"تواصل" ماذا بعد الرئيس محمد جميل منصور؟

اثنين, 09/02/2015 - 16:36

قال صديقي: جميل هو سبب كل القرارات  المثيرة للجدل، التي اتخذ الحزب بأخرة، كالمشاركة في الانتخابات البلدية والتشريعية، مثلا، والمشاركة في الرئاسيات. 
قلت: كيف ذلك؟ هل تزعم أنه أرغم هيئات الحزب القيادية على قراراته، كما تفعل بعض أحزاب المعارضة، أم تجاوزها، كما يحصل في "حزب الحاكم"؟ 
قال: لا شيء من ذلك، فجميل قائد حداثي، ديمقراطي، ينتهج الإقناع وسيلة وحيدة.  وهو يلقي بكل وزنه  ليقنع هيئات الحزب برؤيته وصواب رأيه. 
قلت : إذن، هل نلومه أم نلوم الهيئات القيادية في الحزب؟ ولو أردنا الانصاف وتمكين الديمقراطية التشاورية في الحزب، وكان لا بد من عزل أحد، هل نعزله أم نعزل الذين من حوله، وهيئات قيادية لم تستطتع أن توازن كفته، فطار بها، وننتخب مكانهم آخرين قادرين على مجارات "بَسَطَات" جميل في العلم، والعقل، والذكاء والدهاء، وطول النفس، والمرونة، والتفويه..؟. 

قد تجنح إلى منطق عمري رائد في اختيار القائد، فتختار ألا تولي جميل كراهة حمل الناس على فضل عقله، كما فعل عمر مع قيس بن سعد بن عباد، رضي الله عنهما.  أو تعزله كما عزل خالد بن الوليد. كل ذلك جائز تصورا، لكنه غير وارد، لأن الرجل بدأ يعد حقائبه لمغادرة منصبه وتسليم "الشعلة" إلى خلفه، ولأن مسيرة الرجل ليست كلها انتصارات، كما كانت مسيرة القائد الفذ خالد بن الوليد، رضي الله عنه. 

وقد تتفاجأ من ثقتي التامة بأن جميل سيسلم "الراية" ، ويلتزم بتعهداته وقوانين حزبه، دون أن يعمد هو أو يعمد حزبه "تواصل "لتغيير نظامه الداخلي، بحيث يمكن لجميل أن يترشح لمأمورية ثالثة، في بلد توشك كل نخبه السياسية أن تغير أعلى مرجع تشريعي في البلد، الدستور، من أجل عيون الرئيس العزيز، وليس جميل بأقل من عزيز، على الأقل عند مناصريه. غير أنني أجزم أن الحزب إن تمسك بجميل فسيربح قائده، وهو، لعمري، مكسب ضخم، إلا أنه لن يغطي خسارته لثقة مناصريه، وطبع الثقة زجاجي، إن انكسر لا يقبل الجبر. ليبدأ الفصل ما قبل الأخير من مسيرة الحزب الصاعد. 

لا أعتقد الآن أن أفضل ما نختم به مسيرة الرجل الذي خدم الفكرة الإسلامية كل هذا العمر ، وسهر على مصالح الجزب كل هذه السنين، هو محاسبته حسابا عسيرا في أمور اجتهادية، من الصعب أن نتفق على معايير موحدة لتقييمها. إن التحدي الكبير ليس لجم جموح جميل منصور، بقدر ما هو النظر ومن الآن في من سيخلف جميل منصور، وأي معايير سنضعها لاختيار الذي أو الذين سيخلفون جميلا. 

إن الرجل من الحجم الوازن، وهو من المؤسسين للحزب، وللحركة الاسلامية في طورها الأخير، ومن الصعب أن يترك مكانه دون أن تحدث بلبلة، قد تفتح على الحزب، لا قدر الله، بلابل لا يمكننا أن نتحكم فيها إلا إذا استبقناها وبدأنا ننظر لها من الآن بشجاعة وتجرد وانحياز تام للمصلحة العامة. 
*** 
لقد كنت، طيلة السنوات الماضية، متشائما جدا بشأن من سيخلف جميل. قد يكون السبب هو غياب "ثقافة التناوب" التام عن فكري. فها أنا أوغل في عقدي الرابع دون أن أعيش تجربة تناوب حقيقية، في بلد عمر الديمقراطية فيه يقارب الثلاثين عاما!!.  وها أنا أعيش في بلد يراهن على الأشخاص أكثر من المؤسسات، وينمي الأفكار والأحزاب لهم. فهذا حزب جميل، وذاك حزب أحمد ولد دادّاه، وذياك حزب مسعود، وذا.. "حزب الحاكم!!". 
غير أني مع الزمن، علمت أنني كنت مخطئا، فرغم قناعتي التامة بجميل منصور القائد البشر، الذي يخطئ ويصيب، وقد استطاع أن يكسب ثقة نخبة من مجتمع قبلي بقدراته، ودون قاعدة شعبية قبلية داخل الحزب تسنده .  فأسلمت القيادة له وهي تجرجر أذيالها، حتى  قيل: لم تك تصلح إلا له، وكنت أقول: ولم يك يصلح إلا لها... رغم كل ذلك، أدركت أن قيادة جميل للحزب، ورغم فوائدها الباهرة، لم تخل من كدر وران، لا يمكن تجنبهما، ورغم أن العين لا تدركمها في غمرة حسنات الرجل، إلا أن الأيام والشهور والسنين، تصنع منها، رغم دقتهما وحجمهما التلكسكوبي، جسما كلسيا صلبا لا تخطئه العين، فسيلفت انتبهاهك بعد تشكله، لتقول: "انظروا.. هذا أثر قيادة الرجل للحزب !" والصحيح أن هذه الذي ترى هو مجرد "فضلات" قيادة الرجل للحزب، وإن من تشغله "الفضلات" على قلتها عن فضائل الرجل على كثرتها لهو شخص عديم القدرة على إدارك حقائق الأشياء.. 
قد لا تعجبك أمثلتي المجردة .وعندك كل الحق. لكن، أمازلت تذكر حواري مع صديقي الذي افتتحت به هذا الحديث؟ 

إن وجود هالة من الشخصيات والكوادر الحزبية الوازنة أصالة حول الرئيس جميل، نفقد تأثيرها كلما اقتربت من وهج جميل، فكأنها تنصهر وتذوب فيه، بحيث ينعدم أثرها في قرارات الحزب، مما يجعل الرئيس يبدوا دكتاتورا مطلقا حوله أتباع مستسلمين؛ هو مسألة صغيرة جدا جدا يمكننا أن نجعلها على قائمة تلك الأدران التي أشرنا إليها. 

ثم إن الحركة الاسلامية الوسطية،  تتبني الشمولية، والشمولية تعني التوازن في الاهتمامات.  والتوازن يعني أن اعتناء الحركة بالحزب السياسي سيكون مساويا لاهتمامها بالعمل الثقافي، والدعوة، والعمل الخيري، والرياضة..  إن كانت الحركة الإسلامية في موريتانيا تستطيع ادعاء التوازن قبل الترخيص للحزب، فإنها لا تستطيع أن تدعيه بعدالترخيص له، وإن كنت لا أنكر أداءها في المجالات الأخرى، وسأذكر "جمعية المستقبل" الرائدة مثالا غير حاصر، دون أن أنسى أن أمينها العام، الدكتور ولد سيِّدي فاز في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة. 

ليس محاكمة الحركة الإسلامية ووليدها "المدلل"، "حزب تواصل" هنا هو قصدي الأول ، إنما أردت الوصول إلى هذا الخلل في التوازن لأحدد أسبابه، ولأعرف هل لجميل منصور دور فيه. أعتقد أن سبب الخلل هو أن الحركة ألقت بثقلها وخيرة رجالها في كفة الحزب. أولا لأن السياسة تعطي بسرعة مالا يعطيه غيرها، وثنانيا لأن الحزب مرخص بخلاف الحركة، وثالثا لأن الجو العام، حين رخص للحزب، كان يبشر بمستقبل واعد للأحزاب الإسلامية في الدول المغاربية، وفي العالم العربي عموما... وقد نسينا أن السياسة إن أعطتك بسخاء أخذت منك بشح، وليس إغلاق جمعية المستقبل إلا دليل واحد على ذلك. 

إن تترس الحركة بكل أجنحتها خلف الحزب، يجعله يتحرك أبطأ من قطار "اسنيم" وهو يتمايل على سكته المهترئة يجر ثلاث كيلو ميترات من الفولاذ. بطء في الحركة واتساع في الرقعة يجعلان "الحزب" عرضة لظلم لحكومات تترصده، فلا يستطيع أي مناورة كما تفرض عليه السياسة. بخلاف لو كان حرا متخففا من أثقال ليست من صميم تخصصه!. 
كان وجود جميل منصور، وهو الرجل الوازن والنشط والمتفاني، في الحزب عاملا أساسيا لإضعاف الحركة وقوة الحزب على حسابها، مما سبب اختلالا بنيويا، جعل الفرع أقوى من الأصل. وهذه مسألة صغيرة جدا ودقيقة، مسؤولية الرجل فيها قليلة، أولا تستحق أن تذكر. لكن الأيام والشهور والسنون، لم تكف عن أن تشكل منها ذلك الجسم الكلسي. 

"الإصلاحيون الوسطيون.. ثم "حزب تواصل" لاحقا، قوالب سياسية، أسهم فيها جميل ورفاقه إسهامات عظيمة وحققوا نجاحات جسيمة، جعلت من الإسلاميين، ورغم ضعف تمثيلهم السياسي في غرفتي البرلمان والبلديات؛ قوة سياسية وازنة، يحسب لها ألف حساب على مستوى الأحزاب والصراع على السلطة، دون أن تكون لها قاعدة شعبية تفسر تلك القوة، فكان نشاط السيد جميل منصور ورفاقه تحليقا في السماء بطوليا، بدل أن يكون صعودا يقاس ويفسر بدرجات السلم.  ولذلك، عندما ركز صحفي قناة الجزيرة، علي الظفيري، على هذه النقطة، في مقابلته الخطيرة، مع جميل، لم يكن أداء ابن منصور على نفس المستوى الذي تعوده منه المشاهدون.  
هذا الخلل سببه أن جميل بين رؤساء الأحزاب أقوى بكثير من شعبية حزبه مقارنة بشعبيات الأحزاب الأخرى. 
وهذا الخلل سببه أن الرجل غامر في طلاب شرف مروم نحو النجوم، فوجد الطريق سالكة، ووجد مكانا بين نجوم السياسة متصدرا، غير أن توسع شعبيته السياسية، وهو الوزن والقوة السياسية الحقيقية، لم يكن بذاك. ولا أقول أن شعبية الحزب لم تتمدد. بلى، لقد تمددت.. تمددت تمددا رخوا، لا يتناسب  بحال مع وزن قيادته في الساحة السياسية. لقد حصل تحول في قواعد الثقل الانتخابي (التلي تشكلت في الانفتاح السياسي زمن المجلس العسكري) جعل الأحزاب الأخرى تفقد كثيرا من شعبيتها لصالح "حزب الحاكم" في حكم عزيز، فكانت محافظة حزب تواصل على حجمه الأول بادي الرأي نموا كبيرا. 

هذه النقطة  كسابقاتها، دور الرجل فيها ومسؤوليته عنها لا تستحق الذكر. 

كذلك، وجود رجل مفوه، قوي العارضة، سريع البديهة كجميل في حزب تواصل، ربما جعل الحزب يتجرأ على قرارات جريئة أو غريبة، اعتمادا على محاميه الناجح. 
ألم أقل لك أنها في مجملها أمور صغيرة، لا تستحق أي واحدة منها لوحدها أن تلفت انتباه أي أحد، إلا عاشقي تتبع العثرات؟ 
*** 
قد تظن أني خالفت إلى ما نهيت عنه في صدر المقال، وأنني ذهبت أبحث عن أخطاء مجهرية للرجل العظيم. حتى أنا، بدأت أشعر بذلك الشعور!. 
ليس القصد، يعلم الله. فليس غرضي من كل هذا الكلام، إلا النظر في خلل مسيرة الرجل، هل من فرجة يجب أن تسد؟، وهل من اعوجاج يجب أن يقوم؟ وإن نظرت إلى الخلف، فليس غرضي الأول مجرد تقليب صفحات هي الآن من التاريخ.. كلا!، إنما أرت أن أستشرف مستقبل هذه المسيرة المباركة من خلال تاريخها القريب، ما أمكن، وأن أثير حولها نقاشات تصيب في ما أخطأت أنا فيه. 
عندما نمعن النظر سوية في الملاحظات السابقة، إذا كنا متفقين حولها، سنجد أن أغلبها عائد "لعقلية الفريق"، بمعنى أن قادتنا المؤسسين يفكرون تقريبا بطريقة واحدة، وهم، ورغم تضحياتهم الجسيمة، ورغم روح التشاور والحماس منقطع النظير الذي يتحلون به، إلا أنهم، ككل جيل مؤسس استورد فكرة، فليس أمامه غير أخطائه ليتعلم منها، أو الاستفادة من تجارب مماثلة في بلدان مختلفة،  ومن الغالب أن "عقلية التأسيس" هذه، تظل تصاحبهم إلى الأبد، فيظل منطق الضرورة وفكر التأسيس هو المسيطر حتى وإن اكتمل البنيان وبلغ شأوه. 

أتذكر أن  تأطير حزب العدالة والتنمية المغربي الموالي لأمير المؤمنين، للحزب الاسلامي الموريتاني الوليد"تواصل أثمر مشاركة "تواصل" في الحكومة في عهد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، المطبعة، من جهة أخرى، مع العدو الإسرائيلي. 
بعد ذلك، صرح السيد جميل منصور مرارا أن "تواصل" أقرب لحزب العدالة والتنمية" التركي. الحزب العلماني بقيادات متدينة. وفي هذا ما فيه من استيراد المرض مع الدواء. 
بعد ذلك، ركب الحزب موجة الثورة. وقد كنا نسمع عن قاعدة جميلة التزمها الحزب قبل أن يشارك: "لن نقودها، ولن نغيب عنها". لم يلتزم بها الحزب طويلا، وسرعانا ما وجد زملاءه في الأحزاب الأخرى يتترسون به، ويقدمونه إلى المخاطر ويتقدمونه في المكاسب، وهم متخوفون من تجربة الإسلاميين في مصر وتونس مع "الثورة" ربما أكثر من خوفهم من "طغمة العسكر" الجاثمة منذ عقود على القلوب والجيوب. 

آن الأوان لأن يكون "حزب تواصل" حزب نفسه. أن يكون، وبشجاعة، الحزب الاسلامي الموريتاني. يراعي حاجة وخصوصية هذه البلاد، والتي لا تتوافق مع علمانية الأحزاب الإسلامية التركية والتونسية، والتي يفرضها واقع آخر هناك، هو، بحمد الله، معدوم هنا. ولا تستلزم "براغماتية" الأحزاب الاسلامية المغربية والجزائرية والكويتية. ولا حتى استنساخ الصدامية بين الحزب مع الأنظمة في مصر وسوريا. 
*** 
أتمنى من الله، وأرغب إلى الإخوة القادة المؤسسين في الحزب، أن يستمروا في مسيرة العطاء والتضحية التي بدأوا، وأن يتأخروا خطوة إلى الخلف، ويسلموا القيادة للجيل الثاني والثالث من شباب الحزب، ملتفتين إلى أجنحة الحركة الأخرى، فهي تحتاجهم أكثر من الحزب الذي وقف على سوقه. وتحتاجهم الدعوة إلى الله والمنابر الدعوية أكثر من المنابر السياسية. فالدعوة لن تجد من يغني غناءهم فيخلفهم عليها، بخلاف السياسة، خصوصا أن عطاء الدعوة متجدد، وواعد أبدا، وعطاء السياسة موسمي، وآني، وأن حصاد المنابر الدعوية سيعوض حصاد المنابر السياسية وليس العكس. 
إن تمدد السياسة بطبعه عمودي، والتمدد العمودي محصور، ومن السهل أن يحاصر، ويقتلع من جذوره. بخلاف تمدد الدعوة الأفقي، المتغلغل في جسد الشعب. فلا يمكن اقتلاعه إلا باقتلاع الشعوب. وهيهات!. 
وإن تجربة تركيا اليوم الناجحة مع حكومة أردوغان، لايجب، بل، لا يقبل، أن تنسينا تجربتها المؤلمة السابقة، مع حكمومة مندريس، رحمه الله. 

طوال العقدين المنصرمين كان مؤشر الحركات الاسلامية في تصاعد، بلغ أوجه بثورة البلدان العربية، لتبدأ مسيرة الانكماش والهبوط. والعاقل من تعامل مع النزول بحنكة وحكمة، فإن الصعود موجة عاتية، كالحظ، تحمل الذكي والبليد، بخلاف النزول. فكم من بليد اندق عنقه حين أهمل الأخذ بالحيطة وإجراءات السلامة. 

لقد كبرت الأجيال، وحان الحصاد. الطلاب تخرجوا، والمتخرجون توظفوا، والموظفون تزوجوا، والمتزوجون أنجبوا.. إننا في سنوات 2015 و2014 نواجه نفس التحديات التي واجهتها الحركة الإسلامية سنة 1993 و1994. ومن الرائع أن يضع الجيل الذي خرج من تلك الأزمة قبل عشرين سنة، خطة لتفادي أزمة أخرى مماثلة قد تواجهه اليوم. 

إن حماس ابن العشرين للتضحية يختلف عن حماس ابن الثلاثين والأربعين. وليس من مصلحة أحد أن ننتظر انقضاض لبنات السور من تلقاء نفسها، واحدة تلو الأخرى، على طريقة "لبنة" إلياء أبي ماضي، في قصيدة المدينة البيضاء. 

خير للجميع أن نربط الرجال بتكليف السياسة وتشريفها، ونشغلهم بالعمل الشاق والمرهق وبريق السياسة الأخاذ، قبل أن تفتح لهم المغيريات أبوابها.