القليل من العلم يٌبعد عن الله../ صبحى ودادى

سبت, 21/01/2017 - 18:44
الكاتب صبحى ودادى

بدلا من اهتبال فرصة وسائط التواصل الاجتماعي للنضال السياسي في مساعيه وأهدافه الجامعة، وفي بلد يعاني تخلُّفا سياسيا مريعا يفرز كل حقبة مصائب اقتصادية واجتماعية، راح "التنويريون الجدد" يفتشون عن مايمكن أن يتيحه عالم التواصل اللامحدود هذا من فرص الخروج من القمقم، من حالة الكساد الفكري الممل، من وضعية العزلة القاتلة..
ويبدو أن هذه المحاولات التي نصبت شباكها تمكنت من فرز شلة؛ عمودها موضة فكرية وصيحات خطابية جديدة/قديمة، وجسمها مجموعات من المتهتكين والمتهتكات الذين يتكلمون بما لا يفهمون ويهرفون بما لا يعون، يبدو أن صالوناتهم ولقاءاتهم خليط من التجديف والتهتك..لا غرو.

عمود الشلة جبان وجسمها نذل، ولذلك يتقاسمون الأدوار بنجاح (وفق خطتهم)؛ فيقدم الرياديون خطابا منافقا ومداهنا؛ هدفه ضرب الدين في أصوله وكلياته تحت يافطة انتقاد الفهم الإسلاموي أو الماضوي أو "اليميني" للدين، وفِي المساء تتبع الجوقةُ قادةَ الاوركيسترا بنهيق منكر وصراخ منكور؛ خليط من حماقة الجاهل وجرأته وتناقضه، ودور هؤلاء الحقراء مفهوم؛ وهو إضعاف الحساسية الإيمانية للناس، وتقديم الكفر فكرا في الساحة، لا غرابة فيه ولا اشمئزاز منه، وكثرة المساس تزيل الإحساس..
الطرح المباشر؛ أعني تجديف الجوقة/ الجسم؛ منكر من القول وزور؛ لا حجة فيه ولا قيمة معرفية لدى أصحابه، وهدفه نفسي؛ كما أشرت؛ وهو بذلك الاعتبار ليس فكرا ليناقش، بل هو جريمة اجتماعية ودينية ومعرفية، ولذلك يجب الضرب على أصحابه بيد من حديد، وحذارِ من انطلاء حيلتهم؛ استفزاز المجتمع بانتهاك حرمة دينه، ثم الإدعاء الوقح الكاذب ببراءتهم (من ما نسب إليهم)!!
أما الرواد المتوهِّمون؛ فيمارسون لعبة الدنيء؛ لعبة الزندقة الأبدية؛ لعبة المنافق العقدي التي تفرَّغ القرآن في آيات كريمات وسور وضيئات لفضح أصحابها؛ الخوف من المؤمنين ومحاربة الدين سرا؛ مسيرتهم الأيديولوجية المتعصبة وقراءاتهم الفكرية المبكرة ألقت في روعهم أنهم قد أمسكوا بحقائق المعرفة، وماهم بعارفين، كل مالديهم هو توهم وتورم معرفي، وقد قال الفيلسوف الإنجليزي "فرانسيس بيكون" :( إن القليل من العلم يبعد عن الله..أما الكثير منه فيجعلك مؤمنا).
حيلة الرواد؛ وتدليكا لضميرهم؛ هي أنه لاعتبارات الحكمة واللياقة (الجبن في الحقيقة) يجب هدم المعبد من الداخل: الدين حق، ومحمد حق، والوحي حق، ولكن... ووراء هذه ال (لكن) يأتيك كل يوم خطاب يغمز في الدين وأهله، والتدين ونظمه التي أفرز، تارة هجوما على كل علماء الإسلام؛ كلهم، باعتبارهم (كهنة)، لاحظوا كيف يعيشون طيلة حياتهم الفكرية والمفاهيمية في المنظومة المعرفية المسيحية وتجاربها المرة مع الدين وقسيسيه، وتارة على التاريخ الاسلامي كله.. كله، وتارة وفِي لحظة نشوة بالشلة يصعِّدون الخطاب فيصلون إلى النبوة، وتفهم في لحن القول إن الرسول عليه الصلاة والسلام أتى ببرنامج إصلاحي عظيم، لكنه في غمرة الأحداث ترك برنامجه الاصلاحي المنحاز للفقراء (العهد المكي) وانحاز لمنطق الإمبراطورية في العهد المدني..!!
كل هذه الطروحات بائسة، وهي جبانة، ولذلك تختفي وراء التلميح، والأفكار الاعتراضية والاستعراضية، وذلك يفسر كل قصة أصحابها؛ هداهم الله، وهي قصة الغرور المعرفي، قصة مرض قلبي والتواء نفسي، والقرآن عرَّف أصحابه كَذَلِك: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ..).
أيها (السادة) و(أيتها الجوقة) انحرافكم وتجديفكم (حق لكم)، ولكن من حق هذا المجتمع أن يحمي دينه وقيمه، ولحمته، قولوا لنا بالله عليكم ، إن كان للحلف به لديكم مكان، ما الذي قدمتم للفقراء والمحرومين والمعذبين في الأرض، كما كان يقول أحد دهاقنتكم، ويشرب نخب تعذيبهم في قصر عزيزه..؟ هل قدمتم الكساء والدواء والغذاء والتعليم ؟ هل فيكم من زار "الكبات" مثلا؟ هل فيكم من ضحى يوما بالجلوس مع أهله في يوم عيد ليدخل الفرحة على فقير؟ هل فيكم من أشرف يوما على افتتاح ومتابعة وتدريس وتمويل فصول لمحو الأمية؟ هل فيكم من ضحى بأسبوع كامل للمرور على قرى المهمشين في داخل البلاد حاملا استشارة صحية وعونا ماديا؟؟
لن أعدد أدوار الكهنة والظلاميين الذين يقضون مضاجعكم، شخصيا شاهد على تلك الأدوار..
وفق الله أهلها وكل مصلح مخلص.

مرة أخرى جدفوا بعيدا عن العدوان العلني على أمن مجتمعنا الديني وأمنه الاجتماعي ولحمته الجامعة له بالاعتصام بدينه، لا بدين ماركس ولا بإصلاحية غيره من العقول البشرية القاصرة.
والحقيقة أن سُعاركم المتقلب بين التصريح والتلميح لن يضير غيركم، وسيظل معزولا مدحورا، إليكم هذه القصة الدالة: مرة أراد أحدكم أن يلقي بتوافهه وينشر شكوكه بين أصدقاء له لعله يستدرجهم ، فقال: (أنا بعد قصة الفيل وعن اطيور جاو لابرهة وزركوه بلحجار ماه جاده علي... ) وقال كلاما كفريا مستنجدا بعقول أصدقائه، قال له أحدهم جوابا بليغا ومناسبا ؛( ذاك ش يعنيك).
تجديفكم سيظل معكم، لن يتجاوزكم، ولو اختبأتم خلف لوحة المفاتيح بعد أن افتقدتكم الساحات وعرصات النزال ضد الفقر والتخلف والجهل..
"والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس الناس لا يعلمون".