الرسول وصناعة الأمل

سبت, 09/07/2016 - 18:46

بقلم: د.فتحي أبو الورد

كان القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم صانعا للأمل فى أشد اللحظات التى مرت بالمسلمين، وكان يخرج من حوله من حالة الضعف والهزيمة إلى آفاق القوة والنصر والثقة فى المستقبل، حتى لا يستسلموا لما هم فيه، أو يلتفتوا إلى الوراء، أو يبكوا على اللبن المسكوب، وحتى لا تنال المواقف من عزائمهم، أو تقعدهم عن العمل والاستعداد لما هو آتٍ.

وسيرته صلى الله عليه وسلم تحدثنا أنه حين عاد جيش المسلمين منهزما من غزوة مؤته، فاقدا لثلاثة من كبار قادته، فقابلهم الصبيان والناس، يحثون عليهم التراب، ويقولون: يا فرار، فررتم فى سبيل الله، وكان أفراد الجيش فى حالة نفسية سيئة تتجرع مرارة الهزيمة، والتراجع أمام جيش الروم، حتى آثر بعضهم -فيما بعد- المكث فى البيت، وعدم الخروج للصلاة، لم يستسلم القائد الأعظم لواقع الهزيمة الذى فت فى عضد أصحابه، ونال من معنوياتهم، وعمل على ألا يتسرب معنى الانكسار إلى نفوسهم، وعمد إلى الخروج من الحالة النفسية الراهنة للصحابة التى سيطر عليها الغم والحزن والانكسار وهى الحالة المعبر عنها "بالفرار" إلى حالة بعث الأمل والانتصار والقوة المعبر عنها: "بالكرار"، فقال: ((ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى)).

وحين شكا الصحابة للرسول الكريم واقعهم الأليم، وهوانهم على الناس، ونيل كفار قريش منهم، وتعرضهم للأذى والتعذيب كما جاء عند البخاري أن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا!! فأبان لهم النبى طبيعة الطريق، ومسار أصحاب الرسالات فى قوله: ((قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه))، ولم يقف الأمر عند توضيح معالم الطريق أو سمات المرحلة التى يعيشونها، بل بشر بإتمام الأمر، وتغير الحال، واستتباب الأمن، وتمكين الله لهذا الدين: ((والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه))، ثم نبه إلى العجلة التى جبل أكثرنا عليها، فتجعل أحدنا تواقا لرؤية مصارع الظالمين، ورؤية النصر المبين، فى يوم وليلة، بقوله: ((ولكنكم قوم تستعجلون)).

وفى طريق الهجرة وهو طريد ملاحق، يقول لمطارده سراقة، وهو موقن بعدالة السماء، والوعد الحق: ((كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟)).

وفى غزوة الخندق حين تجمعت الأحزاب من كل حدب وصوب فى أكبر خطوة استئصالية آنذاك، هدفت إلى اجتثاث شأفة الدعوة الوليدة ودعاتها، فلجأ المسلمون الجياع المكروبون لتوقى شر هذه الجموع المتكاثرة إلى حفر الخندق، يلوذون بحصن الله المنيع، فتعترضهم صخرة عظيمة لا تنال منها المعاول، فشكوا لرسول الله، فبدد المخاوف أمنا، وأحال الفزع اطمئنانا وسكينة، وبشر بما تتوق إليه النفوس، وما تشرئب له الأعناق، وهو فتح فارس والروم واليمن، وتحول المشهد فى نفوس الصحابة أملا وسعيا، حين أخذ النبى المعول فقال: "بسم الله " فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا". ثم قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا" ثم قال: "بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" رواه أحمد.

وكان صلى الله عليه وسلم دائم الفأل محبا لكل ما من شأنه أن يبعث على الأمل، ويكره كل ما من من شأنه أن يدعو إلى التشاؤم أو الإحباط أو إشاعة اليأس، كما قال أبو هريرة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، ويكره الطيرة"، وكان من هديه تغيير الأسماء التى يلمح منها الضعف أو الحزن أو الخمول أو التراجع فسمى المضطجع المنبعث، وغير اسم حزن، وجعله سهلا، وندب جماعة إلى حلب شاة، فقام رجل يحلبها، فقال: "ما اسمك؟" قال: مرة فقال: "اجلس"، فقام آخر، فقال: "ما اسمك؟ " فقال: يعيش، فقال: "احلبها "، وقد ترك النبى البشارة الكبرى لأمته لتبعث فيهم الأمل المتجدد، وتقودهم إلى العمل المستمر كما روى أحمد فى مسنده أن تميما الداري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر)).

ومهمة ورثة النبى والموجهين والمربين من بعده فى كل زمان ومكان خاصة فى وقت الأزمات والمحن أن يبثوا الأمل، ويدفعوا إلى العمل، ويسدوا الخلل، ويبشروا بالفرج، ويذكروا بسنن الله فى كونه، والتى منها : أن دوام الحال من المحال، وأن مع العسر يسرا، وأن الأيام دول، وأن الحق منتصر، وأن المحن تصهر معادن الناس، وأن الشهادة اصطفاء، وأن السجن اختبار وابتلاء، وأن الهجرة فى سبيل الله ممتدة، وأن انتظار الفرج عبادة، وأن الصبر والثبات من أخلاقيات جيل النصر المنشود، وأن بعد الاستضعاف المن والتمكين {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5، 6].

ولولا الأمل لما كان الصبر فى المحن، كما قال الشاعر:

إِنَّ للآمالِ في أنفســــــــِنا *** لـــذةً تنعشُ منــها ما ذَبــــــلْ
لذةٌ يحلو بها الصبرُ على*** غَمَراتِ العيشِ والخَطْبِ الجللْ

وقد اقتدى أصحاب الرسالات برسول الله صلى الله عليه وسلم فى صناعة الأمل وبعثه فى حياة الأمة، فكتب الأستاذ سيد قطب المستقبل لهذا الدين، وكتب الشيخ الغزالى مستقبل الإسلام، وكتب الشيخ القرضاوى المبشرات بانتصار الإسلام.

وتاريخ الإسلام عبر دوراته ينبئنا أن الإسلام لا يقضى عليه ولا ينتهى أمره ولا يستأصل أهله، ولكن يمكن أن يمر بحالة ضعف لضعف حملته، أو ركود مؤقت، أو إجهاد عارض، أو تغييب بعض الوقت لكنه سرعان ما يسترد عافيته ويستعيد قوته، ويستأنف نشاطه، ويجدد دماءه، ثم يعود بقوة إلى حلبة الصراع ليهزم من تعملقوا فى غيابه، ويصرع من استأسدوا أثناء ركوده.

والتاريخ يحدثنا بوضوح عن انكسار شوكة الصليبيين فى حطين بعد أن ظنوا أن العالم الإسلامى سقط إلى الأبد، ويحدثنا عن هزيمة التتار فى عين جالوت القوة التى قيل وقتها: إنها ﻻ تقهر، بل أكثر من ذلك كان الانتصار الأكبر فى ميدان الأخلاق والاعتقاد حين اعتنق كثير من التتار الإسلام، وعادوا إلى بلادهم دعاة إلى الدين الذى حاربوا أهله ودخل الغالب فى دين المغلوب ونحن على أمل فى تحقق بشارة الرسول بفتح رومية، وهزيمة الصهاينة، وعودة الخلافة ووحدة المسلمين، ولكن يبقى اليقين والعمل لتحقيق ذلك، وإنه لكائن إن شاء الله.