جكني ...موعد مع الألم

ثلاثاء, 17/02/2015 - 12:59

 إطول عمر ولد سيدى عالي

تحل هذه الأيام ــ فى مقاطعة جكنى ــ الذكرى السنوية لموسم العطش ، الموسم الذى طالما أرق الكثيرين من سكان هذه المقاطعة وقلب حياتهم معاناة وبؤسا، إذ لايعقل أن شيوخا وعجائز ــ فى ظروف صحية حرجة ــ يسكبون الدموع من ألم العطش فى مشهد أقل مايقال عنه : أنه عنوان للتهميش والنسيان.

وفتيان تركوا مقاعدهم الدراسية لينضموا إلى قافلة الباحثين عن الماء فى مسيرة شاقة وطويلة ، يقطعون خلالها المسافات الكبيرة خلف عرباتهم ليصلوا فى ساعات متأخرة من الليل ــ فى أغلب الأحيان ــ إلى بئر من الآبار القليلة والبعيدة ــ المالحة والملوثة والمهددة بالنضوب ــ مصطفين فى عربات ينتظرون أدوارا صاحبها ليس فى عجلة من أمره، وبعد مقدم ذلك الموكب الذى طال انتظاره تحصل عائلتين أوثلاثة من كل حي على برميل ماء ملوث وبمبلغ مرتفع ــ إذا ماقارناه بمستوى الدخل لدى أولائك المحرومون الذين لادخل لهم أصلا ــ لتبدء بعد ذلك عملية تقسيم تلك البراميل قنينة قنية وكوبا كوبا، إذ الماء عصب الحياة وشريانها الذى لايمكن احتكاره خصوصا بين جيران عرفوا التكافل أيام الرخاء فمابالك بهم أيام الشدة ووسط عاصفتها الهوجاء.

 

 من هنا يجب على الجهات الرسمية المعنية أن تتدارك الموقف، فانعدام الماء مسألة خطيرة لها تداعياتها وتأثيراتها البالغة على صحة وحياة ساكني مدينة التهميش والمعاناة، فمن الطبيعي ــ بالنسبة لهذه المدينة طبعا ــ أن تماطل فى كثير من الضروريات كالتعليم، حيث أن ثانوية المقاطعة لم تشهد أي تنظيم لمسابقة الباكلوريا منذ سنين ــ رغم اكتظاظها بالطلاب المؤهلين للمسابقة ــ ناهيك عن النقص الكبير فى الطاقم التربوي الذى لايتجاوز فى أحسن الاحوال أربع إلى خمس من الأساتذة الذين يدرسون جميع المستويات وجميع التخصصات.

 

فأستاذ الفيزياء يدرس اللغة العربية وأستاذ الفلسفة يدرس التاريخ وربما العلوم الطبيعية، ومن الطبيعي كذلك أن تشهد المدينة عجزا تاما فى مجال الصحة إذ أن مدينة بحجم مقاطعة جكني  لا تتوفر إلى على نقطة صحية واحدة بوحداتها الضيقة وأجهزتها المتواضعة والمتهالكة وبطاقمها الذى يتمحور أساسا فى ممرض رئيسي واحد هو كل شيء  بالنسبة لهذه النقطة وروادها الذين تكتظ بهم الأشجار والمباني المحيطة، خصوصا فى فصل الخريف حيث تنتشر حمى الملاريا، ومن الطبيعي أيضا أن تستمر المماطلة بشأن مشروع طريق جكني ــ اعوينات أزبل الذى لم ير النور وربما لن يراه كمشاريع سبقته تدخل فى إطار حملة التسويف والاستخفاف التى تقاد ضد هؤلاء البسطاء المغلوبين على أمرهم، لكنه ليس من الطبيعي ولا من المعقول الاستمرار فى عملية القتل البطيئ التي يجسدها التفرج على مأساة العطش وهي التي لا تقبل التلكأ أو النكوص فى المواعيد، ورغم  الحاجة إلى ما سبق ذكره من مجالات حيوية وحساسة، فإن مشكل العطش يظل خطرا حقيقيا يتطلب إجراءات استعجالية وفى أسرع مايمكن حتى تخرج الساكنة من محنتها العصية، وهي التى سلطت عليها سيوف التجهيل والتعتيم والتغييب عن المشهد حتى لا يكون لأهلها وعي يسمح لهم بانتخاب من يوصل أصواتهم ويرفع معاناتهم داخل البرلمان على الأقل، وذلك أضعف الإيمان.

 

قد يقول قائل: نحن أبناء المقاطعة نعرف حالها.. والإمام تحت الشجرة .. والمؤذن فوقها.والبعرة تدل على البعير، لكن كل هذه المصطلحات لاتعنى أي شيئ بالنسبة لساكنة تحطمت أحلامها على صخرة العطش، فنحن أيضا أبناءها الذين لايهمنا الساسة ولا المتسيسون، بل نقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، لكن الحقيقة المرة ــ للأسف الشديد ــ هي ماسردناه ، وسنبقى ننادي ونصرخ . جكني فوق الجميع .. قضاياه لاتقبل التمييع .