"توصية لمنتدى نواكشوط الرابع للمالية الإسلامية 29 يوليو 2016"

خميس, 28/07/2016 - 12:40
 الإمام ولد محمد محمود

المالية الإسلامية في موريتانيا ..... العوائق والتحديات؟

"توصية لمنتدى نواكشوط الرابع للمالية الإسلامية  29 يوليو 2016"

نبذة تاريخية:

شكل التلاحم الفكري بين سدنة الفكر الاسلامي من فقهاء واقتصاديين خلال مؤتمر مكة 1976 النواة الاسلاسية للاقتصاد الإسلامي، حيث أجمع المؤتمرون علي ضرورة الخروج من حالة الركود والتبعية الناجمة عن حقبة الاستعمار السوداء ومحاولة أيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها غالبية دول العالم الاسلامي وذالك أنطلاقا من تبني رؤية واضحة تقوم علي اسس متينة تراعي خصوصيات المجتمع الاسلامي في المعاملات وغيرها من الأمور الحياتية التي تلامس يوميات الإنسان المسلم.

ترتكز الرؤية المقدمة للاقتصاد الاسلامي علي مقاصد الشريعة في المعاملات وجعلها الاطار العام الذي يرتكز عليه هذا النظام الاقتصادي وفي هذا الاطار يقول الشيخ عبد الله بن بيه حفظه الله : ( إن مقاصد الشريعة في المعاملات المالية هي جزء من منظومة مقاصد الرسالة الخاتمة التي جاءت لصالح الخلق ودلت بمجملات الأدلة وتفاريقها على أنها أنزلت لمصلحة العباد في الدارين وتحصيل السعادتين).

وقد أثمرت النقاشات التي عرفها مؤتمر مكة وماتبعه من مؤتمرات وورشات أخري لاحقا حيث أفضت إلي ظهور بنوك اسلامية عصرية تواكب التطور والنمو الاقتصادي في العالم، إلا أن سنة 1981 كانت بمثابة القفزة النوعية للاقتصاد الاسلامي حيث ظهرت بنوك اسلامية في كل من البحرين الاردن السودان ايران وباكستان .

وعلي الرغم من الإنتقادات والمآخذ على هذه التجربة إلا أنها كانت تجربة رائدة إستمد قوتها وفاعليتها من خلال نظام إقتصادي محكم يقوم على أساس محاربة الربا والغرر والغمار وغيرها من التعاملات المالية التي تقوم علي عدم المساوات والمنفعة المشتركة بين المتعاملين.. هذا اضافة إلى خلف فرص متساوية للجميع كل حسب إستطاعته وقدرته.

لقد سبب الإقتصاد الربوي نتائج كارثية على إقتصادات الدول وأسهب في تفاقم الأزمات المالية والصدمات المتوالية للإقتصاد العالمي، كان آخر هذه الأزمات  الازمة المالية 2008 التى أربكت إقتصادات الكثير من الدول وأدت إلى إنهيار تام لبنوك عالمية فيما لجأت دول أخرى إلى سياسات وقائية وتعديلات في إسترايجيات المالية المتبعة، وما رفع شعارت " نريد تطبيق الطريقة الإسلامية في المعاملات المالية" الذي رفعه متظاهرو وول ستريت ذات مساء 18 أكتوبر 2011 إلا قليل من فيض.

 

موريتانيا والبنوك الإسلامية:

عرفت موريتانيا كغيرها من دول العالم الاسلامي اول تجربة للبنوك الاسلامية سنة 1985 من خلال بنك البركة الإسلامي وهو بنك يتبني التعاملات الاسلامية ورأس ماله مشترك بين مجموعة البركة الاستثمارية بنسبة 50% و خصوصيون بنسبة 40% والبنك المركزي بنسبة 10% وعلي الرغم من اهميته هذه التجربة الا انها لم تكن علي المستوي المطلوب سواء من حيث أداء البنك نفسه في التعريف بالمعاملات المقدمة للزبائن ومدي اهميتها والخصوصيات التي تميزها عن تعاملات البنوك الربوية. تطورت البنية البكية بشكل مطرد خلال الأعوام الماضية وشكل البنوك الإسلامية خيارا جديد أتاح فرصة للمستثمرين الذين يريدون الإستثمار بطريقة موافقة للشريعة الإسلامية ، حفز هذا التطور وزاد من وتيرته النجاحات الباهرة التى حققتها المالية الإسلامية في الدول الشقيقة كالبحرين ، والإمارات ، و قطر ، وماليزيا ، وباكستان ، وغيرها وكذالك على مستوى دول غير إسلامية وجدت في المالية الإسلامية فرصة لإستجلاب الإستثمارات وتحقيق الأرباح.

تجربة أول بنك إسلامي في موريتانيا:

كانت تجربة بنك البركة تجربة مهمة رغم ما أحاط بها من صعوبات وتحديات خاصة فيما يتعلق بالمنظومة البنكية وضعفها ومدى فاعليتها في  ما يتعلق بجلب الزبائن وتقديم القروض  و تحقيق منافع تسهم في جلب المواطن للإستفادة من الخدمة البنكية.

نسجل مجموعة النقاط التى طبعت تجربة أول بنك إسلامي في موريتانيا بناء على الخدمات التى كان يقدمها و مدى تفاعل الزبناء مع هذه الخدمات  وهي نقاط ساهمت بشكل مباشر في عدم تطور تجربة المالية الإسلامية في تلك الفترة:

عدم وجود بعد استراتيجي لتطوير تعاملات هذا البنك وملائمته من التغيرات والمستجدات في مجال التعاملات البنكية، فالمنظومة البنكية تحتاج دائما إلي سرعة في الاداء وتغيير في أساليب وتكتيكات التسويق بحيث تجعل من أهدافها الاستراتيجية زيادة الكفاءة وتطوير التعاملات. .

 

محدودية الخيارات المتاحة الزبون حيث ارتكزت تعاملات هذا المصرف علي تعاملات اسلامية محدودة مثل المرابحة والتورق.

 

كذالك من الاسباب الرئيسية التي ساهمت في عدم تطوير البنوك الاسلامية عدم تعاطي السلطات المختصة مع هذه التجربة خاصة البنك المركزي المسؤول الاول عن سن القوانين والنظم المعمول بها بين البنوك التجارية والبنك المركزي..

 

المستقبل والتحديات :

اليوم وفي خضم الأزمات الإقتصادية المتوالية تبرز البنوك الإسلامية كخيار إستراتيجي يستمد قوته من خلال تجارب ناجحة ومتميزة رغم العوائق التي تحيط بها وحداثة التجربة ، حتي بعض البنوك الغربية لجأت إلي فتح نوافذ للتعاملات الاسلامية.

تشهد موريتانيا في الفترة الأخيرة إقبالا متزايدا على التعاملات الإسلامية حيث لجأت بعض البنوك التجارية إلى فتح فروع إسلامية ، فيما قررت أخري التحول كليا الي النظام المصرفي الإسلامي ، علي الرغم من أهمية هذه الخطوات في تطوير وتنمية المالية الإسلامية في بلانا إلا أن هناك نقاط أساسية شكلت جزء الأكبر والأهم من تجارب ناجحة في بلدان - سبق ذكرها-  يجب علينا في مسيرة التحدي لتطوير وتنمية المالية الإسلامية في بلادنا أخذها في الإعتبار أثناء هذا التحول الذي تشهده منظومتنا البنكية وذالك من أجل تقوية وتعزيز هذا التحول من ضمن هذه الأساسيات نذكر :

العمل علي تطوير المنظومة البنكية بصفة عامة وجعلها في متناول الجميع ، وذالك من خلال ادخال تحسينيات اليها وتطوير أساليبها.

 

تغيير عقلية المواطن فيما يتعلق بالتعاملات البنكية وذالك من خلال حملات توعية وتعبئة شاملة سواء من خلال الاعلام او غيره من الوسائل المتوفرة ، حيث ذكرت المجموعة المهنية للبنوك الموريتانية في تقرير لها أن نسبة مستخدمي النظام البنكي في موريتانيا لا تتجاوز 13% وهي نسبة ضئيلة جدا بالمقارنة مع الدزل المجاورة.

خلق أكبر عدد ممكن من الادوات المالية الاسلامية لتلبية الاحتياجات المختلفة للمستثمرين و المقترضين علي حد سواء ، فمثلا خلال سنة 1983 الي 1992 كان تركيز في ماليزيا علي خلق اكبر عدد ممكن من ادوات التعامل الاسلامي وخلال نهاية هذه الفترة نجحت ماليزيا في توفير اكثر من 20 منتج إسلامي تغطي مختف مجالات الاقتصادية في البلاد.

 

وجود مؤسسات مالية بعدد كاف للمساهمة في تطوير النظام المصرفي الاسلامي

 

إنشاء مراكز للبحث وتطوير النظام المصرفي الاسلامي ، مكون باحثين من مختلف التخصصات العلمية والشرعية. هنا نذكر على سبيل المثال مركز المشور للدراسات  وهو تجربة رائدة في مجال البحث العلمي و التطوير المهني في مجال المالية الإسلامية ، تستحق  الدعم والتشجيع .

 

العمل على  تبني سياسة Islamic Microfinance   وهي تجربة  مميزة  ساهمت كثيرا  في مساعدة الطبقات الأكثر فقرا في بنغلاديس  وبعض الدول الأخري ، و هي  تعكس الجانب الإنساني والإجتماعي للبنوك الإسلامية كونها تختلف عن البنوك الربوية التي تهتم بالربح فقط.

 

الإشكالية بين الجانب النطري و الجانب التطبيقي:

من الإشكاليات المطروحة بشدة وتشكل تحد كبير للمالية الإسلامية ، هو الفجوة بين الجانب النظري والجانب التطبيقي ، هذه الإشكالية تبرز بشكل أكبر و أوضح أثناء التعاملات في السوق المالية  ، حسب البروفوسير السيد طاهر الأستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا فإن هناك مجهود أكبر يجب أن يعطي للجانب النظري حيث يشكل هذا الجانب العمود الفقري والأساس للبنوك الإسلامية وكلما كان هذا الأساس قوي ومتين ، كلما أنعكس ذالك على الجانب التطبيقي.  إن هذه الإشكالية تحتاج للكثير من الدراسة والتمحيص و البحث من طرف المتخصصين في المجال.

 

أخيرا ....

لقد ساهمت البنوك الاسلامية في تطوير أداء اقتصادات الكثير من الدول وشكلت ملاذا آمنا للكثيرين وبديلا مشجعا عن الاقتصاد الربوي فبنظرة سريعة علي الإحصاءات المقدمة عن البنوك الاسلامية ندرك حجم أهمية هذا النظام المصرفي وسرعة تطوره وإنتشاره فمثلا من 27 دولة فقط كانت توجد بها بنوك اسلامية 1977 تضاعف العدد ليصل الي 76 دولة 2011 ، في ما يتعلق في أدوات المالية الاسلامية إرتفع العدد 3 خيارات مالية سنة 1963 إلى أكثر من 100 خيار في الوقت الحالي،  حيث ساهمت كثرة هذه الخيارات في تطور أداء البنوك الإسلامية وجعلت الزبون والمستثمر أمام خيارات كثيرة تساعده على إختيار ما يراه مناسبا لظروفه وتطلعاته.

في تقرير لصندوق النقد الدولي لسنة 2013 أرجع خبراء الصندوق السبب في  ضعف مستوي الإقبال على المعاملات البنكية بين السكان إلى عوامل منها ضعف البنية البنكية وعدم إنتشارها بالشكل الكافي في المدن والولايات ، لكن الأهم حسب التقرير هو أن هناك عقيدة لدي غالبية الناس بحرمة التعامل مع البنوك الربوية.

تشكل هذه النقطة أهمية كبيرة للقائمين على البنوك الإسلامية و تعطي مؤشر جيد حول مستقبل هذه البنوك في موريتانيا ، لكن التحدى الأكبر هو هل نحن قادرون على تقديم خيار البنوك الإسلامية على الوجه الذي سيرضي المستثمر والزبون و يطور هذا الخيار ليكون هو الأمثل و الأفضل, ذلك هو التحدي الأهم .