الأمة تترنح بين الطغاة والغلاة

خميس, 30/06/2016 - 10:02
الشيخ سيد محمد حيلاجي

منذ ذبح الغوغاء الخليفةَ الراشدَ عثمان ابن عفان رضي الله عنه ، بدأت الهزاتُ والثورات والفتن الكبرى تفتك بالأمة ، وظل مسار الأمة السياسي يترنح بين مغالٍ في دعوته ومذهبه ، ومتسلطٍ ممسك بالأمر بالقوة في تناظرٍ وتقابل مستمر كلما ضعف هذا قوي ذاك :(فهذا معاوية ابن يزيد يستقيل من الخلافة ورعا ،يقابله عبد الملك الذي سل سيف الحجاج ابن يوسف على الأمة لتخضع بالقوة ) ، والأمثلة اليوم لاتعوزنا بين الطغاة والغلاة (بشار والسيسي ،وداعش وأخواتها) ، فهل التاريخ يعيد نفسه ؟ أم أن الأمة الإسلامية تكرر أخطاءها السياسية ؟ولماذا لانستفيد من أخطائنا ، ونتجاوز مرحلة الفتن والثورات الى مرحلة ادارة الخلافات كما هي حال الأمم الأخرى ؟؟؟
**لو تأملنا تاريخ الأمة الإسلامية باستثناء الفترة الراشدة ، وفترات قليلة تصحوا فيها الأمة من حين لآخر (عمر بن عبد العزيز وفترات نادرة عباسية وايوبية ....) لوجدنا الأمة والعقل العربي الإسلامي كما وصفه المفكر الإسلامي راشد الغنوشي(ظل قرونا طويلة مترنحا بين سكرةٍ نواسيةٍ وشطحةٍ حلاجية ٍفإذا أفاق منها باغتته بطشةٌ حجاجية ٌ).
*فما نشاهده اليوم في الشام والعراق واليمن من قتلٍ ،وذبحٍ ،وحروبٍ وفتن ،طائفية ،وقتل المسلم لأخيه المسلم بدم بارد(لايدري القاتل لمَ قُتل ،ولايدري المقتول فيمَ قتل؟) هو امتداد لهذا التقابل بين الطغاة والغلاة (بين بشارالسيسي صالح المالكي من جهة ، وبين القاعدة وداعش من جهة أخرى) وكلاهما نتيجة وسبب للآخر في نفس الوقت ، ويتغذى على وجود خصمه ، ولكل منهما من يبررله نهجه باسم الإسلام ، والإسلام منه براء.
*هذا النهج هو امتداد لتاريخ طويل من الأخطاء السياسية البنيوية المتكررة والتي تراكمت وتوطدت عبر العصور، وظل كل طرف يلجأ اى الدين مبررا تصرفاته ، فضاعت الحقوق والمصالح والأنفس والأعراض في خضم صراع القوة والقيم،والتبس الحق بالباطل،(فمن مقتل عثمان،ووقعة الجمل وصفين، ووقعة الحرة ، وهدم الحرم بالمنجنيق ، ومقتل الحسين ،وثورة الزنج والقرامطة الذين هدموا الكعبة وقتلوا الحجيج يوم التروية واقتلعوا الحجر الأسود من البيت العتيق وأخفوه لمدة عشرين سنة قبل أن يعود الى الحرم ، وتشريد الأمويين على يد الرايات السود العباسية القادمة من خراسان ،وافتراش الأمويين مقيدين تحت النطوع والدعوة الى الأكل فوق أنينهم مع الغناء(يوم كيوم كربلاء ولاسواء).
*هذه الأحداث التي بدأت في القرن الأول الهجري ، واستمرت في مد وجزرحتى القرن 15الهجري الحالي تؤكد أن الأمة ظلت ممزقة عبر تاريخها بين طغاة حاكمين بالحديد والنار، وغلاة ثائرين على الظلم والفساد مع غياب الحكمة عن الطرفين، فيشْحَنُ الغلاةُ العامة فتثور،ويبطش بها الطغاة فتحنق وتموج ،وتظل الأمة تدورفي حلقة مفرغة نادرة الهدوء. لا أنكر وجود حلاات من الازدهار الثقافي والعلمي واقامة العدل داخل هذه اللوحة التاريخية القاتمه لكنها ضاعت في غياهب الفتن والثورات!!!!
*اليوم تكاد الهوية العربية الإسلامية أن تضيع بين الغلو والاستبداد ، أوما سماه الأستاذ جميل منصور(ثالوث الطغاة والغلاة والغزاة).
*نحن اليوم لم نعد نتحدث عن النهضة والتقدم والولوج الى الرقي العلمي والتكنلوجي والحضاري ومسايرة الأمم المتقدمة ، وانما نبحث عن البقاء ، عن انقاذ ما يمكن انقاذه،عن المحافظة على حياة الأفراد ، فالكيانات ضاعت ، وضاعت الهوية، وأصبح الكثيرون مع الأسف يخجلون من الإنتماء الى الأمة العربية الإسلامية (فقد رجعنا الى حروب داحس والغبراء،والأخذ بالثارات)، كل هذا بسبب الاختلالات البنيوية والأخطاء السياسية والاجتماعية والفكرية التي ظلت تجد من المعممين من يبررها باسم الدين والخوف من الفتن حتى بلغ السيل الزبى، واستعصى الداء على الدواء.
* الأسباب منها ماهو خارجي من كيد أعداء الأمة ، ومنها ماهو داخلي بدون شك تتحمل الأمة مسؤوليته ولن يتغير الا اذا تغيرت الأمة وغيرت واستفادت من أخطائها(إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)،فما هوالحل والمخرج مما نحن فيه؟ وهل من سبيل الى اصلاح حقيقي يصحح المسار ويعيد للأمة مجدها ومكانتها؟
*هذه بعض الملاحظات أقدمها مساهمة في الحل إن وجدت الإرادة السياسية لتطبيقها:
1- تغليب منطق العقل والمصالح العامة على منطق القوة والمنافع الخاصة.
2- وضع مناهج تربوية علمية وتقنية نهضوية مختلفة تجمع بين التقدم الحضاري والهوية الإسلامية .
3- المحافظة على كيان الأمة وكياناتها القطرية ، ولو أدى ذلك الى تنازلات مؤلمة من كل فصيل أو قبيل أو فئة أو حزب.
4- انشاء مراكز أبحاث علمية مستقلة سياسية وحضارية متخصصة تُرْصد لها الكفاءات والموارد الكافية وتكون قراراتها ملزمة للأنظمة كما هو الحال في الدول المتقدمة.
5- تكوين مجمعات للإجتهاد والفتوى تضم علماء وفقهاء من جميع التخصصات العلمية لوضع التصورات والدراسات والحلول لكل مشكلات الأمة المتجددة.
6- ترسيخ ثقافة العدل والأمانة والاعتدال والمحاسبة ،والشفافية ،والرقابة والشورى ، والحرص على المصلحة العامة ، وادارة الخلافات بالحوار والتفاهم، والتداول السلمي على السلطة ، والاعتراف بالآخر.
7-اذابة الطائفية والفئوية والقبلية والعنصرية والنظرة الضيقة في الإسلام والمواطنة فنحن شركاء في الدين والوطن.
***واذالم تبادر الأمة بتشخيص الداء ، ووضع الدواء، فستظل تدور في حلقة الغلاة والطغاة والغزاة ، والكتفير والتفجير ، نسأل الله السلامة والعافية!! والتوفيق !!!!