|
أجريت المقابلة منتصف العام 2006
حرصا من السراج على الإسهام في كتابة التاريخ السياسي الموريتاني المعاصر، وتنوير الأجيال الشابة حول التاريخ السياسي للبلد قررت أن تخصص موضوعا أسبوعيا بعنوان ذاكرة وطن تستضيف فيه شخصية سياسية بارزة ساهمت في صناعة القرار السياسي منذ الاستقلال. الحلقة الأولى من هذه السلسلة تستضيف السفير والوزير السابق سيدي أحمد ولد الدى الذي نفتح معه صفحات مشاركته في حكومة المختار ولد داداه ونستمع لتقويمه لحكم العسكريين، وموقفه من أحداث 89- وتوابعها..
سيد احمد ولد الدي من مواليد مدينة شنقيط سنة 1941. بدأ بالدراسة التقليدية ثم انتقل إلي التعليم العام فحصل علي منحة دراسية بتونس سنة 1962 حيث درس تباعا في مدرسة تكوين المعلمين ثم بمدرسة الأساتذة المساعدين ثم بدار المعلمين العليا وكلية الآداب حيث تخرج سنة 1968 بشهادة الكفاءة لأستاذية التعليم الثانوي. تقلد مناصب إدارية تربوية مختلفة حيث عين مساعدا لمدير التعليم الثانوي سنة 1969 ثم مديرا ثانوية روصو سنة 1970 ثم مديرا لمدرسة تكوين المعلمين من 1971 حتى 1975 حيث عين وزيرا للشباب والرياضة ثم للثقافة ولإعلام قبل أن يطاح بحكومة المختار ولد داداه في انقلاب 10 يوليو 1978. وبعد ذلك رجع إلي سلك التدريس بالمدرسة العليا للتعليم وكلية الآداب. قبل أن ينتقل إلي القطاع الخاص ويؤسس مع مجموعة من رجال الأعمال شركة الكتب الإسلامية ويتولى إدارتها . وفي سنة 1986 انتخب مديرا عاما مساعدا لمنظمة العمل العربية ببغداد حيث بقي هناك حتى سنة 1991 فعاد إلي البلاد مع بداية المسلسل الديمقراطي . وانضم إلي الحزب الجمهوري وأسس جريدة ( الجمهورية) قبل أن يعين سفيرا بتونس سنة 1993 وبقي هناك حتى أحيل لي التقاعد سنة 2000. التقينا به في منزله وأعطانا من وقته ليروي لنا بعضا من معاصرته لحقب تاريخية وأحداث كبيرة مرت بالبلد والتي كان شاهدا عليها في فترة من الفترات بل كان في بعضها قريبا من مواقع القرار.
أجـــــرى المقابلــــة: أحمدو ولد أحمد التليميدي
السراج : الأستاذ سيد احمد ولد الدي نشكركم على إتاحتكم لنا الفرصة ونبدأ من حين. تخرجتم من الدراسة. في تلك الفترة كانت الساحة السياسية مليئة بحركات سياسية وإديولوجيات إلي أي هذه التيارات السياسية كنتم أقرب؟ سيد احمد ولد الدي : أشكركم علي الزيارة وبالنسبة إلي سؤالكم أقول إن هذه الحركات التي أشرتم إليها لم تكن تيارات سياسية بقدر ما كانت اندفاعات شبابية يغذيها الحماس المرتبط بالسن وتدفعها الرغبة في التغيير والتمرد ضد الأوضاع السائدة. لقد كانت هناك حركة الكادحين المستمدة من الاشتراكية الشيوعية و خاصة الماوية منها إلي جانب الحركات القومية العروبية من التيار الناصري المستمد من أفكار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قبل أن يخلفه العقيد معمر القذافي في قيادة هذا التيار وحركة البعثيين الموالين للعراق أو سوريا إضافة .إلي حركات القومين الأفارقة التي كانت تستقل برؤاها الزنجية الصرفة وإن اقتربت أحيانا من الكادحين لرفعهم شعار القوميات. غير أن هذه الحركات كانت في أغلبها تتعلق بإيديولوجيات مستوردة لم تهضم بما فيه الكفاية ولم ينظر لأقلمتها مع طبيعة البلاد ومعطيات أوضاعها الحضارية والثقافية. وقد كنت من أولئك الذين يعتقدون أن البلاد يمكن أن تنتهج طريقا خاصا بها يرتكز علي ملامح شخصيتها وبدون أن تنغلق علي نفسها ولا أن تضرب صفحا عن إيجابيات التجارب البشرية أي أنني كنت أدين بالولاء." للتوجه الموريتاني" الذي كان يهدف إلي وحدة البلاد وتنميتها وتخليصها شيئا فشيئا من بقايا هيمنة الاستعمار سياسيا واقتصاديا وثقافيا. السراج: متي دخلتم في حكومة المختار ولد داداه وكيف كانت تجربتكم فيها؟
س.أ. د: دخلت في حكومة ولد داداه في أغسطس سنة 1975 وكانت هذه سنة مهمة. في تاريخ البلد لأنها كانت سنة اتخذت فيها عدة قرارات فيما يتعلق بانعتاق الشعب الموريتاني. وكانت تتويجا لقرارات ثورية اتخذت خلال السنين التي سبقها مثل تأميم شركة " ميفرما سنة 1972 ومراجعة الاتفاقيات مع فرنسا وإنشاء العملة الوطنية سنة 1972. دخلت في حزب الشعب الموريتاني وانتخبت عضوا في مجلسه الوطني ثم عينت عضوا في الحكومة. أما عن تجربتي في الحكومة فإننا كنا جميعا ، نعمل كفريق واحد لايهتم أحد منه بمصالحه الشخصية بل نركز جميعا علي استكمال بناء البلد الذي مازال حديث عهد بمخاض النشأة وتعسر الولادة . وقد كنت ولا أزال شديد الإعجاب بالطريقة التي كان الفقيد المرحوم المختار ولد داداه يسير بها دفة الأمور .
لقد كتبت بعد وفاته مقالا تأبينيا نشر في الصحافة وعلي شبكة الأنترنت. تحدثت فيه عن طريقته في الحكم وفي آلية اتخاذ القرار . فقد كان شديد الإيمان ببلده وبقدرته علي رفع التحديات الكبيرة التي كانت تواجهه وكان قوي الإرادة صارما فيما يتعلق بالثوابت الوطنية مرنا فيما يتعلق بالتشاور قبل اتخاذ القرار، إذ كانت القضايا تطرح في مجلس الوزراء أو علي مستوي قيادة الحزب ويستغرق نقاشها الساعات الطويلة وعندما يتبلور التوجه الأصوب الذي تميل إليه أكثرية المشاركين في النقاش يتخذ القرار علي ذلك الأساس. وقد كنت أحس أحيانا أنه يأتي متحمسا لفكرة ما، وعندما يتبين من خلال المناقشة أنها غير صائبة يتراجع عنها ويتخذ القرار حسب ما ظهر من خلال توجه الأغلبية. كما كان حريصا علي المال العام، ولا يتحمل أن تحوم أية شبهة علي أحد من فريقه ، سجن الوزراء وأحالهم إلي المحاكم في قضايا بسيطة جدا تبين فيما بعد أن نواياهم فيها كانت سليمة وكان يقول دائما "إن السلطة والمال لايجتمعان لدي شخص واحد ، فما علي الوزراء وكبار المسؤولين إلا أن يختاروا بينهما". السراج: برأيكم هل كان قراره دخول حرب الصحراء صائبا في تلك الفترة؟ س.أ.د: لا أقول أن قرار دخول حرب أي حرب صائب ولكن لابد من إلقاء نظرة على تطور قضية الصحراء التي أدت إلي الحرب لنتبين خلفيات الموضوع خاصة وأننا أصبحت تفصلنا عن بدايتها فترة ثلاثين سنة وهي فترة كافية للتروي والتأمل فيما جري بروح موضوعية وعقلية منصفة. يجب التذكير هنا بأن موريتانيا كانت تطالب بالصحراء الغربية كجزء منها نظرا للتواشج البشري والجغرافي والوحدة في اللغة الحسانية. وفي التقاليد، وذلك منذ سنة 1957 قبل حصول البلاد علي الاستقلال الداخلي بينما كانت المملكة المغربية تطالب بضم موريتانيا والصحراء معا إليها. فكانت موريتانيا بعد الاستقلال تطالب المغرب بالاعتراف باستقلالها الذي لن يكون تاما إلا بجلاء الأسبان عن الصحراء واستحقاقها بامتدادها الطبيعي. وعند ما اعترف المغرب باستقلال موريتانيا سنة 1969 بقيت الصحراء مشكلة عالقة بين البلدين كل يطالب بها. وكانت الأطراف الأخرى كالجزائر مثلا لاترى في الموضوع إلا قضية ثنائية بين المغرب وموريتانيا وكانت طرفا مهتما بالحل باعتبار أن الخلاف واقع في منطقة تقع على حدودها . وهكذا وفي مؤتمر القمة العربية المنعقدة سنة 1974 بأغادير بارك الرئيس الراحل هواري بومدين أية صيغة تفاهم تقع بين المغرب وموريتانيا في الموضوع مما شجع الطرفين علي إيجاد حل ثنائي بينهما جسد في اتفاق مدريد في 14 نوفمبر سنة 1975 القاضي بتقاسم الصحراء بين البلدين. أما الجزائر التي كان الطرفان ينتظران منها الاستمرار في مباركة هذا الاتفاق باعتبارها لا " مطمع لها في الصحراء" وإنما كانت تريد تجنب التوتر علي حدودها فقد غيرت موقفها من منطلق التنافس الثنائي بينها مع المغرب والذي ما يزال اتحاد المغرب العربي ضحية له حتى اليوم ، فسلحت هي وليبيا جبهة البولزاريو ( التي أنشئت في موريتانيا قبل ذلك بسنتين) وأقامت الجمهورية العربية الصحراوية وانتزعت لها اعتراف العديد من دول إفريقيا وآسيا وبوأتها مقعدا في منظمة الوحدة الإفريقية. لقد كان اتفاق مدريد بمثابة إعلان حرب بالنسبة إلي الجزائر ، بينما كانت موريتانيا تغط في تفاؤل ساذج متصورة أن الأمر لن يصل إلي حرب. وهكذا وقبل أن تطأ أقدام الجيش الموريتاني أي شبر من الصحراء الغربية استفاقت البلاد على هجوم متزامن عليها في إنال وبيرأم اكرين وانواذيبو في فجر إحدى ليالي ديسمبر 1975. دخلت موريتانيا الحرب بدون إعلان لها لا من قبل الحكومة ولا من قبل البرلمان ، وبدون أي استعداد لها ، فالجيش الموريتاني الذي لم يكن يتجاوز تعداده 3000 فرد وجد نفسه في مواجهة الجزائر التي كانت تدرب وتمول وتخطط للصحراويين بل يشارك الجيش الجزائري أحيانا في بعض المعارك . وقد تم التركيز علي الجبهة الموريتانية باعتبارها الحلقة الأضعف في الصراع من أجل تحييدها، مع التصور أنه بهزيمة هذا الطرف سيؤول الجزء الجنوبي إلي الصحراوين ليقيموا عليه دولتهم بدلا من مخيمات تيندوف ولتصبح هناك شرعية جديدة يستطيع العالم أن يقف بموجبها إلي جانب الجمهورية الصحراوية الناشئة. ولم تستطع موريتانيا أن تصمد أمام الهجمات المتلاحقة وتم تحييدها بانقلاب 10 يوليو1978. وباختصار فإن موريتانيا دخلت حربا بدون قرار حرب وبدون إعداد للحرب وبدون قدرة علي الصمود لأنها لم تكن تتصور أن التنافس بين الجارين الكبيرين سيؤدي إلى كل هذه المجازر التي ارتكبت أثناء هذا الصراع. أما الآن ونحن نبتعد قليلا عن جو المعارك رغم أن المشكلة ما تزال عالقة بين المغرب من جهة والصحراوين من جهة ثانية فإنني أعتقد أن خطأ موريتانيا الفادح يكمن في قبولها لمبدأ التقسيم وتنازلها عن جزء مما كانت تعتبره حقا لها. فلو استمرت موريتانيا تطالب بالصحراء ولم تقدم علي مسألة التقاسم لكان بالإمكان تجنب الحرب أولا واستبعاد موريتانيا كطرف مهزوم ثانيا ولكان اليوم بالإمكان إيجاد تفاهم مع الأشقاء الصحراوين قد يكون ذا أهمية كبرى في الحل النهائي. السراج : لماذا برأيكم كانت هناك انقلابات متتابعة بعد الإطاحة بحكومة المختار ولد داداه؟
س.أ. د: عندما يزول الحاجز النفسي بين العسكريين والانقلابات فإن من الطبيعي أن تتواتر الانقلابات وتصبح موضة ونظاما للحكم لقد استولي الجيش بقيادة المصطفي ولد محمد السالك علي السلطة، ونظرا لتعقد المشاكل وكثرة التحديات والمحيط الذي أحاط به نفسه من مدنين لا تجربة لهم فلم يستطع نظامه أن يصمد خاصة عندما عين مجلسا استشاريا أثار كثيرا من ردود الفعل السلبية من مختلف الجهات. أما المرحوم أحمد ولد بوسيف فقد عاجلته المنية قبل أن تتضح ملامح حكمه وقابلية نظامه للاستمرار ثم جاء محمد خونا ولد هيداله وصادفت فترته ظروفا مناخية سيئة، فساد الجفاف وتعكرت الأحوال . وقد كان اتجاهه إلى الصحراويين بحيث كانت مقاييس الوطنية لديه درجة الولاء للبوليزاريو. كما أن الهاجس الأمني لديه كان طاغيا بحيث امتلأت المعتقلات بسجناء الرأي وسجلت لأول مرة حالات وفاة تحت التعذيب . كل هذا أدي إلي وضع لايطاق مما سهل انقلاب 12/12/1984 الذي أوصل الرئيس معاوية إلي السلطة . وقد أعلن معاوية عن حياد موريتانيا في قضية الصحراء ووجد صعوبة في إقناع الأطراف المعنية بهذا الحياد ولكنه التزم بهذا الموقف ونجح فيه إلى حدما. السراج: لماذا برأيكم دخل المختار ولد داداه في صراع مع الكادحين في حين يدخل ولد هيداله صراعا مع القوميين ؟ س.أ.د: لم يكن تعامل المختار ولد داداه مع الكادحين صراعا علي السلطة لأنهم لم يكونوا يشكلون خطرا على نظامه وإنما كانت قضية إزعاج للسلطة بالمظاهرات الطلابية والمناشير والكتابة علي الجدران ولكن هذا الإزعاج لم يشكل تهديدا جديا للنظام. أما ولد هيداله فكان يري في البعثيين ظل العراق وصدام حسين ويري وراء القوميين شبح القذافي وبالتالي فإنه كان يعتقد أن هذه الحركات تريد الاستيلاء على السلطة وبالتالي فهي منافس له في الحكم. ولهذا فقد نكل بقياداتها. أضف إلي ذلك أنه امتطاه الكادحون(حركة MND ) وأوغروا صدره ضد هذه الحركات لإخلاء الساحة منها والاستفراد بالرئيس وتوجيهه كما كانوا يريدون. السراج: بعد انقلاب 12/12 بدأت مرحلة جديدة أطلق فيها سراح السجناء وفي الفترة التي كانت ما بين انقلاب 12/12 حتى 1986 بدء البلديات. ماأبرز المحطات في هذه الفترة في نظركم؟ س.أ.د: جاء نظام معاوية ولد الطايع وأزاح كابوسا كان يخيم علي الناس واستقبله الشعب بارتياح وفترة سماح وقد أطلق السجناء لأنه لم يكن لديه شئ ملموس آخر يقدمه للناس ،. وقد شرع في توجهه نحو الانفتاح الديمقراطي ولكن بخطوات بطيئة. ولم يكن توجه هذا الانفتاح تسليما للسلطة للمدنيين وإنما هو لتثبيت سلطته وإعداد العدة لتحويلها إلي الشرعية الدستورية. نظمت الانتخابات البلدية أولا في عواصم الولايات ثم شملت بقية البلاد وكانت تجربة لا تخلو من الشفافية لأن الإدارة في أغلب الأحيان كانت فيها محايدة. أما الانتخابات الرئاسية المتتالية فهي وإن كانت الأكثرية التي حصل الرئيس عليها قريبة من الواقع، فإن أساسها لم يكن عادلا لأن رئيسا يترشح من موقع الرئاسة لايمكن أن يتساوى في أعين العامة مع سواه من المرشحين ولايمكن للإدارة أن تكون حيادية في شأنه أضف إلي ذلك دور القبائل وقياداتها التقليدية التي تدور مع السلطة حيثما توجهت. السراج: بعد ذلك بفترة وجيزة حصلت أزمة 89- 90 مع الجارة السنغال في رأيكم هل كان تصرف الرئيس حكيما وما موقفكم مما جري؟ س.أ.د: إن الأحداث التي وقعت بين السنغال و موريتانيا سنة 1989 كانت مؤلمة ومؤسفة . وقد استطاع الرئيس أن يسيطر علي الوضع ويتجنب تحويل الأزمة إلي اقتتال طائفي عنصري في البلاد . وقد زاد الطين بلة فداحة ما ألم بالموريتانيين المقيمين بالسنغال حيث قتل منهم المئات وانتهبت الممتلكات وانتهكت الأعراض وتم تسفير ربع مليون من البالغين إلي موريتانيا مرة واحدة بدون أن يصطحب أي أحد منهم شيئا من ممتلكاته ولولا البني التقليدية الموريتانية لحدثت أزمة لاقبل للسلطات بمواجهتها. فقد ظهر أن مؤسسة القبيلة لبنة اجتماعية لاغنى عنها حيث أن مختلف القبائل الموريتانية احتضنت أبناءها وواستهم مما خفف وقع الصدمة أما الحكم علي صواب التصرف أو خطئه فمن الصعب إصداره الآن لأننا قريبو العهد بهذه المأساة ولأن بعضا من ملفاتها مازال مفتوحا.
إن أكثر ما يؤخذ على السلطات في ذلك الوقت هو تمسكها بثقافة الصمت وترك الساحة الدعائية للأطراف الأخرى تصول فيها وتجول، مما أعطي الانطباع للرأي العام الدولي بأن بلادنا كانت هي الظالمة لأنها لم تدافع عن نفسها لاعتصامها بالصمت المريب. السراج: تقول بعض المنظمات غير الحكومية أو يقال إنه حدثت تجاوزات في تلك الفترة من ضباط وحكام موريتانيين هل هذا صحيح؟ س.أ.د: عندما تحدث هزة خطيرة مثل تلك التي حدثت سنة 89، فإن الجميع يكون تحت عامل الانفعال والضغوط المختلفة، مما يؤدي إلي وقوع تجاوزات وأعمال غير محسوبة العواقب . لقد كنت في هذه الفترة مقيما بالعراق ولم أكن أتابع ما يجري بصورة دقيقة وإنما كانت تصلني بعض أصداء هذه الأحداث . لقد سالت خلال هذه الأحداث دماء غزيرة وتم إجلاء مواطني البلدين كل إلي بلده مما نشأ عنه تجاوز في شأن السنغاليين الذين أبعدوا ووقع حينئذ الظلم علي بعض الموريتانيين. غير أن أغلب هؤلاء الضحايا رجعوا إلي البلاد بعد عودة الأمور إلي نصابها بين البلدين.والذين لم يعودوا أعتقد أنه لم يكن مانع من عودتهم لأن أقصي مايمكن أن يكونوا إياه هو أنهم سنغاليون والسنغاليون يعدون هنا بمآت الآلاف ولاقيود علي دخولهم ولاخروجهم فالكرة إذن في ملعب هؤلاء. السراج: حدثت انقلابات أو محاولة انقلابات من بعض ضباط الزنوج نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ويقال إنه تمت إعدامات لهؤلاء الضباط. هل كان قرار الرئيس آنذاك بإعدامهم صائبا؟ مارأيكم؟ س.أ.د: لا يمكن لأحد أن يقول إن إعدام أي شخص صواب فأنا مبدئيا ضد للإعدام ومع الحق في الحياة، خاصة إذا كان الإعدام بدون محاكمة تستند إلي القانون. وقصارى ما يمكن أن تعالج به الانقلابات هو إلقاء القبض علي الضالعين فيها ومحاكمتهم، مع أن القانون والمجتمع مع الأقوى دائما فإذا وقعت محاولة انقلاب وفشلت اعتبر أهلها خونة مارقين مفسدين في الأرض وإذا نجحت صاروا أبطالا وثوريين وأصحاب تغيير للأفضل بينما يبقي جوهر الانقلاب هوهو. وإذا أدى الإخفاق إلي المحاكمة والحكم بالإعدام فإن من الأفضل عدم تنفيذه وإذا نفذ فإن الأمر يكون أقل بشاعة من الإعدام بدون محاكمة الذي هو أشد المنكرات. السراج: إذا وصلنا إلي بداية المسلسل الديمقراطي، وقبل أن ندخل إلي هذه المرحلة ماهي المقارنة بين العقيد معاوية قبل الديمقراطية و الرئيس ولد الطايع بعد الديمقراطية؟. س.أ.د: معاوية قبل الديمقراطية كان قائدا عسكريا وبعد الديمقراطية لم يستطع أن . يتخلص من عاداته القيادية عندما كان في قيادة الجيش. ولنتحدث قليلا عن الديمقراطية التي أرسي الرئيس معاوية دعائمها. ففي بداية التسعينات أصبحت الديمقراطية موضة وأصبحت مفروضة من الخارج كما وقع في مؤتمر" لابول" بفرنسا.
كما أن شركاء التنمية أصبحوا يربطون إلى حد كبير مساعداتهم بمدى تقدم الديمقراطية وعند ما تم إقرار الدستور الذي يكرس الحريات والتعددية كان معاوية مترشحا للاستمرار في إدارة دفة الأمور وقد جرت انتخابات يناير 1992 ونجح فيها نجاحا حقيقيا لم تغير هوامش التزوير جوهره. فالأكثرية الساحقة من المواطنين صوتت له عن وعي أو بدونه، وأقول وبدون وعي لأن عقلية المواطن العادي تملي عليه أن يكون مع السلطة ومع من هو في الحكم. ولهذا فإن إدارة معاوية للبلاد من 1984 إلي سنة 1992 مكنته من هذه الميزة التي لم يكن يتوفر عليها غيره من المرشحين. وستظل هذه الظاهرة سائدة في بلادنا مغيرة طبيعة ديمقراطيتنا حتى تتغير العقليات وما ذلك اليوم بقريب. إن الذين يشككون في حقيقة الأغلبية التي حصل عليها معاوية في مختلف الجولات الانتخابية مخطؤون لأنهم لا يضعون في الحسبان آلية انقياد الجماهير للحاكم والوالي ورئيس القبيلة والانتهازيين والمتمصلحين. السراج: أقصد الرئيس معاوية ولد الطايع عندما كان يحكم بالبذلة العسكرية قبل الديمقراطية القرارات التي اتخذت والعقلية التي كان يحكم بها هل تغيرت بعد الديمقراطية؟ س.أ.د: أعتقد أنها تطورت تطورا عكسيا. فأثناء الحكم الاستثنائي كان الحكم شبه جماعي في اللجنة العسكرية للخلاص الوطني وكان هامش تصرف الرئيس مقننا فلم يكن باستطاعته أن يجري تعديلا وزاريا كبيرا بدون موافقة اللجنة. ولهذا فقد كان من الملاحظ أن التعديلات كانت تشمل شخصا أو شخصين حتى لا يقع تحت إجبارية الرجوع إلي اللجنة وكانت القرارات الكبرى تتخذ جماعيا. أما بعد الديمقراطية والدستور فإن الرئيس الجمهورية أصبح يتصرف بدون رقيب ولا شريك لأن الدستور خوله كافة الصلاحيات ولا يخضعه لأية رقابة ولا مساءلة فاستغل هذه الصلاحيات إلي أقصى الحدود وأصبح يجنح إلي الاستبداد، فأصبح" لايرينا إلامايرى" ولا يجرؤ أحد أن يعارض إرادته ولارغباته فلم يكن يسمع كما قال البعض إلا أصداء صوته. فلاوزير و لامستشار ولاسفير ولا حزب يستطيع أن يسمعه إلاما يرغب هو في سماعه بل أصبح الحزب " الحاكم"، الحزب الجمهوري مجرد بوق يبرر قرارات الرئيس ويسوغ نزواته، حتى ولو كان مناضلوه يمقتون في أنفسهم بعض هذه القرارات. السراج: ماهي أسباب دعمكم لولد الطايع س.أ.د: لقد كانت لدي قناعة بأن الجيش الذي مارس السلطة إحدى عشرة سنة لن يستسيغ تسليم السلطة إلى مدني صرف، إذ لا بد من فترة نظام انتقالية بين الحكم العسكري والحكم المدني الحقيقي ورغبة في الحفاظ على الديمقراطية وما تتيحه من فرص حرية التفكير والتعبير والتنظيم، فإني كنت أرى أن الرئيس معاوية هو رجل المرحلة المناسب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أحداث 89 وما عقبها من تداعيات أدت إلى عزلة النظام الموريتاني الذي أصبح محاصرا من الجنوب ومن الدول الغربية بل والدول العربية المتعاطفة مع السنغال( باستثناء العراق)، ومضاعفات الموقف الموريتاني من العدوان الأمريكي على العراق (حرب الخليج الأولى) جعلت الكثير من أمثالي متضامنين مع الرئيس معاوية في هذه المواقف وضد حملات التشويه التي كان يتعرض لها.
السراج: حدثت عدة انتخابات رئاسية وأنتم ذكرتم أن الانتخابات الأولى مرت بدون تزوير. هل كل الانتخابات كانت على نفس المستوى ؟ هل لديكم ملاحظات؟ س.أ.د: ليس المسؤول عن نجاح معاوية هو تزوير الانتخابات وإنما التبعية العمياء للحكام من قبل الجماهير. لقد كانت انتخابات 92 تمثل تقريبا ميزان القوى السياسية في ذلك الوقت إذ حصل المنافس الرئيسي أحمد ولد داداه على 33% ولم يكن بإمكانه أن يحصل على أكثر من ذلك. أما سنة 97 فقد قاطعت المعارضة الانتخابات وكانت ال 7% التي حصل عليها أشبيه ولد الشيخ ماء العينين مفاجأة للجميع. أما سنة 2003 فقد ظل الميزان مستقرا إذ أن 33% التي حصلت عليها المعارضة سنة 92 بقيت مستقرة ولكنها توزعت بين مختلف المرشحين. السراج: مواقف معاوية إبان حرب الخليج الأولى لا قت ترحيبا شعبيا كبيرا ولم تكن مثل مواقفه بعد ذلك إلى ما ترجعون ذلك؟ س.أ.د: في البداية كان الرئيس معاوية يصيخ إلى نبض الشارع ويراعي مشاعر الشعب الموريتاني لأنه كان ينوي الترشح للانتخابات فيسترضي عواطف شعبه. ثم جاءت أحداث 89 و90 وما صاحبها من مآخذ تتعلق بحقوق الإنسان. وكانت آمريكا رأس الحربة في هذا المجال حيث كان اللوبي الصهيوني يحرض الأعضاء الزنوج في الكونكرس على فتح هذا الملف ومتابعته وهنا أدرك الرئيس أن خلاصه واستقرار نظامه يكمن في استرضاء الآمريكيين وأن هؤلاء ضعفاء أمام كل ما يتعلق بإسرائيل فقرر إقامة علاقات دبلماسية كاملة معها لكن آمريكا اشترطت عليه لكمال رضاها أن يقطع العلاقات مع العراق فأجابها إلى ما أرادت وأعطى الانطباع بأنه يطرد العراق ليحل إسرائيل محله، متحديا بذلك مشاعر الشعب الموريتاني والشعوب العربية جمعاء. السراج: هل يمكنكم أن تقارنوا العلاقات الخارجية الموريتانية خلال الأنظمة والرؤساء الذين تعاقبوا عليها؟ وهل هناك مقارنة فيما بينها؟ س.أ.د: في السنوات الخمس الأولى بعد الاستقلال كان الاستقلال الموريتاني موضع تشكيك لأن البلاد كانت محاطة بالمغرب الذي يقف ضد هذا الاستقلال ويوصد أمامها البوابة العربية. أما البوابة الأفريقية التي احتضنت هذا الكيان الهش فقد كان منها من يساند الموقف المغربي مثل: مالي وغينيا وغانا. ولهذا فقد كانت الدبلوماسية الموريتانية تتحرك في العالم الغربي وإفريقيا الناطقة بالفرنسية فقط. ثم كان في أواخر السنوات الخمس الأولى أن بدأت البوابة العربية تنفرج شيئا فشيئا. فعلاوة عن تونس التي اعترفت بالاستقلال الموريتاني فور إعلانه فقد اعترفت الجزائر بعد استقلالها سنة 1962 ومصر، ثم بدأت وفود الدول العربية تتوارد على البلاد تمهيدا لهذا الاعتراف حتى جاء الاعتراف المغربي بموريتانيا سنة 1969 فلم يعد هناك مانع أمام اندماج موريتانيا في محيطها العربي بعد أن كانت دولة إفريقية فقط. ونشطت الدبلوماسية الموريتانية في الخارج وكان لها دور كبير في قطع الدول الإفريقية لعلاقتها مع إسرائيل.
وقد كان الحضور الموريتاني على الساحة الدولية أكبر بكثير من حجم البلاد الحقيقي. حتى إن البعض كان يتندر بالقول " إن موريتانيا كانت كذبة على العالم اقترفها المختار ولد داداه وعند ما أطيح به ظهرت الحقيقة". وعندما استلم الجيش السلطة دخلت البلاد مرحلة بيات، إذ أن فترة حكم الجيش كانت من أسوإ فترات ما بعد الاستقلال في مجال الحريات وفي مجال السياسة الخارجية وفي ميدان تسيير الأموال العمومية والأخلاق بصفة عامة وبعد أن جاءت الديمقراطية والانتخابات التعددية بالاقتراع المباشر وهي أول مرة يقع فيها مثل هذا الحدث في التاريخ العربي الحديث، بدأ الاعتبار يعود شيئا ما إلى البلاد وأصبحت مكانتها في تحسن على الصعيد الخارجي لولا التطبيع الكامل مع إسرائيل الذي جعلنا في شبه عزلة عربيا وإسلاميا. وخاصة بعد انتفاضة الأقصى التي جمدت فيها جميع العلاقات العربية الإسرائيلية سوى بلادنا التي بقيت سادرة في محافظتها على هذه العلاقات وتدعيمها بزيارات كبار المسؤولين وسط شلال الدم الفلسطيني وتدمير المنازل والبنى التحتية لهذا الشعب الشقيق الرائع في صموده. وقد أدى هذا التصرف إلى مقت النظام الموريتاني وكل من يمثله في الخارج. وبالمقابل فإن هذا التوجه أرضى أصدقاء إسرائيل والممولين الغربيين وكانت له جوانب إيجابية على تنمية البلاد واقتصادها. وقد تكون هذه الإيجابيات أكثر فعالية لو أن التصرف العمومي كان أكثر شفافية ونزاهة. السراج: متى بدأ نظام ولد الطايع يضعف وما الأمراض التي أدت إلى انهياره؟ س.أ.د: إن عوامل ضعف النظام بدأت مع قوته، فقد فتح بالعهد الديمقراطي شهية الناس إلى الحرية، والبدوي المطبوع على حب الحرية لا يعرف لها حدودا، وهكذا أنشئت مئات الصحف وعشرات الأحزاب ولم يكن أحد يعرف أين يقف وما هي الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، في الوقت الذي كان الهدف من هذه الديمقراطية هو تحول النظام برمته من العهد الاستثنائي إلى العهد الدستوري بدون تغيير في أسس الحكم ولا رموزه ولا طريقة ممارسته. هذه العوامل أدت بكل هؤلاء المتحمسين إلى نوع من خيبة الأمل خاصة عندما شرع في مصادرة الصحف ومنعها ثم في اعتقالات بعد أصحاب الرأي من بعثيين وغيرهم قبل أن يعلن عن اكتشاف محاولات الانقلاب الزنجية وما تبعها من مشاكل أدت إلى ضغوط داخلية وخارجية استمرت تداعياتها في إضعاف النظام وحمله على اتخاذ مواقف تزيد من عزلته كما شرحنا من قبل. وقد صحب كل هذه الظواهر ترسخ الانفراد بالحكم والابتعاد عن طريقة الحكم الجماعي وعمل الفريق الواحد. فمع الرئيس معاوية لا أحد يزن جناح بعوضة لا وزيرا أول ولا وزيرا ثانيا ولا عاشرا ولا سفيرا ولا مستشارا ولا حزبا، فالجميع محتقر ممتهن لا يطلب منه إلا الإشادة بالمنجزات العظيمة والعمل على توطيد النظام الحاكم.
بدأت قواعد النظام تتهاوى بعد انتخاب الرئيس معاوية للمرة الثالثة، فهو وإن كان قد نجح في سنة 2003 بما أسميه "الأغلبية القطيعية"، فإن الملل بدأ يساور الفاعلين السياسيين من دوامة التجديد والتمديد التي لا تبرز في الأفق أية نهاية لها. فكانت محاولة 8 يونيو الانقلابية التي سيطرت على كل مفاصل السلطة، ولكنها فشلت بسبب عدم عثورها على الرئيس في قصره فانهار كل شيء. ولكن هذه المحاولة أزالت الحاجز النفسي لدى العسكريين أمام الانقلابات وجاءت محاولة أغسطس 2004 ثم جاءت عملية 3 أغسطس التي نجحت. وإننا إذ نستمرئ اليوم ما بدأ به الحكام الجدد من عمل دؤوب وسريع لإرساء ديمقراطية حقيقية وإصلاح للعدالة وتجذير للحكم الرشيد أي في النقاط الأساسية التي كنا نفتقدها، فإننا قلقون من تعود الجيش على الانقلابات وأن تصبح من جديد وسيلة للتبادل على السلطة وأن تنهار كل الأحلام والآمال التي يعللنا بها قادتنا الجدد. السراج: في السنوات الأخيرة لحكم ولد الطايع وقعت بينه وبين التيار الإسلامي مصادمات وسجن الكثير منهم وأغلق بعض الجمعيات التابعة لهم. هذه الأمور ما هو موقفكم منها؟ س.أ.د: التيار الإسلامي مطارد في الغرب وفي جل الدول العربية، في سوريا منذ الثمانينيات إلى مصر التي لم ترخص للإخوان المسلمين في إنشاء حزب إلى ليبيا التي تسميهم بالخوارج إلى تونس والجزائر إلى غير ذلك... غير أن السلطات عندنا لم تقف من هذا التيار موقفا عدائيا جادا إلا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 حيث أصبحت الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها يناصبون العداء لكل ما يمت إلى الإسلام السياسي بصلة من منطلق محاربتهم جماعة القاعدة. وبما أننا أصبحنا ممن يدور في هذا الفلك فقد ركبنا موجة محاربة التيارات الإسلامية وكل ما حدث في السنوات الأخيرة هو من هذا القبيل.فأمريكا التي نبحث عن رضاها بأي ثمن هي التي جعلتنا نأتي بإسرائيل ونطرد العراق ونسلم أبناءنا إليها لحبسهم وتعذيبهم في (اكوانتنامو) السيئة الصيت. وإذن فلا غرابة أن نسجن رموز التيار الإسلامي ونتهمهم بالإرهاب لنلتحق بالركب وموضة مكافحة الإرهاب. السراج: هناك أمور ستأخذ موقفكم منها كل على حد أولا: العبودية؟ س.أ.د: إن اللغط حول مسألة الرق حق أريد بها باطل، هي قضية مبدئية عمل على تسييسها ومحاربة النظام من خلالها. إن العبودية ملغاة قانونيا منذ الاستعمار الفرنسي وعضدت هذا الإلغاء دساتير البلاد المتعاقبة وتم تجسيد هذا التحريم بأمر قانوني في عهد الرئيس هيداله وتم تجريم ممارستها في السنوات الأخيرة. ولكن قضية العبودية مسألة اجتماعية اقتصادية تربوية في وقت واحد. لا يمكن لأحد اليوم أن يرغم شخصا على البقاء في خدمته باسم الرق ولا يمكن أن يتصرف فيه كما كان يقع في القديم. وكذلك لا يمكن للسلطة أن تلغي مخلفات العبودية من العقليات بجرة قلم. كما لا يمكن أن ترغم أحدا على طرد عبيده السابقين من بيته إذا كانوا يرغبون في البقاء فيه وإذا طردهم فأين يذهبون؟ ومن أين سيقتاتون؟ الشارع مليء بالمتشردين والشحاذين وآفاق العمل مسدودة. إن ما يجب القيام به هو الترقية الاجتماعية من خلال المساواة أمام القانون وأمام مختلف الفرص والخدمات العمومية والتوظيف والعمل وإسناد المسؤوليات. إن نشر التعليم ومكافحة الفقر خاصة في المناطق التي يتواجد فيها قدماء الأرقاء بكثرة هي أنجع وسيلة لمحاربة مخلفات العبودية. أما الاندماج الاجتماعي الكامل فإنه لن يتم في القريب المنظور إذ لابد من إزالة كل الفوارق الاقتصادية والتربوية قبل القضاء عليها من الناحية الاجتماعية وهذا يتطلب عدة أجيال من التطور وتغيير العقليات. السراج: ثانيا: المبعدون: س.أ.د: مسألة ما يسمى بالمبعدين مسألة شائكة ولا يمكن أن تكون موضع إجماع لدى الموريتانيين. والتوجه السليم فيها هو أن موريتانيا وطن لجميع الموريتانيين بلا استثناء فكل من تثبت موريتانيته فإبعاده ظلم تجب التوبة منه وأما غير الموريتانيين فإن إعادتهم بالضغط وتزييف الحقائق غير مقبول. وعلى كل فكما ذكرت سابقا فليس بممنوع على أحد حتى ولو كان سنغاليا أو ماليا أن يأتي إلى البلاد فمن باب أولى إذا كان موريتانيا. فقضية المبعدين وقضية الرق وجهان لعملة واحدة فهما موقفان سياسيان أكثر مما هما مسألتان حقوقيتان. السراج: كيف تقيمون تجربة المعارضة في الفترة السابقة؟ س.أ.د: أعتقد أنها كانت فاشلة بالجملة. المعارضة بدأت بداية جيدة في شعب تعود على الأحادية فحصلت على 33% في الانتخابات الرئاسية سنة 92 وهذا يمثل تقريبا وزنها الحقيقي في ذلك الوقت ولكنها ارتكبت خطأ قاتلا بمقاطعتها للانتخابات التشريعية التي تلت الانتخابات الرئاسية ففقدت بذلك إحتمال حصولها على ثلث البرلمان وتدعيم وجودها كمعارضة قوية توحي بالثقة لدى المواطن العادي الذي يبحث دائما عن الأقوى ليكون في صفه. فهذه المقاطعة سدت الآفاق أمام من لم يكونوا يستطيعون الصبر على "عبور الصحراء" فتفتت النواة الصلبة لهذه المعارضة وتفرقت شيعا وطوائف بينما بقي الحكم قابضا على زمام الأمور موسعا قاعدة حزبه بمن ينضم إليها من العائدين من المعارضة أو الأحزاب التي تتحالف معه كأغلبية رئاسية. ثم إن المعارضة لم تكن منسجمة في مواقفها فيما تم من استحقاقات انتخابية فتارة تقاطع وطورا تشارك مما جعلها متأرجحة غير ثابتة المواقف و في اعتقادي أن المعارضة لولم تتشرذم وبقيت مشاركة باستمرار، عاملة على دعم مكتسباتها فإنها قد تكون وصلت إلي السلطة سنة 1997 أو سنة 2003 م. السراج: موقفكم من الترخيص للإسلاميين في حزب؟ س.أ.د: الحريات التي أتاحها الدستور و مقتضيات الديمقراطية الصحيحة تقتضي بأن يسمح لكل حزب أراد أن يشارك في العملية السياسية بالوجود القانوني وبالفرص الأخرى التي تمنح للأحزاب الوطنية بدون أي تمييز. لقد سمعت المبررات التي قدمتها السلطة لعدم الترخيص لحزب المتلقي الديمقراطي (حمد) الذي لا تشير تسميته إلي أي توجه ديني وهي مبررات غير مقنعة. والمشكلة إذا كانت تكمن في ماضي الأشخاص الذين يقوم هذا الحزب علي أكتافهم أي محاكمة نواياهم فليس عدم الترخيص بمانع عن مشاركتهم السياسية وقدرتهم التأثيرية. فهم يستحقون كمواطنين يتمتعون بحقوقهم المدنية والسياسية أن يمارسوا نشاطهم ويمارسوه حتما من خلال أي حزب آخر كما فعل مسعود ولد بلخير عندما لم يقبل حزبه الجديد. وعليه فإذا كان عدم الترخيص محاولة لتحييد هذا التيار فإنه سيخطئ هدفه لا محالة. السراج: والصحافة؟ س.أ.د: الصحافة هي السلطة الرابعة ولا بد أن تتعرض لمجهود إصلاحي لا يقل عن المجهود الذي يقام به الآن في إصلاح السلطات الثلاث الأخرى: التنفيذية والتشريعية والقضائية. والصحافة الآن نوعان نوع جاد يصدر بانتظام وله قراء ومصداقية، والبعض الآخر عبارة عن أشخاص يجولون في المكاتب والشوارع يبتزون الناس فيمدحون هذا ويذمون ذلك على أساس العطاء وافتداء العرض. وهذا ما يستدعي وضع ضوابط لممارسة العمل الصحفي، إذ يجب أن يكون الصحفي إعلاميا بالتكوين وأن تصدر جريدته بانتظام وأن يكون هناك ميثاق للشرف الإعلامي وهيئة متابعة لهذا الميثاق مدعومة من أصحاب القرار في الدولة حتى تتكرس الصحافة للإعلام الموضوعي والبحث عن الحقيقة والجرأة على قولها. السراج: هل يوجد برأيكم إرهاب وتطرف في موريتانيا؟ س.أ.د: لا أظن حسب ما أعرف من طبيعة المجتمع الموريتاني وتقوى العلماء الأفاضل الذين وصموا بالتعاطي مع الإرهاب. إن الإرهاب بمعنى الفتك بالأبرياء وقتل المؤمنين عمدا غير موجود في بلادنا أما إذا كان كل من له طموح سياسي أومشروع مجتمعي يخالف ما يراه أولو الأمر إرهابيا فتلك قضية أخرى. السراج: ترشح محمد خونا ولد هيدالة سنة 2003 ودعمته الكثير من القوى السياسية. هل كان قراره بالترشح صائبا وهل نجح حقيقة أم حدثت عمليات تزوير؟ س.أ.د: لكل مواطن الحق في أن يترشح للرئاسة ومحمد خونا ولد هيدالة عقيد سابق في الجيش تماما مثل معاوية لا يمتاز هذا الأخير عنه بشيء كبير. لكن إذا كان لا بد من نقد لترشحه فهو أنه لم يحسب حساب الأغلبية المندفعة مع الحاكم بصفة تلقائية. قد يكون قد وقع بعض التزوير ولكنه لا يغير من ميزان القوى الحقيقي. الشعب في الداخل مع الرئيس أيا كان منافسه. لقد سئل مؤخرا مواطن عادي قادم من إحدى المدن الداخلية لمن ستصوت فأجاب على الفور سأصوت لا علي ولد محمد فال فقيل له ولكن أعلي ولد محمد فال ليس مترشحا فقال سأصوت لمن سيأمرني أعلي بالتصويت له فقيل له وإذا لم يأمرك بالتصويت لأحد فقال سأكتشف من سيكون ميله إليه فأصوت له. وهذا يعني أن من سيترشح من موقع الرئاسة لن يكون لمنافسه أي حظ ما دامت العقليات على ما هي عليه اليوم. السراج: ما رأيك في مستقبل الحزب الجمهوري في ظل المتغيرات الجديدة؟ س.أ.د: الحزب الجمهوري كان أقوى الأحزاب وأكثرها انتشارا على الساحة الوطنية ولكن مشكلته أنه حزب أنشأه الرئيس معاوية ليمتطيه إلى السلطة الدستورية وأن يبقى في هذه السلطة إلى ما شاء الله، فاندفعت إليه الجماهير بتناقضاتها لايجذبها برنامج ولا عقيدة سياسية وإنما تدافعت نحوه بجاذبية الدولة ورئيسها. فمن المعقول عندما يذهب الرئيس أن ينهار البناء الذي فقد أساسه. لكن الأيام التفكيرية خلال شهر سبتمبر الماضي فاجأت المراقبين لكثرة المشاركين فيها ونوعيتهم وبقي المؤتمر مجلبة للأنظار لأنه هو الحاسم في مستقبل الحزب فالحزب إما أن يحافظ على برودة أعصابه وتماسكه ويتكيف مع الوضعية الجديدة، وإما يتشرذم في طوائف وتنشق عنه جماعات مؤثرة وبالتالي سيضعف. ولا شك أن التطورات الأخيرة والتدخلات التي قامت بها العدالة في أمور الحزب ستشكل عامل ضعف كبير بالنسبة إليه فأغلبية الجماهير التي جاءت للحزب لأنه حزب الدولة ستنفض عنه لا محالة لأن الكثير منها لا يميز بين السلطة والقضاء ويعتبر أن هذا كله هو الحكومة وما دامت هذه الإجراءات قد اتخذت ضد الحزب فمعنى ذلك أن الدولة أصبحت تناصبه العداء. السراج: ما موقفكم مما حدث في 3 أغسطس س.أ.د: ما حدث يوم 3 أغسطس هو انقلاب عسكري أزاح من السلطة رئيسا منتخبا، ولكن الظروف التي اكتنفت هذه العملية خلقت شيئا من الارتياح لدى غالبية الشعب الموريتاني إذ كان هناك نوع من الملل من سلطة دامت 21 سنة وليس هناك أفق لتغييرها عن طريق الانتخابات. وقد زاد من هذا الارتياح إعلان القادة الجدد أنهم لا يريدون البقاء في السلطة وإنما يريدون إعادة تنظيمها بحيث لا تبقى حكرا على شخص ما إلى ما لا نهاية. كما أنهم وضعوا الإصبع على مكامن الخلل الثلاثة وهي التداول على السلطة والعدالة والحكم الرشيد.
وقد قرأت بعض تقارير اللجان الوزارية وحضرت طرفا من مناقشة بعضها. ولا شك أن محتوى هذه التقارير من حيث تشخيص النواقص واقتراح أسباب العلاج كان جيدا وما أثيرت به هذه التقارير من إضافات وتمحيص أثناء الأيام التشاورية سيكون له أثر فعال على مسيرة البلاد في المستقبل وقد بقي لدي مأخذ بسيط على الإصلاحات الدستورية يتعلق بالإبقاء على انتخاب رئيس الجمعية الوطنية لمدة خمس سنوات بينما يتجدد بقية أعضاء المكتب كل سنة ويجدد رئيس مجلس الشيوخ كل سنتين. وكان بودي أن يلتفتوا إلى هذا الخلل ويتم تقويمه بحيث يكون رئيس الجمعية الوطنية يتجدد انتخابه كل سنة مع بقية أعضاء مكتبه. السراج: موقفكم من الحكومة الانتقالية وهل كان تشكيلها مرضيا؟ س.أ.د: للحكومة الانتقالية أحكام تخصها فهي ذات مهمة محدودة في الزمان ومحدودة في الصلاحيات إذ يطلب منها أن تهيئ البلاد للاستحقاقات القادمة، بدون أن يسند إليها دور تنموي واضح فنحن الآن منشغلون بالسياسة والديمقراطية والتداول والعدالة والشفافية أكثر مما نحن مهتمون بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. لقد أصاب الرئيس اعلي ولد محمد فال في جعل كل أعضاء هذه الحكومة من المدنيين لئلا يكون العسكريون خصما وحكما في أمور التسيير. كما أن تشكيلتها ضمت وجوها غير معروفة من قبل نرجو أن تبرهن على كفاءتها وتفرض نفسها بجودة أدائها وشفافية تصرفاتها. السراج: برأيكم ما هو مستقبل البلاد؟ س.أ.د: إن مستقبل موريتانيا رهين بما سيبذله أبناؤها من جهود في جعله آمنا مزدهرا. فعلى الصعيد السياسي نرجو أن لا تتعرقل جهود المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية في إرساء ديمقراطية حقيقية وعدالة عادلة وحكم رشيد تحترم فيه أموال الدولة وممتلكاتها وتكون الإدارة في خدمة المواطن والتنمية. نرجو أن يتم الوفاء بالوعود التي قطعها الجيش على نفسه وأن تنتهي دوامة الانقلابات الفاشلة أو الناجحة وأن يصبح الجيش جمهوريا مكرسا لمهامه الأصلية وللمساهمة في تنمية البلاد. إن الحرية هي المدخل الكبير للإبداع في كل الميادين وبقدر ما ينقص منها تتقلص وتيرة العبقرية والقدرة على الخلق. أما على الصعيد الاقتصادي فإن بلادنا إلى جانب ما كانت تتوفر عليه من ثروات مقبلة على استغلال البترول ولا شك أنه سيحدث نقلة نوعية في تنمية الموارد الوطنية إضافة إلى جوانبه السلبية المتعددة من إرباك للاستقرار وجلب المهاجرين من كل مكان وإثارة المطامع الخارجية إلى غير ذلك. فلتكن ثرواتنا في خدمة بلادنا وليحس المواطن البسيط بأثرها الإيجابي في تفاصيل حياته اليومية. إننا بلاد تزخر بالخيرات وسكانها قليلون وليس من المعقول ولا من المقبول أن نعد دائما من أفقر شعوب المعمورة. وهذا ما يبرز أهمية الحكم الرشيد فلنسير أمورنا بأمانة وشفافية وليكن لكل مواطن نصيبه من فوائد الدولة وثرواتها الجديدة يجده في تطوير الخدمات العمومية والبنية الأساسية وخلق وسائل الإنتاج والرقي الاقتصادي. أما من الناحية الثقافية فيجب أن نطور التعليم العمومي ونضم الكيف إلى الكم وأن تستكمل جامعتنا كلياتها وأن تفتح جامعات أخرى في كبريات المدن الداخلية وأن ينال التراث الثقافي للبلاد حظا من العناية. غير أن الأمن والاستقرار يبقيان الركن الركين لتحقيق كل هذه المطامح وبدونهما لا يمكن أن يكون لنا مستقبل واعد كما نتمنى. إن من الخطأ أن تقع القطعية بين مفاصل تاريخنا بمجرد الإطاحة بحكم ما وأن نتنكر للمنجزات الكثيرة التي تحققت خلال العقدين الماضيين لمجرد أنها أنجزت في عهد زيد أو عمرو، فلنطور هذه المنجزات ولنشيد فوقها بناءنا الجديد ولتكن الموضوعية رائدنا في كل هذه الأمور وهذا ما حاولت أن أتوخاه في هذه المقابلة
|