altفي الحلقة الثالثة من مقابلته الشيقة مع السراج يتحدث الشيخ عبد الله المختار ولد عبد الكريم،عن رحلته إلى الحج سنة 1967 ،والتي شهدت الكثير من الطرائف والعقبات،ويؤكد الشيخ أنه تمكن من الوصول إلى الأراضي المقدسة،بعد سفر طويل وإقامة ستة أشهر في نيجريا.
الحلقة الثالثةالسراج : رحلتك إلى الحج ..استغرقت عدة أشهر أو سنة..هل لاتزال تتذكر مشاهد تلك الرحلة. عبد الله : وكيف أنساها،وأنا أرجو من الله تعالى أن يتقبلها،ويجعلها لوجهه عملا خالصا وللثواب قانصا،أعود وأقول في السنغال كنت أمكث فترة وأعود إلى المحظرة في موريتانيا،وفي سنة 1965 عدت من عند أشياخي أهل الشيخ أحمدو ولد محمذن فال وهو لمن لايعرفه وقليل ماهم كان بقية صالحي السلف المزكى،وقمة العلم والورع،ويقال إنه كان يكره الشعر لا جهلا به،ولكنه كان متوجها إلى الله،ولا تروى له إلا قصيدة واحدة مطلعها : بذي المور دور حيها ثم سلمعليها ولو هاجت فؤاد المتيموهي في مدح شيخه شيخ الأجيال يحظيه بن عبد الودود رحمه الله،وعنه يقول :منازل أباه الذي لاح ضوءهلمن كان ذا قلب ومن قلبه عم ويقال – والله تعالى – أعلم إن يحظيه هو من طلب منه أن يكتب تلك القصيدة،وكان هدفه حسب ما يشاع أن يحصل على شهادة من عبد صالح’’ وفي هذا درس من دروس الحرص على الخير عند سلفنا الكريم.. والشيخ أحمد رحمه الله تعالى هو من يصفه العلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله في قصيدته التي يرثيه فيها ومطلعها :بالمالكية معهد قم فيهوعلى العشيرة دار كل نبيهإلى أن يقولقد كان آخر من يقو سمعت ذافي الدرس من في شيخنا يحظيه المهم عدت إلى السنغال وعملت عدة أشهر في دكاني في التجارة وحصلت على مبلغ مالي معتبر وقررت التوجه إلى الحج،وكنت بين خيارين،إما أن أنتظر موسم الحج،وحينها فلا أشك أنني سأستهلك كل المبالغ التي جمعتها،وكان خياري الوحيد أن أبدأ في رحلة برية عبر إفريقيا،من السنغال إلى مالي إلى فولتا العليا إلى النيجر وفيها مكثت ستة أشهر،حتى تمكنت من السفر عبر الطائرة إلى الحج. فقد خرجنا أنا وأخ لي رحمه الله تعالى يسمى محمدو ولد محمد فال من السنغال مساء بعد المغرب في القطار،وذلك بعد حصولنا على جواز سفر موريتاني على أننا مسافرون إلى الكونغو من أجل تسهيل السفر،وركبنا القطار مساء السبت لا أذكر الآن في أي شهر ووصلنا إلى مالي منتصف الليل من مساء الأحد،ولم نكن نحمل إلا حقيبة واحدة فيها مصحف وبعض الكتب ومواعين الشاي وبعض علب ’’السردين’’.وكنا قبل ذلك قد أرسلنا أكثر ما نملك من المال عبر ما يسمى بالبريد إلى ساحل العاج،حيث إن مالي حينئذ يحكمها الرئيس مودي بوكيتا،وكان يفرض شروطا قاسية على الأجانب والمواطنين على حد سواء،وكان مفروضا على كل داخل إلى مالي أن يستبدل جميع نقوده بالعملة المالية،ومع ذلك فإذا خرجت من مالي وأنت تحمل عملتها الوطنية،فإنها تتحول إلى مجرد أوراق بالية لا قيمة لها،وفي محطة القطار لم يستوقفنا الأمن المالي كثيرا،وبسرعة رمى إلينا شرطي المحطة حقيبتنا التي لم يجد فيها أي شيء ثمين بالنسبة له. كنا نفكر فيما سنفعله بعد خروجنا من المحطة،لكني فوجئت بأحد التجار الماليين،- وفقه الله إذا كان حيا ورحمه وعفا عنه إن كان غادر هذه الدنيا- يمسك بي ويقول ’’عبد الله ماذا تفعل هنا،وانتقلنا معه إلى منزل كبير يسكن بعضه وبعضه مخازن لبضاعته،أكرمنا غاية الإكرام،ومكثنا معه خمسة أيام ورفض أن يأخذ على ذلك أي مقابل،وأكثر من ذلك دفع عنا ثمن تذكرة الحافلة إلى ساحل العاج،وخرجنا من مالي ونحن نحمل بعض النقود التي بقيت لنا،لم يكن طعام المطاعم موافقا لنا،حيث كانوا يستخدمون كميات هائلة من الأملاح والبهارات.اشترينا بعض الأشياء التي نحتاجها،ووصلنا إلى قرية في دولة فولتا العليا،ونحن لانعلم أن كل فرد دخل تلك القرية عليه أن يدفع 360 فرنكا إفريقيا،وتحدثت مع شرطي المخفر باللهجة الولفية وقلت له إننا لا نحمل أي نقود وكنا كذلك بالفعل،فأجلسني تحت شجرة،وأخرجت كتابا أعتقد أنه الحصن الحصين،وبدأت أقرأه وبعد فترة،استدعاني وأعادني وزميلي إلى السيارة وأعطانا عشرين فرنكا إفريقيا،وهي كرامة من الكرامات،حيث كانوا يسجنون من لايدفع.وبعد ذلك وصلنا إلى ساحل العاج،طلبنا من سيارة الأجرة أن توصلنا إلى أقرب دكان موريتاني،وهنالك استقبلنا رجل موريتاني من ’’لغلال ’’ كان آية من آيات الكرم ،وحدثناه عن رحلتنا،وقد أكرمنا غاية الإكرام،والعجيب أن ساحل العاج في تلك الفترة كانت تشهد جوا مطرا متواصلا،بينما كانت درجة الحرارة مع ذلك مرتفعة لأقصى درجة،وبعد ذلك أرسل معنا أحد عماله كان موريتانيا يلبس بنطلونا،وحينها كنت أعتقد أن كل من يلبس بنطلونا إما أن يكون شرطيا أو لصا،وبالتالي لم أكن مطمئنا إلى مرافقي الذي أوصلني إلى مركز البريد حيث استلمت الأموال التي كنت حولتها من السنغال.وعدت إلى التاجر الموريتاني ودفعت له مبلغ 7000 فرنك إفريقي،وقلت له ’’لعل هذا يساعد،فنحن سنمكث هنا أياما’’ فغضب وقال ’’ لست عبئا علي وليس لي آن أأخذ منكم فرنكا واحدا’’مكثنا مع التاجر الموريتاني في منزله نصف شهر،ورفض أيضا هو الآخر أي مقابل عما قدمه لنا من إكرام،وفي يوم رحلتنا كتب لنا رسالة إلى تاجر موريتاني يدعى مولاي الحسن يقيم في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسوا وكان يملك كثيرا من المنازل والمتاجر في واغادوغو،وعند ذهابنا أوصانا بأن لانركب في القطار إلا في المقاعد التي يجلس فيها الفقراء وضعاف الناس،أما الغرف المميزة،فهي مركز خاص للصوص،أما أنا فقد قسمت المبالغ المالية ووضعتها وسط حذائي الذي كان حذاء مربوطا على القدم كلها،وأبقيت مبلغا زهيدا في جيبي،لن يكون مهما إذا تم الاعتداء علينا،ثم إن حذائي لم يكن من النوع الفاخر،حتى لايطمع أحد اللصوص في سلبه،وحينها – لاقدر الله تكون الحيلة قد انطلت علي لا على اللص – ولكن الله سلم.وعند وصولنا إلى واغادوغو سألنا عن مولاي الحسن،وكنا كمن يسأل عن قصر الرئاسة لشهرته،وصلنا إلى منزله،وأكرمنا غاية الإكرام وبعد يومين أعطيته الرسالة،وبعد اثني عشر يوما،سألنا إذا ما كنا نرغب في أن يحول سفرنا إلى الخرطوم،ولم نرغب في ذلك،وكتب لنا هو الآخر رسالة إلى موريتاني آخر يقيم في انيامي في النيجر،وصادف سفرنا الانقلاب ضد الرئيس النيجري هاماني جوري،وكانت الأوضاع مضطربة جدا،والأمن يكاد يكون معدوما،ووصلنا بعد أربعة أيام إلى بحر الغزال،واجتزناه إلى الضفة الأخرى وانتقلنا إلى المدينة،وحين وقفنا أمام دكان الموريتاني المقصود،خرج وحمل بنفسه حقيبتنا،وبعد قليل أخرج ’’زريقة ’’باردة من الثلاجة،كانت لنا كالبعث بعد الموت لأننا كنا في أشد حالات التعب.بعد ساعات أعطيته الرسالة،فقرأها ومسحها على وجهه دلالة على الإكبار والتقدير للمرسل،وحولنا إلى أحد منازله،أخبرناه أننا نحمل معنا مبالغ معتبرة من المال وأن ما نحتاجه فقط هو مسكن،لكنه رفض ذلك،ومكثنا معه عدة أيام في إكرام لانظير له،وعندما أردنا الذهاب قال لنا ’’ لو كنت أعلم أحدا يمكن أن أكتب إليه لفعلت،ولكن يوجد في نيجريا موريتاني،سأكتب إليه،لكنه صاحب أطوار غريبة’’ .غادرنا انيامي إلى نيجريا وبعد أيام وصلنا إلى مدينة كنو النيجرية وهي مدينة يكثر فيها العلماء وكتاتيب القرآن،وهي مدينة العالم النيجيري المشهور الشيخ أحمد لبو رحمه الله.وعند نزولنا إلى محل الرجل المذكور بدأ يتأفف ويقول ’’أف ..أف ..الموريتانيون والبحث عن الحجر،لقد فضحتمونا برحلاتكم الكثيرة وطمعكم الذي لاينتهي ’’ ولم يكن الحجر الذي يقصده الحجر الأسود الذي كنا نقصده حينئذ بل كان حجر الماس الكريم. وبعد فترة فهمنا طباع مضيفنا وهي أن ندرس عليه بعض علومه التي يحملها،وأن نكون طلابا،واصلين،ندرس كثيرا مما لانفهم وفعلنا ذلك،وبالتالي تحسنت علاقاتنا به،ومكثنا معه أسابيع،وكنا نخاطبه بالشيخ،وتركنا عنده حينئذ مبلغ 14000 فرنك إفريقي،بعد أن علمنا أن الحج لم يعد ممكنا في ذلك الموسم، وتوجهنا إلى مدينة زندر ويقيم بها حينئذ رجل الأعمال المشهور الإمام الشافعي،ورجل الأعمال المشهور ولد العباس،وبعض بنات المرحوم محمد الأمين ولد آكاط.وكنا موضع إكرام من الجميع،وفي زندر حاولنا تأجير منزل لكننا وجدنا موريتانيا من ’’شرفاء تيشيت’’ اسمه مولاي ابهاه،وقال لنا عندي منزل وسأغادره مدة ستة أشهر واسكنوه كما تشاءون،ولا تفكروا في تأجير أي منزل،فجزاه الله كل خير وأطال عمره في طاعة وصحة إن كان حيا ورحمه إذا كان قد غادر الدنيا.وفي زندر بعد أن تأكد لنا استحالة الحج في ذلك الموسم مكثتا ستة أشهر وفتحنا أكشاكا صغيرة لبيع الفواكه والخضروات،وتعاون معنا الموريتانيون هنالك بعد أن علموا أننا ننتظر رحلة الحج،وبالتالي لم تفرض علينا السلطات المحلية أي ضريبة.أما شيخنا الذي تركناه في مدينة كنو فقد كنا نراسله دائما من أجل أن يزودنا بأخبار رحلة الحج،دون أن ننسى أن نكتب له ’’إلى الشيخ ولي الله الكامل’’ وبعض عبارات التأدب اللائقة بحضرته،إلى أن أخبرنا بقرب موسم الحج وعدنا إلى لكنو وقطعنا تذاكر السفر إلى الأراضي المقدسة والبيت العتيق وحججنا وأدينا مناسكنا بحمد الله،لكننا واجهنا مشكلة كانت تذاكرنا بالذهاب والإياب إلى نيجيريا،ولم نكن نرغب في العودة عبر تلك الرحلة لصعوبتها أولا ولأن طريق العودة من نيجريا إلى موريتانيا أو السنغال ليس آمنا مطلقا،وطرحت المسألة على المرحوم محمد سعيد ولد الشيباني،وقال إن الحل الوحيد هو أن نخفي أوراقنا،وعندها سيتم تسفيرنا إلى موريتانيا باعتبارنا مقيمين بدون إذن شرعي وهو ما حصل وعدنا إلى نواكشوط نهاية سنة 1967 ولله الحمد والمنة،نسأله القبول ونعوذ به من الرد.وأذكر من الطرائف حينئذ أنني شاهدت حاجة مصرية ضخمة البنية وكانت تقف في المواجهة يعني أمام روضة النبي صلى الله عليه وسلم،وتدعو بخشوع وبتأثر بالغ جدا،وهو ما أثار غضب أحد رجال الشرطة في المسجد النبوي وصرخ في وجهها هذا ’’ِ شرك ..شرك ’’ فأمسكت به،وخنقته بذراعه دون أن توقف دعاءها،فيبدو أنها كانت قوية البنية،وكادت أن تفتك بالشرطي المسكين.
|
|
الاثنين, 30 مايو 2011 12:14 |