موريتانيا.. مع الشناقيط و(وردي) والسفير الأزرق​

خميس, 28/07/2016 - 12:46
 بقلم/محمد عبدالقادر/صحيفة الراي العام السودانية

 لا أدري من أين استمد السودان كل هذا التأثير على أقصى الشمال الغربي في القارة الأفريقية، موريتانيا دولة تستحق أن تضرب لها (أكباد الطائرات)، وصلناها بعد رحلة طويلة استغرقت العشر ساعات ولكن وجدنا السودان هناك حاضرا وماثلا وفاعلا ومؤثرا، كثير من القواسم المشتركة بالطبع عززت هذه العلاقة القديمة الراسخة في وجدان الموريتانيين وهم يجزلون ودا خالصا للسودان ثقافة وحكومة وشعبا، قواسم الدين واللغة العربية والاعتزاز الشديد بالتراث العروبي، كلها عوامل عمقت من رباط المحبة بين الشعبين السوداني والموريتاني، وجعلت الزائر لهذه البلاد البعيدة لا يشعر بالغربة. في موريتانيا يكفي أن تقول إنك سوداني لتفتح كل الأبواب والقلوب.. وتقدير ودفء ينتظم علاقة البلدين وييقي على المحبة قائمة في علاقات الشعبين.

وجدنا أن الموريتانيين يحفظون للسودان جزيل صنائع الأجداد منذ أيام قوافل الحج، تشكلت صورة بلادنا بنقاء في الذاكرة الموريتانية، فخلد السودان ناصعا وهو في مخيلة الشناقيط منافحا عن الدين واللغة وميراث العروبة، نتمنى أن نظل بالتأكيد عند حسن ظن الشناقيط من أهل موريتانيا. مدينة شنقيط هي ثاني مدينة بعد العاصمة نواكشوط وأقدم مدينة تاريخية على الإطلاق في موريتانيا وقيل إنه فتحها عقبة بن نافع ويعتز بها الموريتانيون. حيث تبعد حوالي (400) كلم شمال نواكشوط..

حتى الاستثمار السوداني في موريتانيا يحظى بقبول كبير في أوساط أهل شنقيط، و(سوداتل) توظف بذكاء رباط الوجدان في قلوب الموريتانيين وتسمي شركتها هناك (شنقتيل)، (شنقتيل) الآن تمثل فخرا لكل سوداني وتعتبر أفضل مشغل اتصالات متحركة في منطقة شمال أفريقيا، وتحظى بنحو (800) ألف مشترك من مجموع ثلاثة ملايين نسمة هم عدد سكان الدولة.. أهدى الموريتانيون الليلة الثقافية الأولى للسودان من بين الدول العربية، كانت الأجواء دافئة بعبق (المامبو السوداني)، الليلة التي أقامها اتحاد الكتاب الموريتانيين انثال فيها شهد التاريخ لينسج رباطا حميما مع موريتانيا.. كانت الفنانة الطاهرة بنت النانا سفيرة النوايا الحسنة تتحدث عن السودان بحب واحترام وتقول إن السودانيين علموا والدتها العزف على آلة ( الكمان) بأم درمان، قبل أن تفاجئنا بالغناء لـ(سيد خليفة) (ازيكم كيفنكم والمامبو السوداني) ويطالبها الناس بإعادة رائعة الراحل وردي التي كتب كلماتها إسماعيل حسن ( لو بالصد أبيتيني ولو بالنار صليتيني أنا ما بنساك)، كان السلم الخماسي يقف قاسما بيننا إلى جانب المحبة والود والاحترام، المذهل أن الجمهور كان يردد غناءنا، بينما كنت أتمزق ألما وأنا فرحان من أهمالنا لهذه العلاقة والمحبة، وتمجيدنا لشعوب أشبعتنا هوانا..

في تلكم الليلة تحدث وزير الدولة بالخارجية الدكتور عبيد الله أحمد عبيدالله شعرا وهو يخاطب الناس في أرض المليون شاعر فنال استحسان الحاضرين، هل تصدقون أن هارون سائق السيارة الذي يرافقني أعاد مرارا الاستماع لرائعة كجراي (يخاصم يوم ويرجع يوم) بصوت عصام محمد نور وظل يسألني عن أصوات شابة في (أغاني وأغاني)، الموريتانيون يسألون كثيرا عن الشاعرة روضة الحاج التي أقسم أنها يمكن أن تنافس في أي انتخابات أو مسابقة يصوت لها أهل شنقيط..

(على كل) وجدت العذر للسفير عبدالله الأزرق وهو يوظف كل مخزون المحبة بين الشعبين السوداني والموريتاني في قصيدته التي أهداها لوزيرة الخارجية الموريتانية آنذاك (الناها بنت مكناس) والتي يقول مطلعها: حيّ الميامين من شنقيط والناها* قم حيّها بحبور حين تلقاها واحضن بها عبق التاريخ تحمله * من أرض شنقيط فيّاضا وموّاها وانثر لها الورد في الخرطوم إن لها * ربعا وأهلا هنا تاقوا للقياها وللورود هنا سفن وأشرعة * بحبّكم كان مجراها ومرساها.!