قاف) الاستقلال وتسييس علم الأصوات/ السيخ أحمد البان

ثلاثاء, 29/11/2016 - 06:42
الشيخ احمد البان

من النكات الدالة التي يذكرها شيخنا محمد الحافظ بن اكاه حفظه الله، أنه في زمن نظام الرئيس معاوية بن سيد أحمد ولد الطايع وكان يدرّس النحو بالجامعة اتهم بـ"بتسييس النحو".
وهي تهمة تُذكِّر بالخوف الذي يسلط على المستبدين والظلمة لانعدام شرعيتهم، فيحسبون كل صيحة عليهم، وأمثالها في التاريخ الإسلامي كثير، فقد أفتى إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله بعدم لزوم طلاق المكره، فظن الخليفة الذي يشعر بعدم شرعيته أنه يقصد بذلك أن بيعة الإكراه التي يلزمها الحكام لرعيتهم ليست لازمة أيضا، فكانت تهمته "تسييس الفقه".، وقد ابتلي في سبيل ذلك وعذب عذابا شديدا رحمه الله.
وتسييس الفقه أقرب من تسييس النحو، ولكن الشقة في المزية والزمان بين نجل الطايع وبين المنصور تغفر مسافة وجاهة الربط بين تسييس النحو وتسييس الفقه.
وربما أُتَّهَمُ أنا أيضا بتسييس "علم الأصوات".
كنت قبل أيام أتحدث إلى أحد الأصدقاء حول (الاستقلال)، ولعل حسن نيته بي جعله يحسبني أقول له: (الاستغلال) بالغين خالصةً، فأكدت له أنه يسمع ما يظنه بي لا ما أقوله له، وأكثر الناس يسمع بأذنه صدى ما يختلج بين جوانحه من تصورات عن المتكلم فيفهم كلامه على وجهه الذي أراد هو لا على وجه مراد المتكلم.
ثم أردت أن أرفِّه عنه، فهو إنسان يشاركني الإيمان بأن بلدنا لم يستقل بعد، ولكن لوثة تعصب وجهوية تمنعه من المجاهرة بموقفه، والإنسان ضعيف بطبعه، فقلت له:
إن مخرج حرف القاف مشكل منذ زمن الجاهلية على فصحاء العرب، وأن بني تميم كانوا يلحقونها باللهاة فتغلظ جدا، فيقولون للقوم:الكوم، فتكون القاف بين الكاف والقاف، ومنها قول شاعرهم:
ولا أقول لكدر الكوم كد نضجت@ولا أكول لباب الدار مكفول
يريد:
ولا أقول لقدر القوم قد نضجت@ولا أقول لقد القوم مأكول
وأما نطقها غينا صريحة ـ أقول لصاحبي ـ فهي لغة إخوتنا السودانيين، وبها يتكلم معظم أهل لعصابة والحوضين عندنا، وآخرون كثير في موريتانيا، ولكنهم لا يفطنون لذلك غالبا.
فيمكن أن تسمع عند أحدهم (الاستغلال) وهو يريد(الاستقلال) والعكس، وأي فرق بين الاثنين: الاستقلال والاستغلال، فلعل تقارب دلالتهما في ذهن المتكلم ينسيه الفرق بين مخرج الغين ومخرج القاف، وهذا طريق أّمَمٌ في بناء الأصوات في اللغة العربية، وليس التصاقب عند أبي الفتح عثمان بن جني إلا ضرب منه، فلعل التخصيص الواقعي لـ(الاستقلال) جعله بمعنى الاستغلال، واللغة العربية غنية بأصواتها، كما الدولة الموريتانية غنية بخيراتها، وضعفنا عن استغلال ثروة أصوات الأولى هو الذي يحول بيننا وبين استغلال خيرات الثانية.
والله الموفق.