للتصحيح : التعليم رسالة

ثلاثاء, 24/02/2015 - 12:41
بقلم: حمزة ولد محفوظ المبارك

أغلب الذين يحاولون الكتابة عن التعليم و رغم الطاقة التي يبذلون في البحث عن الكلمات , و تهيئة المحاور و تنسيق الأفكار و ربط الجمل بعضها ببعض و محاولة تسوية صفوف الحروف , كثيرا ما يضيعون الوقت في مسكنة المدرس و التوجع من حاله المزري و واقعه الأليم و راتبه الممزق و ثوبه البالي و ضنك عيشه و سمعته السيئة في كل مكان , ثم إنهم لا يبرحون ذلك الحديث إلا و هم يلومون المجتمع الذي أنزل المدرس من علياء قدسيته إلى حضيض احتقاره و النظرة الدونية إليه كما يزعمون !

 

المدرس في نظر كتابنا الكرام يمثل مظلومية تاريخية لا تقل في بشاعة الإقصاء و التهميش و العنصرية عن المشاريع الحالمة التي يؤسس لها أبطال أفلام - الشريحة - ! حتى أصبح المقبل على التدريس يخطط مسبقا ليتأقلم مع الصورة التي أصبحت نمطية للمدرس المكتئب , و كأنه خلق ليكون ذليلا مع سبق الإصرار و الترصد , فتجده في إقبال على الحضيض المعد سلفا من قِبل من سبقوه ...!

 

أيها المتعلمون و أصحاب الرسالة , التعليم شرف قبل أن يكون مهنة و رسالة قبل أن يكون توقيعا و أمانة قبل أن يكون راتبا , به تستنير عقولكم قبل غيركم و تنتظم حياتكم قبل الآخرين و به تنصلح شؤون الناس و تنتشر السعادة و المحبة و العدالة و الإيمان و القناعة و التواضع .....

 

رسالة التعليم لا يليق أن توكل و لا أن يُوَكَّلَ بها إلا من يستطيع أخذها بحقها و أن يمشي بها بين الناس مرفوع الرأس معززا مكرما , ذلك أن قيمة المرء لا تكون كما يتصور البعض بما يملك من فتات و لا بما يحيط به من بهرجة و زينة مزيفة كاذبة , فكم من ذوي الرتب و النياشين و الثروات كانوا في حضيض التأثير و قليل الإحترام و التقدير , مترسبين في قاع الإحتقار , و كم من المرتقين بالعلم حطوا رحالهم في أعالي النفوس السامية فتزينت بهم الأرض و من عليها قبل أن يتجملوا بأخلاقهم في عيون الناظرين ؟!

 

من الواجب على أي كيان سواء كان دولة أو نظاما إجتماعيا أو مؤسسة دون ذلك أن يهتم بالتعليم و أهل العلم و الموكلة إليهم رسالة الرسل النبيلة السامية , فيحيطونهم بالرعاية و التبجيل و يغدقون عليهم من المال ما به تنصلح أحوالهم و يتقووْا على مهنتهم و مهمتهم , و يتفرغوا للتربية و التكوين و الإصلاح , لكن ذلك ليس شرطا في تأدية الواجب و إحقاق واجب البيعة التي هي في رقبة كل داخل في هذه الميدان الشريف أصلا و فرعا .

 

الوقوف أمام الطلاب هو وقوف بين يدي الله و الوطن و الشعب , فعلى الرسل أن يبنوا قصورهم المرصعة بالزينة الباقية في قلوب الصبية و المراهقين و أن ينشروا أخلاقهم السامية في عقول الجماهير حتى إذا مشوْا بين الناس أفرشوا لهم الأرض بسجاد الإحترام و التقدير و صنعوا بنيان سعادتهم داخل النفوس فعوضوا ما فاتهم من زخرف الدنيا بزينة الرضا و الصدق و سعادة القلوب و نالوا من ثواب سعيهم صناعة جيل مُتقن الإعداد يُشعرهم بانحفاظ طاقتهم و انتشار بضاعتهم ......

 

المدرس هو من يصنع لنفسه و للناس حيزا من الوجود يليق بهم و ليس العكس , فكيف يكون صاحب رسالة سامية يستجدي الآخرين ذرة من معدن هو قادر على صنعه و صقله و الحفاظ عليه ؟!

 

التعليم أيها السادة ليس مهنة جامدة , ليس مهنة صامتة , ليس مهنة المال و جني الأرباح النقدية , إنما هو مهنة تصنع السعادة في القلوب و الرجال في الدروب و المخارج من ويلات الخطوب , بها يرتفع المؤمنون بسموها , القائمون عليها بحقها ....

 

أيها السادة الكرام , التعليم جنة إذا دخلته من باب الرسالة و الأمانة , و نار إذا دخلته من أبواب الأسواق و البنوك .

 

التعليم , لإصلاحه  نحتاج إلى كثير عمل و كثير حزم , و كثير عزم , و كثير من الصلاح الذي يؤدي للإصلاح ....... كل هذه الحاجيات هي اليوم مفقودة في المدرس نفسه إلا من رحم ربك - و هم بهذا المعنى قليلون - , أما على مستوى القائمين على إدارة التعليم فلا يلقون بالا لإصلاح  إلا ما كان من هدر للمال و سرقة للثروة و ظلم للبلاد و العباد , هم بعيدون كل البعد من أن يكونوا على قدر المسؤولية الملقاة على عواتقهم , ذلك أنهم في الأصل ما وصلوا إلى هرم المنظومة إلا على أساس ولاءات ضيقة و محسوبيات مدمرة تعتبر هي جوهر الإختيار في هذا القطاع الذي يَئِدُ , الكفاءات في المهد و يسوق القدرات إلى اللحد !

 

التعليم هو أساس كل بنيان يراد له الإستمرار و النجاح , و هو أساس صناعة الإنسان و إقامة العدل و المساواة و إشاعة الأخلاق الفاضلة ما لم يمسه رجس المذلة و الخيانة و يتلطخ بوسخ الأيادي الغريبة