الحقيقة والخرافة

خميس, 19/02/2015 - 23:48
بقلم: الخبير اللغوي محمد سالم بن جدو

تذكر مراجع الأدب وأيام العرب أن زهيرا بن جذيمة العبسي أثناء مطادرة العامريين إياه وابنيه كاد ينجو على فرسه القعساء، وكان معاوية بن عبادة (الأخيل) أقرب المطاردين إليه فحاول طعنه مرارا فلم يمكنه أكثر من طعن فخذ فرسه فانخذلت في سيرها شيئا ما، فقال له زهير: اطعن الأخرى (يكيده بذلك لكي تستوي رجلاها فتتحامل كما يزعمون).

 

فزجره خالد بن جعفر قائلا: يا معاوية أفِذّ طعنتك (اطعن مكانا واحدا) ففعل فانخذلت الفرس.. إلى آخر القصة التي انتهت بمقتل زهير. وأصدُقكم القول إني طالما استسخفت مقصد زهير من توزيع الطعن بعدالة بين فخذي فرسه، ولم أر فيه أكثر من إحدى أفكار الجاهلية الجهلاء، إلى أن تبينت صحته منذ أيام معدودة! شعرت في الفترة الأخيرة بألم حاد في عنق الفخذ (ما يلي طرفه المفصلي الأعلى) جعلني أخطو وأتصرف بصعوبة وحذر.

 

وصباح الثلاثاء الماضي زرت طبيبا عاما آملا أن يوجهني إلى مختص، فاكتفى بإجراء معاينة سريرية لي سلمني بناء عليها وصفة ضمنها نوعين من الأقراص وثلاث حقن من مادة الكورتيزون، موضحا ضرورة استعمال الأخيرة بفرق ثمان وأربعين ساعة بين كل حقنتين. لم يسبق أن استعملت الكورتيزون ولا أحبذه، لما له من آثار سلبية على عدسة العين وغيرها من الأعضاء والأجهزة والوظائف الحيوية.

 

ورغم ذلك توكلت على الله وقررت التداوي به مرجحا أن لا يكون للنادر حكم، وناظرا إلى الجزء المملوء من الكأس عسى أن أستفيد من تأثيره الإيجابي المضاد للتشنجات والالتهابات، المهدئ للآلام. وقديما قيل: "لا يحمل على تجرع المر إلا ما هو أشد مرارة منه". استلمت المواد الدوائية ودلفت إلى غرفة الحقن فوجدتها خاوية إلا من إبر متناثرة وبقايا قطن مبلل تدل هيئته على استخدامه للتعقيم الخارجي قبل الوخز بتلك الإبر، وبعد بحث عثرت على الممرضة المعنية بمهمتي.

 

نظرتْ في الوصفة، ثم صبت الأدوية من كيسها الورقي، ثم حدجتني بنظر المتفرس المتوسم، وقالت مشيرة إلى إحدى قوارير الحقن: هل سوف تستعملها؟ فأجبت بالإيجاب، ثم سألتني: "هل ذقت شيئا اليوم"؟ فأجبت بأني شربت الشاي "والزريق" أما الأكل صباحا فلست من جمهوره. قالت: وهل لديك علم بأمرها؟ (تعني الحقن أو مادتها) قلت: وما أمرها؟ متوقعا أن تحدثني عن تأثيراتها غير المرغوبة انطلاقا من خلفيتها المهنية، ولكن جوابها جاء من ناحية أخرى.

 

أخبرتني أنها "حرة" (مؤلمة) وأكدت أنها غير مأمونة. كانت تقص روايتها السطحية وكأنما تتوقع أن أخاف فأنجو بجلدي وأعفيها من حقني، بينما كنت قد تأهبت وأبرزت لها المكان المفترض حقنه. ولما رأت ذلك أخذت تمزج المصل بالمركب الدوائي منبهة على ضرورة استخدام إبرتين: إحداهما للمزج والأخرى للحقن العضلي، ثم قالت: "إبرك اعليَّ واعليك المقادير" ودنت إلي وبدأت تحقنني أخيرا. أثناء الحقن كانت تسألني هل شعرت بدوار، أو غثيان، أو غبش في الرؤية.. طمأنتها أني بخير طالبا منها إكمال المهمة، بينما كان الألم يسري من الحرقفة إلى نهاية رجلي الصحيحة التي آثرتها بالحقنة تجنبا لزيادة إيلام السقيمة.

 

بمجرد استلال الإبرة من جسدي أوكلت المرأة إلي الضغط بالقطنة على مكان الحقن ورمت الحقنة الفارغة وبادرت بالخروج. وبعد هنيهة استعدت توازني فخرجت أخطو بخيلاء لغير كبر وإنما للألم. حينها انتبهت إلى أن مشيتي اعتدلت جراء توزيع الألم بين جانبيَّ بعدالة! وقديما قيل: المساواة في الجور عدل. ذكرني حالي برأي زهير بن جذيمة العبسي المسوق أعلاه، فبدأت أعيد النظر في تقييمي له، وحين عبرت الباب الخارجي كنت قد عبرت الخط الفاصل بين الأسطورة والحقيقة كما يعبر المرء الخطوط الوهمية على هذه الأرض، وكما صار يعبر من ولاية إلى أخرى بمجرد عبور أحد شوارع العاصمةَ!