الكارثي والحاد في مسألة الحوار

ثلاثاء, 24/02/2015 - 12:33
بقلم: سيد ولد محمد الامين

في برقية للألمان للنمساويين أثناء الحرب العالمية الثانية يقول الألمان: "بالنسبة لنا فالوضع على الجبهة حاد، ولكن غير كارثي" فيجيبهم النمساويون: "بالنسبة لنا فالوضع كارثي، ولكن غير حاد" !!

 

لا نستطيع الجزم بأن تحليلا معينا ـ مما قد أسيل فيه الحبر خلال الأسابيع الماضية ـ قادرا على الإقناع بدواعي طرح النظام لمسألة الحوار على المعارضة، ولا مفسرا لتهافت المعارضة ـ في غالبيتها ـ لتلك الدعوة.

 

وسيظل السؤالان: ما الذي يدفع النظام للتحاور؛ وما المغري للمعارضة في هذا الحوار، معلقان حائران لا يجدان من الإجابة إلا الرجم بالغيب.

 

ففي الواقع لقد صرم الفريقان (النظام والمعارضة التي قاطعت انتخابات 2013) حبال الوصل منذ مدة، وحرق كل منهما مراكب العودة للآخر، فكيف يلتقيان في لجة بحر مضطرم بالقلاقل والمشاكل ـ في رأيي ـ التي تعصف بهما، وإن كنت أرى أن للمعارضة حظوظا أفضل للنجاء..!!

 

وقبل الحديث عن تلك المشاكل "الكارثية والحادة" التي تعصف بهما، أجد من المناسب الحديث عن طبيعة الصراع بين النظام والمعارضة، فهو لا يبدو صراع برامج في دولة ديمقراطية، بل يبدو أقرب إلى صراع صفري بين نمطين ـ رغم تحفظ البعض ورغم تداخل الثوري والمحافظ لدى الفريقين ـ  للحكم والتسيير.

 

وقبل سنين كنا نتحدث عن نجاح نظام العقيد ولد الطايع في خلق معارضة تشبهه تماما، ولا تختلف عنه سوى في أسماء رموزها، ولكن يبدو أن تقادم تجربة المعارضة السياسية، وكفاحها على المدى الطويل بدأ يفرز نخبا معارضة تميزت بالمصداقية والثورية رغم عاديات الزمن.

 

وقد رفعت هذه النخب شعار الرحيل في وجه النظام سنتين، لكنها سرعان ما عادت عنه نظرا لترتيبات في صفوفها، ولكن آثار الشعار لا تزال بادية على ممارسة العديد منها.

 

والآن يمكن ـ بنوع من التجوز ـ الحديث عن معارضة مختلفة عمن هم في السلطة اختلافا جذريا.

لا مراء في ذلك.

لكن هذه المعارضة لديها مشاكل جذرية تكاد تعصف بوجودها ووحدتها:

 

أولها: أنها كتل سياسية غير منسجمة أيديولوجيا، لا يوحدها سوى الخصومة للنظام.

 

ثانيها: أن بينها من الخلافات الداخلية ما يهدد وحدتها في كل وقت، ولا يسمح سوى ببقاء هيكل ـ جامد عديم الفاعلية ـ يجمعها.

 

ثالثها: أن وسائل تواصلها مع الجماهير تقليدية لم تتطور.

رابعها: تمويلاتها عاجزة عن إشباع الحد الأدنى من برامجها.

 

الوضع كارثي ـ إذن بالنسبة لها ـ ولكن ليس حادا، فهل يكفي هذا الوضع لتجنح للحوار مع النظام لتتلقى ضربة أخرى تحت الحزام تجهز على ما أبقاه الدهر منها؟!!

 

على الجبهة الأخرى يقبع النظام الذي يبدو أنه يحتضر اقتصاديا، ويتآكل من داخله، وربما يشكل الحوار مع المعارضة تجديدا لسريان الدم في عروقه التي خنقها الانسداد السياسي، والضغط الشعبي الحقوقي المتراكم، ويحاول المسار الاقتصادي بنذر أزماته التي تلوح في الأفق خنقه.

 

إن ما يعتمد عليه هذا النظام اقتصاديا منهار؛ فعندما جاء هذا النظام فعل نظامه الضريبي، وابتكر طرقا قانونية وأخرى غير قانونية للجباية لترتفع مساهمات الضرائب إلى نسبة 11% من الميزانية، وانتشى بذلك في الوقت الذي كانت أسعار الحديد والذهب والنحاس مرتفعة، ونتائج السياسات في مجال الصيد البحري بدأت تثمر، فارتفعت "مرتنة" الصيد، وانخفض عدد السفن والقوارب العاملة بالصيد الصناعي من 504 في 2004 إلى 220 سنة 2008 منها 166 وطنية، مع زيادة مداخيل الصيد من 64 مليار سنة 2004 إلى 66 مليار سنة 2008، هذا مع تحسن أداء الرقابة البحرية بسبب دور موريتانيا في السياسات الأوربية للحد من الهجرة السرية، ودعم الأوربيين لبلادنا في هذا المجال.. 

اعتقد النظام أن هذا البناء الاقتصادي كفيل بتأمين الموارد اللازمة له لتسيير البلد من ناحية، ونهب ما أمكن نهبه (في هذا الصدد يمكن مطالعة تسريبات ويكيليكس بشأن أرصدةالأشخاص الموريتانيين في البنوك السويسرية..)

ولم يسع النظام لاستثمار الانتعاش منذ 2008 في تأسيس اقتصاد قوي لا يعتمد على المواد الأولية (التي تتقلب أسعارها بحسب السوق العالمية)، ومال إلى الشعبوية والغوغائية، والتبجح بالاحتياط النقدي، وبأن البلاد تعيش ثراء غير مسبوق!! 
ولم يضع حسابا لتقلبات السوق، فعطل اتفاقيات الصيد مع الأوربيين، ومضى في مسار أحادي في الحكم، راكنا إلى معدنه الدكتاتوري الأصيل..

ولكن يبدو أنه كما يقال "الصيف ضيع اللبن" في الوقت الذي بدأت تطارده أشباح أزمة اقتصادية خانقة، من مظاهرها (البادية على الأقل) أزمة سنيم، وأزمة الصيد، وتدهور أسعار النحاس والذهب (رغم محدودية مساهمتها في الاقتصاد الوطني) وما خفي كان أعظم. 
إلا أن هذه الأزمات عضدتها أزمة فساد مستشرية، فلا يكاد يمر أسبوع منذ 4 أشهر إلا ويكشف عن قضايا فساد، تتراوح ما بين كبيرة أو متوسطة، ويبدو أن هذه القضايا أكلت أبناء النظام، وألقت بعيدا كثيرا من رموزه وأعوانه، وهو ما ينذر بأزمة مستقبلية في أوساط سدنة هذا النظام، وصراع وشيك (ربما) بين أجنحته.

ولقد  استخف الطرب (للانتعاش الاقتصادي الذي ذكرت، والنصر السياسي الذي يبدو أنه حققه من خلال تشريع انقلابه في 2008) بهذا النظام لدرجة أنه ألغى كل الطيف السياسي المشكل لموريتانيا، وسد أمامه الطريق لأي دور يمكن أن يلعبه، وتصامم بخبث عن المطالب الحقوقية والاجتماعية للشعب، والشباب، والفئات المهمشة، رافعا شعاراته الشعبوية الشهيرة (رئيس الفقراء، رئيس العمل الإسلامي، تجديد الطبقة السياسية..) والتي يبدو أنها اليوم لم تعد تنطلي حتى على أكثر أنصاره حماسا، مع تعاظم نسبة البطالة (الأعلى عربيا)، وفشل تجارب أحزاب الشباب، والارتفاع الصاروخي للأسعار، وممارسات القمع التي طالت الجميع، ووضع الوحدة الوطنية في مأزق حرج..

ولا بد أن النتيجة الحتمية لكل هذه الخيبات التي ولدتها ممارسات النظام لدى الجماهير التي انخدعت به هي تخلي الشرائح العريضة من الشعب الموريتاني عنه، وهو يواجه أصعب ظرف يعرفه في الوقت الحاضر.. 
ولهذا فالنظام في ظل هذه الوضعية مهدد، مع تفاقم كل هذه الأزمات، بانهيار وشيك، وهو ما يفسر سعيه للحوار لتخفيف أضرار الزلزال الذي يمكن أن يعصف به. 

 

الوضع ـ بالنسبة له ـ كارثي، ولكن الوقت مبكر على أن يكون حادا، ولا يزال متاحا له هامش من المناورة.

فهل تكون المعارضة الوطنية رحيمة به، وتمنحه ما يشبه طوق النجاة؟ 
أم تطلق عليه رصاصة الرحمة، ليتدبر أمره بنفسه؟