قف شامخاً فهذا الشعب معك

سبت, 16/07/2016 - 10:21
د. خالد التوزاني/هسبريس

لا شك أن الشعوب عندما تعشق حكّامها فإنها تصنع المعجزات، وخاصة في فترات المحن والأزمات، فعندما تقع الانقلابات وتأتي قلّة من العسكر لتستولي على الحُكم عنوة، هنا يتدخل الشعب ويقرر النزول للشوارع لدحر الانقلاب ورفض التمرد على الشرعية، إن حب الشعب للحاكم، مصدره ما يغدقه هذا الأخير على شعبه من حب وتقدير، وبذل وعطاء، وخدمةٍ لمصالحه ومستقبل أبنائه وضمان عيشه الكريم.

وهكذا، شاهدنا شعب تركيا مساء الجمعة/ليلة السبت 16 يوليوز 2016 ينزل بالآلاف إلى شوارع مدن تركيا متحديا حظر التجوال، لا لشيء إلا استجابة لنداء الرئيس الشرعي للبلاد، ومن أجل مساندته في المحنة، وطرد الانقلابيين، وإعادة الشرعية لحاكمهم الذي أحبوه من الأعماق، وإلا لما خرجوا بالآلاف للشوارع مخاطرين بأرواحهم ونفوسهم، وليدخلوا في مواجهات غير محسوبة العواقب مع قوات الانقلاب، إن شعبا يعشق حاكمه، لا يملك إلا أن يضحي بالغالي والنفيس في سبيل حمايته والدفاع عنه والوقوف بجانبه، في أحلك الظروف وأصعب اللحظات، وهذا قمة الوطنية والتشبث بالشرعية.

إنها دروس وعبر ما أحوج البلاد العربية وخاصة الشباب لتمثلها والاقتداء بها، دفعا لكل الأخطار المحتملة والتي تهدد أوطانهم، وخاصة في ظل تنامي التهديدات الخارجية التي تريد زعزعة استقرار بعض الشعوب، ومن ثم فإن صمام أمان الأمم هو شعب محب وغيور على ثوابته ومقدساته، وعلى رأسها الحاكم الشرعي، فإن الفتن عندما تهيمن على أرض ما، فهي تأتي على الأخضر واليابس وتحصد النفوس والأرواح، وتزرع الرعب والشتات، وتهدم الدين والأخلاق، فلا صوت يعلو إلا صوت الرصاص والقتل، وفي ذلك هدم لبنيان الله، وهو الإنسان، ولذلك كان حب الأوطان من كمال الإيمان، ولا شك أن الحاكم العادل جزء من الوطن ينبغي أن يُحمى ويدافع عنه، وأن يفديه الشعب المحب بكل ما أوتي من قوة، فما صنعه الشعب التركي بخروجه نصرةً للحاكم الشرعي، دليل على وعي حضاري وإنساني عميق عند هذا الشعب العريق.

ولا شك أن هذا المقام الرفيع من الوطنية لم يبلغه إلا شعبٌ محب وواع وأصيل يدرك جيدا أن الديمقراطية تقتضي التضحية وأن الشرعية تقتضي الاستماتة في الدفاع عنها، وأن الحاكم عندما يتم اختياره والتعاهد معه فإن ذلك ميثاق غليظ وعهد وثيق يقتضي الوفاء به من كلا الجانبين: الحاكم يبذل الجهد في إسعاد الشعب، والشعب يبذل النفس في الدفاع عن حاكمه، وهذا الالتحام بين الشعب وحاكمه: هو مَنْ يصنع المعجزات، ويجعل البلد في ثبات موحدا وقويا لا يمكن اختراقه أو زعزعة استقراره أو بث الفوضى والفتنة في آفاقه، إنها الشعوب عندما تعشق حاكمها، لا تتخلى عنه أبدا.

وهكذا أعطى الشعب التركي لكل شعوب العالم دروسا في الوفاء والصدق والأمانة وروح المسؤولية والشهامة، فعندما بلغه خبر الانقلاب العسكري، لم يلبث في بيته جبانا خائفا مستسلما، أو فرحا مسرورا شامتا، ولم يخرج للنهب والعتو في الأرض فسادا ونهبا و"بلطجة"، وإنما خرج مرددا بصوت واحد في كل الساحات مخاطبا رئيسه الشرعي: "قف شامخا فهذا الشعب معك"، بل خرج الشعب بسياراته وطوّق العسكر المنقلبين، وبرهن على مدى وعيه وصدق محبته لرئيسه، فأدهش سلوكه كل القوى التي تتربص بتركيا الدوائر وتنتظر هزيمتها لتنقض على ثرواتها وتقوض حضارتها.

يصعب منع الانقلابات العسكرية نظرا لبعض الخيانات، ولكن لا يصعب منع الشعب من الخروج نصرةً للحاكم الشرعي، فأعداد الشعب عادة تكون بالملايين، وخروجها بكثافة يربك حسابات المنقلبين على الشرعية، وسرعان ما يعيد الشعب الأمور لطبيعتها الأولى، ويرجع الحاكم لمنصبه مرفوع الرأس، فخورا بشعبه الوفي.

إن ما حدث في تركيا مساء الجمعة/ليلة السبت 16 يوليوز2016، يؤكد قيمة التزام الشعوب بحماية ثوابتها وصيانة مقدساتها، ودور المواطنة الحقة في ترسيخ الأمن والحفاظ على وحدة الأمة التي تلتف حول رئيسها المحبوب والذي اختارته عن قناعة ورضيت به راعيا لمصالحها، وهكذا لا بد من أخذ الدروس والعبر من هذا الحدث الاستثنائي في تاريخ الشعوب والأمم المتحضرة المعاصرة، وفيما يلي نماذج من الوفاء بين الشعب والملك في ربوع مملكتنا المغربية الشريفة تأكيدا على قيم الالتحام بالعرش العلوي المجيد وترسيخا للمعاني الحقة للوطنية الصادقة التي تطبع الشعب المغربي في صلته بملوكه وسلاطينه:

عرف المجتمع المغربي تحولات كثيرة، منذ حصوله على اعتراف فرنسا باستقلاله سنة 1956، بعد أربع وأربعين سنة من الحماية والتدخل في شؤونه، كان أولها ذلك الحماس الشعبي الذي رافق رجوع الملك محمد الخامس –طيب الله ثراه- في السادس عشر نوفمبر من عام 1955، والحصول على الاستقلال، لتتوج هذه الفرحة ببناء طريق الوحدة الرابطة بين شمال المغرب ووسطه، شارك فيه آلاف الشباب المغاربة تحت قيادة المغفور له الحسن الثاني وقد كان وليا للعهد آنذاك، ليتم بهذا الحدث البارز إحياء قيم العمل الجماعي والتطوعي وإعادة الاعتبار لسواعد الشباب وهمم الرجال الأقوياء الذين حفروا الصخر في الجبال وشقوا طريقا وعرا بفضل الالتحام بين الملك والشعب يدا في يد لبناء مغرب جديد.

وهنا لا بد من تسجيل ملاحظتين: الأولى مفادها أن الحُكم في المغرب هو امتداد لتاريخ الدولة المغربية التي تأسست على يد المولى إدريس بناءً على قيم قوامها الشرف والولاية والعلم والصلاح، واستمر توارث هذه القيم عند الملوك المغاربة الذين تعاقبوا على حُكم المغرب، وأما الملاحظة الثانية فتتعلّق بكون سلاطين المغرب كانوا أشد حرصا على تأمين العيش الكريم لكل المغاربة، ومن ثم شكّل التحام الشعب بالملك قيمة عليا وثابتا من ثوابت الهوية المغربية.

زاد وهج قيمة الارتباط بالعرش والالتحام بالملك منذ اعتلاء الملك محمد السادس نصره الله لعرش أسلافه المنعمين سنة 1999، لتتجدد هذه القيمة ويظهر أثرها في المبادرات الملكية والإنجازات الكبيرة التي عرفها المغرب في عهده، والتي لم تزد الملك إلا التحاما بهموم الشعب وإصرارا على تحقيق الرخاء الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة المغربية وتنمية الموارد البشرية وإعلاء شأن المواطن المغربي داخل المغرب وخارجه، وهي قيم تم إحياؤها وتجديدها لتكون صمام أمان لمجد الوطن ووحدته.

لم تكن الوحدة الفكرية والدينية للمغاربة لتتحقق في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم من انقسامات وتفرقة وحروب وصراعات داخلية في كثير من بلدان الجوار، كما لم يكن المغرب في مأمن من فِتن هذا الزمان لولا تلك القيم التي راهن المغرب على إحيائها وترسيخها وتجديدها باستمرار، لتُشكّل ثوابت صلبة للهوية الوطنية لا يزيغ عنها إلا هالك، هذه الهوية التي قامت على مبادئ راسخة تتمثل في العقيدة الأشعرية والفقه المالكي وتصوف الإمام الجنيد، وتضاف إليها إمارة المؤمنين باعتبارها من ترعى هذه الهوية وتعمل على صيانتها وضمان استمراريتها، حيث يظهر بوضوح حرص مؤسسة إمارة المؤمنين في المغرب، على تعزيز ثوابت الهوية المغربية وحمايتها من كل انحراف أو تشويه، من خلال إحياء جملة من القيم مثل الوحدة والتضامن والإخاء والتعايش والتسامح والتشبث بالجذور مع الانفتاح على العصر والاقتراب من الآخر ومد جسور التعاون معه وقبول الاختلاف والتركيز على المشترك الإنساني، وذلك في حدود الاحترام التام للخصوصيات المحلية، مما مكّن المغرب من أن يتبوأ مكانة مرموقة بين الدول في مجال التعايش الإنساني والسلم الاجتماعي والأمن الروحي والرخاء الاقتصادي.

ولعل ما يجعل الشباب المغربي اليوم أكثر تفاؤلا وأملا في المستقبل هو حرص جلالة الملك محمد السادس نصره الله على المضي قدما في اتجاه الإصلاح العام لشؤون المملكة المغربية، ولذلك أصبحنا نرى توجها جديدا في الخطب الملكية السامية يسير نحو تنوير الرأي العام الوطني بضرورة الحفاظ على ثوابت الأمة المغربية التي شكّلت دائما مصدر قوة المغرب ووحدته وعامل ثبات ورسوخٍ لمبدأ الالتحام بالعرش والوطن والدين شعبا وملكا في عشق أبدي يؤكد محبة المغاربة لبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يعد أمير المؤمنين- حفظه الله ونصره- امتدادا له واستمرارا لوجوده وبقائه.

إن قيم الولاء للدين والوطن والملك في المغرب تعتبر من ثوابت الهوية المغربية الأصيلة، ومقوما راسخا من مقومات وحدة المجتمع المغربي، والتي أصبح أثرها واضحا اليوم في الشباب المغربي، حيث يرتفع الحس الوطني والذي يتجلى في حب الملك والتعبير عن ذلك من خلال عدة مواقع وصفحات على النت، والتهافت على تقبيل يده الشريفة، وتتبع تحركاته المباركة وزياراته الميمونة لكل ربوع الوطن شمالا وجنوبا شرقا وغربا، بل وخارج الوطن أحيانا عندما تلتف حوله نساء ورجال مغاربة يعبرون عن محبتهم الصادقة لجلالته والدعاء له بالحفظ والتمكين والتأييد، ويكون التعبير عن هذه المحبة عادة بشكل عفوي وحماسي يؤكد صدق المشاعر ونبوعها من القلب، وواضح أن مظاهر حب المغاربة لملكهم متعددة، ومنها أن بيوت المغاربة تتضمن صور جلالته في تعبير راقٍ عن مدى تعلقهم بملكهم المحبوب واستعدادهم للتضحية في سبيله، ولاشك أن هذه المعاني السامية للوطنية الحقة، كانت دائما صمام أمان وعامل تحقيق التوازن والاستقرار في مغرب موحد وقوي يلتحم فيه الملك بالشعب، ونستحضر في هذا الصدد كلام المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، حين قال: "نريد مغربنا في أخلاقه وفي تصرفاته جسدا واحدا موحّدا، تجمعه اللغة والدين ووحدة المذهب، فديننا القرآن والإسلام، ولغتنا لغة القرآن، ومذهبنا مذهب الإمام مالك، ولم يُقدِم أجدادنا رحمة الله عليهم على التشبُّث بمذهب واحد عبثًا أو رغبة في انتحال المذهب المالكي، بل اعتبروا أن وحدة المذهب كذلك من مكونات وحدة الأسرة".

وهكذا، فالشعوب عندما تعشق حكامها فهي تصنع المعجزات، وتخرج للساحات ملبية نداء الالتحام بالحاكم المحبوب، رافعة شعار: قف شامخا فهذا الشعب معك. ومن كان معه الشعب واقفا، فلن يخيب ولن تقهره قوة دنيوية خائنة، ولذلك لم يكن غريبا أن يخرج الشعب التركي ليلة الانقلاب على حاكمهم الشرعي، لأن ذلك الشعب –ببساطة- يعشق حاكمه ويدرك أن سلامته وأمنه تكمن في وجوده وأن مستقبلهم سيكون رائعا في حياة مَنْ ارتفعت أصواتهم مدافعةً عنه، إنها بالتأكيد قيم المواطنة الحقة التي تؤكدها معاني الالتحام والالتفاف حول المشروعية والوفاء بالعهود واحترام المقدسات والثوابت الوطنية. وفي بلدنا المغرب نفخر بالمغاربة الذين كانوا دائما في مستوى راق من الوطنية وحب الدين والملك، ولا يترددون في كل مناسبة من الإعلان صراحة عن عشق ملكهم المحبوب، ولسان حالهم يردد:

الحبُّ والإخلاصُ ملءُ فؤادِنا   لأميرنا ومليكنا المحبُــــــــــــــوب

إخلاصُنا للعرش شيءٌ واجبٌ

سبحانَ من وضع البلاد بكَفِّهِ هذا قضاء الواجب المطلـــــوب

وأحاطَـــــــــــهُ مــــن أهلـــــها بقُلُــوب

فأصار منه الجسمَ قلبا نابضا

ملكٌ تربَّعَ فـــــــوق عرش قلوبنا  وقلوبُنا كالجِسْمِ في التحجيبِ

قبل العُروجِ لعَرشِهِ المنصُـــــوب

حيث يعبِّر المغاربة عن تعلقهم بأهداب العرش العلوي المجيد، والإخلاص في حب أمير البلاد الملك المحبوب الذي تربع فوق عرش قلوب المغاربة قبل أن يجلس على كرسي الملك، وهو منتهى الالتحام الوجداني والعاطفي بين ملك وشعبه، حيث المحبة المتبادلة والإخلاص المشترك، قيل في مدحه- نصره الله وأيده-:

يُبادلك الإخلاص شعبك والهوى   ومن يَهْوَ لا يُخفي وليس بِجَاحِدِ

وهي علاقة محبة لا تفنى ومودة لا تبلى بين شعب محب وملك محبوب، إن هذه المحبة المتبادلة بين الملك والشعب هي صمام أمان وطننا الغالي، حفظ الله بلدنا الغالي من كل فتنة، وحفظ الله ملكنا المحبوب أمير المؤمنين محمدا السادس بما حفظ به الذكر الحكيم ونصره وأيده بتوفيقه ومدده.