فقه المؤازرة (وقفات تربوية مع الحدث التركي)

خميس, 21/07/2016 - 11:45
فقه المؤازرة (وقفات تربوية مع الحدث التركي)

د. أحمد عبدالقادر:

 أخرج ابن ماجه في سننه من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ :

جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ : أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلَّا قَضَيْتَنِي .فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا : وَيْحَكَ ! تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ ؟ قَالَ : إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلَّا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ " ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، فَقَالَ لَهَا : " إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ " ، فَقَالَتْ : نَعَمْ ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَأَقْرَضَتْهُ . فَقَضَى الْأَعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ ، فَقَالَ : أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ ، فَقَالَ : " أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ ، إِنَّهُ لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ" .

وقفات تربوية مع الحدث التركي.
1- مكانة الإمام العادل الصالح بين رعيته ومن لمسوا في فترته تقدما وخيرا وعدلا يجعل عند المساس به هبة الجموع للدفاع عنه ولا تقبل حتى سوء الأدب معه
2- لا يصل حب الناس للراعي إلا إذا نزل الراعي إليهم فعاملهم وتواضع معهم وعاش دون ترفع بينهم حتى وإن كان عاليا في خصيصة أو مميزا في هبة فذاك محض فضل الله عليه
3-" هلا مع صاحب الحق كنتم "تقرير لمبدأ التجرد لله أولا وإرساء لعلو الحق بينهم حتى وإن كان أحد طرفي الموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا هذه لضاعت حقوق الناس وما استحق هذا الجيل أو الشعب أن يسود
4-"إني أطلب حقي" يرتفع الصوت ويجهر بالكلام ويحتد الواحد في الطلب ويتلمسه في وضح النهار لأنه صاحب حق فلا يبالي، وغيره من أهل الباطل تجده يتحرك خفية ويتلمس الضعف عند الآخر ويأتي ليلا ليغتصب حقا ليس له أو ينتهب ريادة ودرجة لا يستطيع أن يصل إليها
5- يتلمس الإمام الصالح عند شدته ومحنته السداد والعون من رعيته والكل عنده سواء ذكورا كانوا أم إناثا وهو هنا لا يحمل غيره فوق طاقته فيصدر طلبه تأدبا ورضا بالنتيجة بقوله :"إن كان عندك "فتستجيب له على الفور دون روية مع الفداء بالغالي والنفيس وهذا من فرد واحد فكيف لو كان من كل الرعية
6-الاستقراض من الأعرابي يلقي بظلال يصعب تخيلها لماذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم مشاهير الصحابة عند العوز والحاجة ولجأ إلى هذا الأعرابي الذي حتى لا يعرف اسمه ولا مدى طول صحبته ألست معي أن هذا له معاني كثيرة منها " مدى قرب النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الإمام من الرعية في المعاملة الطبيعية والتى لا تعرف المجاملات أو الرسميات - وهو أيضا دليل المساواة للجميع عند الحبيب- وهو أيضا دليل أقرار منهج يقضي إبعاد الإمام عن ذوي القربى والصحب القريب من كرائم أموالهم لتظل العلاقة دون نزغ شيطاني أو سوء فهم فيغلق هذا الباب أو يضيقه- وهو أيضا توصيل رسالة للمجتمع قريبهم وبعيدهم بالنزاهة وعدم السطو على المال العام أو العيش الكريم والثراء الفاحشة على حساب الرعية" أعمل القريحة في ذلك محلقا في سماء العبر
7-" أوفيت أوفى الله لك " هذا هو اللغز والعملة النادرة في زماننا إمام لا يعرف لغة التطفيف بل يوفي الحق والعطاء حتى ينال من الخصم الدعاء، قلوب تتعامل مع الله ومع الرعية بما يجمع القلوب حوله مع اختلاف طباعهم وجبلتهم
8-"أولئك خيار الناس " هذا هو الأصل لا بارك الله في حاكم لا يمدح رعيته بما فيهم، أو يسرد ويتحدث عن نفسه بالإنجازات المحققه وينساهم، أو يعتبر وقفتهم معه أمر طبيعي لا يستوجب الشكر، لا تستطيع أن تسود وتعلو إلا إذا كنت خادمهم حقا وعند الخطاب تنطق بفضلهم صدقا، ولولاهم أيها الحاكم لما كنت
9-"لا قدست أمة...." كأني برسول الله صلى الله عليه وسلم يقرر للحكام أهم مبادئ العيش الرغيد ، ويدعو إلى رفع هامات الأمم وقداستها قادة وأتباعا بالنظرة الدائمة إلى الضعيف ونصرة المظلوم وإتيان الحق له، عندها فقط لا غيرها يعلو الذكر وتستحق المؤازرة والعون من الله والعباد والشعوب يوما ما " فمن لها يوم السبع"
10- "غير متعتع " لعل هذا هو سر النص النبوي الشريف الذي يعتبر ما سبقه نتيجة حتمية له وبدونه لا يتحقق شيء لن أتكلم عن معناها فالكلمات تعجز عن وصفها والمعايشة بجميع الوسائل أصل في إدراكها
لهذا نصرت واستحققت المؤازرة..
تلك عشرة كاملة