العبيد الجدد لدى التعليم الثانوي

أربعاء, 10/12/2014 - 19:10

العبودية ممارساتٍ أو آثارًا، كلاسيكيا و حديثا، لا تزال استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، فظيعة هي، لأنها تَسلُبُ الضحية ما هو أعز لديها ألا وهو الكرامة.

 عادة ما تكون المسؤولية فردية، تتعلق بمالك و مملوك، أما أن تكون عمومية ويكون السيد الدولة و العبد أساتذة متعاقدون، فهذا لا يمكن أن يحصل إلا في بلاد غاية في التناقض مع قيمها و ذاتها و حتي في ما بينها، كمجتمعنا  الذي يرفع عاليا لواء مكافحة الاستغلال و استعباد الناس.

دعونا نذهب إلى محاولة  فهم معاناة المتعاقدين، كما تعلمون، فإن جسم أساتذة التعليم الثانوي يتكون من موظفين وعقدويين.

للتوضيح فقط، لا للتعارض بين الزميلين، سنسلم جدليا أن عليهما نفس الواجبات التربوية، خلافا للموظف الذي يتمتع بحصانة الوظيفة العمومية،  فإن العقدوي مطالب بالكثير وبالبرهنة في كل ساعة، علي كفاءته و لياقته لأنه  يظل تحت رحمة مزاج مدير المؤسسة، معلقا كالمطلقة بكلمةٍ ، ناهيك عن احتمال ابتزازه من لدن السلطات و الإدارة  الجهويتين ...

 

أما الموظف فعنده اعتماد مالي لا يمكن لأي كان  أن ينهيه أو يعطله، غير مجلس التأديب لدي وزارة الوظيفة العمومية أو مجلس الوزراء و في حالات جد استثنائية كالخيانة العظمي،  و يتقاضي بموجب هذا الاعتماد راتبا طيلة الحياة النشطة و معاشات عند التقاعد، فضلا عن الضمانين الصحي و الاجتماعي.

 و من أبرز حقوق الأستاذ  الموظف العطل المعوضة كشهور العطلة الصيفية، و علاوات البُعد و الطبشور و السكن إلخ...

و له كل الحقوق التي يكفلها الدستور كالإضراب، و النقابة والتحزب....

 أما العقدوي، فلابد أن يكون جامعيا مثقلا بشهادات عليا و يكتتب، إن اكتتب، كل سنة دراسية فقط إذا دعت الضرورة لذلك، و الضرورة وحدها، غالبًا، بعد فترة من بدء الدروس ، شهر أو أكثر، يتم خلالها تقويم الوضع ميدانيا و التأكد مما لا يترك مجالا للشك بالاحتياج لخدماته.

 قد يتطلب الاكتتاب مسابقة كما حدث  في سنة 2012 - 2013 ، و أُخِذَت القيمة المضافة المعرفية و الخبرتية لكل متسابق في ميزان التصفيات،  و إن اكتتبوا، فسيكتتبون لما تبقي فقط من السنة الدراسية الجارية!

...و تعاد الكرة "للمحظوظين" كل سنة في حلقة مفرغة، أو لا تعاد للباقين، الذين "لم يساعدهم الحظ" في الاكتتاب.

  وخلافا للموظف، لا يحق للعقدوي أي إجازة مدفوعة الأجر كعطلة الصيف مثلا، و يتوقف راتبه عند لحظة إغلاق بوابة المؤسسة و لا تحق له علاوات الطباشير، و لا البعد و لا السكن...

أيضا، و في انتهاك سافر للاتفاقية العامة للشغل و لمواثيق المكتب العالمي للشغل، لا حق للعقدوي و لا لذويه في العلاج  و ليس لأطفاله حق في المعاشات الاجتماعية لدي الصندوق،كأنه ليس بشرا و لا يتعرض للمرض!

و أخيرا و ليس آخرا، و في انتهاك صريح للدستور، يحرم عليه الإضراب أو أي مظهر آخر من مظاهر حرية التعبير التي تكفلها المادة العضوية الأساسية الموريتانية.

و الأخطر أخلاقيا من هذا كله، هو إدمان الإدارة علي إفشال كل التحركات الاحتجاجية بواسطة الابتزاز الدائم للعقدويين و منعهم من أي تضامن، كلما قرر زملاؤهم الموظفون ممارسة حقهم الشرعي في الإضراب.
أما الآن فإن الحل أضحي أكثر من أي وقت مضي ملحًا، وهو، و بكل بساطةِ جرةِ قلمٍ، إدماجُ  كل العقدويين في التعليم الثانوي (بضع مئات) في الوظيفة العمومية، كأساتذة ، آخذين بعين الاعتبار شهاداتهم و أطفالهم و تجربتهم.
علي كل حال، لا يجوز دينيا و لا أخلاقيا ولا قانونيا ولا عقلا و لا نقلا، للجمهورية الإسلامية أن تلقي هكذا علي قارعة الطريق كالليمونِ المعصور، مَنِ استغلته و ببشاعةٍ، سنةٌ  كاملة من عمره، أو اثنتين، أو أكثر ....
لقد آن الأوان للصحافة والأحزاب السياسية، وحقوق الإنسان، والمنظمات غير الحكومية ومفتشية الشغل، والمدعي العام والمركزيات النقابية الرئيسية لكيْ يُسمِعوا جميعا كلمةَ الحق في قضيةِ استغلالٍ و استعباد لا أحد، اليوم، في موريتانيا، يماري في وحشيتها و في خرقها الغاشم لكل من القانون و الدستور .

 

و ما أردنا إلا الإصلاح و الله المستعان.

                                              المتعاقدون في التعليم الثانوي