشاي في ندوة حاشدة شهدها عدد من العلماء الكبار من بينهم العلامة القارئ الشاعر محمدو النانه ولد المعلى، والشيخ محمد عبد الله ولد احمذيه، والشيخ محمدو ولد تابا وغيرهم من العلماء كنت أعد الشاي وأكتب ما يمليه الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيه من حكم وأدب ونوادر في الفقه والشعر واللغة، فجلست في مجلس يغبطني عليه الطلاب وأعده اليوم من مفاخر الزمان. فقال لي الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيه لقد قلت ذات مرة:
على مثل هذا الربع يستوقف الركب
ويعذر ذو الوجد القديم إذا يصبــــو
وتهتك أستار الضمير من الأسى
ويصبو الذي ماكان من قبله يصبو
عهدت به ليلى إذ الحي جيرة
وإذ غصن أيام الشباب به رطب
ليالي لا بالوصل ندرك حظنا
ولايعترينا بالصدود به رعب
ففي الهجر إدلال وفي الوصل عفة
فلا سلمنا سلم ولاحربنا حرب
(يضحك الشيخ)
ومحمد عبد الله كان حافظا ذا طرفين في الشعر الفصيح والحساني يحفظ القصيدة المطولة من سماع واحد. وأذكر من هؤلاء الشيوخ الشاعر الكبير محمدو النانه ولد المعلى وأذكر مما قرأ علي من شعره ذات مرة قصيدة وجهها إلى الشيخ محمد عبد الله ولد احمذيه، من مطلعها إلى شيخنا الأعلى وأستاذنا الأغلى
ومشربنا الأحلى ومرتعنا الأجلى
محمد عبد الله مصباح ليلـــــــنا
ومزنتنا الهطلى وشرعتنا المثلى
سلام كما يمليه يزداد بهـــــــجة
وطيبا إذا ما يستعاد ويستملى
ولو أن لكثير من شعرائنا اليوم منطقا وبيانا كما أوتي العلامة محمدو النانه ولد المعلى لكان قد حيز لهم من الأدب الرفيع أدب رفيع. أذكر أيضا العلامة المفسر الشيخ أحمدو ولد أحمذيه وقد زرته واستدعيته ودعا الله لي بخير، وزرت الشيخ سيدي المختار بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديا واستدعيته ودعا الله أيضا وكان من ديدن الوالدين رحمهما الله إرسالي إلى كل شيخ ذي فضل وكل مشهور بالصلاح ليدعو الله لي، وذلك منهج وسمت نبوي أصيل ، ولايضر الآباء لو حملوا أبناءهم إلى العلماء، ليعرفوا لهم قدرهم ومكانتهم ولينالوا أيضا من بركة الدعاء ما يرجى نفعه وأثرة في قابل الأيام وقابل العمر.
السراج : أدب التوجيه وإصلاح المجتمع انتشر في تلك الفترة كيف تحدثنا عنه.
عبد الله:
انتشر هذا الأدب وانتثر وكان الشيوخ يوجهون الشباب وكانوا الشباب يقبلون التوجيه،عكس كثير مما هو حاصل اليوم،فقد جلس الأكابر في الزوايا. على حد تعبير القاضي عبد الوهاب البغدادي. متى تصل العطاش إلى ارتواء
إذا استقت البحار من الركايا
وإن ترفع الوضعاء يومــــــا على الكبراء من إحدى البلايا
|
| الاثنين, 30 مايو 2011 12:17 |
