أردغان: ينجز "فتحا في جدار" الحصار

ثلاثاء, 28/06/2016 - 16:48
الكاتب الصحفي محمد الحافظ الغابد

محمد الحافظ الغابد 
يثير متحاملون على التجربة الوطنية التركية ما يسمونه "التطبيع الإسرائيلي التركي" المستمر منذ سبعة عقود تقريبا ولم يعرف اهتزازا أو مراجعة إلا في عهد الإسلاميين الأتراك والتجربة الأردغانية على وجه التحديد حيث توقفت هذا التطبيع لمدة ست سنوات على خلفية إرادة اردغان كسر الحصار عن غزة في ظل نظام عربي مطبع ومتعاون مع اسرائيل بشكل كامل وكانت الأقلام المتحاملة في كثير منها متخندقة ومسايرة لمعسكر التطبيع العربي الإسرائيلي.
يلاحظ المراقب لتاريخ العلاقات الدولية أن الأمة التركية ذات بوصلة حضارية نابعة من الدور القيادي التاريخي لهذه الأمة المسلمة غير أن تجربتها التاريخية تجاه أوربا جعلتها فيما بعد الحرب العالمية الثانية تتجه لإعادة لملمة أوراقها لأنها كانت تحتل الرقم الثاني بعد ألمانيا الهتلرية فضلا عن خلفيتها الحضارية وإصرار الأوربيين على تصفية الإرث العثماني.
واقتسمت السياسية التركية منذ الخمسينات فالستينات تياران:
تياران رئيسان:
- تيار قومي تركي علماني: يؤسس مواقفه على المصالح وينظر غربا ولا يلتفت مشرقا لحساسية شركائه الغربيين من كل ما يتصل بالتاريخ الإسلامي التركي وهذا التيار محكوم بمنطق برجماتي وتحالف في الماضي مع قومية يهود الدونمة المؤثرة في السياسات الإقليمية بالشرق الأوسط مما سوغ اعتراف تركيا بإسرائيل 1949 وظل ذلك الاعتراف قائما حتى حادثة اقتحام الإسرائيليين لسفينة مرمرة2010.
- تيار وطني اسلامي : يؤسس موقفه على المصالح ولكنه يلتفت دون خجل للإرث الحضاري للأمة التركية وتشتعل أشواقه لابتعاث الماضي الإسلامي "العثماني" ويتظر هذا التيار نظرة متكاملة فيشده أفق المجد التاريخي للأمة التركية الإسلامية وينظر باتجاه الإتحاد السوفياتي السابق فيتذكر العالم الإسلامي التركي الممتد في وسط آسيا وينظر قريبا منه بجواره فإذا العالم العربي بمصره وحجازه وينظر إلى شرق آسيا فإذا الأمم الإسلامية والشعوب الكبيرة في اندنوسيا وما ليزيا فيصغر الغرب الأوربي الآمريكي في عينيه فيتجدد له شوق العودة للريادة من جديد .. لذلك كان عدنان مندريس رئيس الوزاء التركي الذي أعدم بعد انقلاب عسكري 1960 يود تزويد الفلسطينيين بالأسلحة لتحرير أرضهم بالتعاون مع الملك الليبي الراحل ادريس السنوسي لكن انقلاب يهود الدونمة عاجله رغم الإصلاحات التنموية والديمقراطية الكبيرة التي قام بها وقد أعيد الاعتبار لعدنان ورفاقه ويعتبر الآن من الأبطال مثل السلطان ألب أرسلان والسلطان محمد الفاتح ونجم الدين أربكان ...
- وتطور هذا التيار في عهد أردغان ليصل الى السلطة وليقود اصلاحات نقلت تركيا من التخلف لتتحول إلى قوة اقتصادية كبيرة مؤهلة لدخول نادي الكبار خلال سنوات محدودة .. وأردغان اليوم بخطواته 2010 في كسر الحصار وما ترتب عليها من قطع لهذه العلاقات المستمرة قبله بشكل مطرد منذ ستتة عقود لا يقدره إلا العالمون بحقيقة موقفه الشجاع والاستثنائي في السياق الإقليمي العربي والإسلامي انظر إلى حديث بنيامين نتنياهو عنه وهو يخاطب الإسرائيليين في سياق تسويغه عودة العلاقات حينما أعلن حصوله على تعهد مكتوب من أردغان بحل مشكلة الجنود المفقودين (قال نتنياهو إن "تركيا لا تحتجز الأسرى، ولا تسيطر على حماس؛ التعهّد الذي حصلنا عليه من أردوغان أمر مهم، كما حلصنا على مكتوب من أردوغان يتعهّد بمحاولة معرفة مصير المختفين، دون مكتوبه هذا ما كان من الممكن أن يحدث شيئًا، الآن هنالك احتمال لشيء ما بخصوصهم".). 
إذا وجد أردوغان هذه العلاقات إرثا سياسيا مستمرا يشكل متكئا قويا للعلاقات مع الغرب المسيحي الأوربي والأمريكي ووجد البلاد التركية منذ عقود تعتمد على علاقاتها الغربية وتعاني من ضمور في علاقاتها الشرقية (الأمم الإسلامية: العرب الإيرانيين الهنود الجمهوريات والقوميات الناطقة بالتكرية وسط آسيا وأغلبهم مسلمون... ) فأعاد الاعتبار لهذه العلاقات محاولا احداث توازن ظل مختلا خلال الحرب الباردة نتيجة تصفية الدور التركي تاريخيا في النصف الأول من القرن الماضي .. فلا معنى لابتسار الحقائق والسياقات والقفز عليها .. ثم إن السياسة فعل تراكمي وليست طفرات فالطفرات يصنعها تدفق التاريخ أما صناعة التحول السياسي فهو الذي يبين عبقرية القادة المؤسسين المؤثرين تاريخيا وأردغان وقبله نجم الدين أربكان مدرسة في عبقرية السياسة لهذا العهد .. حيث يصنع القائد تحولا من وضع هش في غاية الضعف والهوان إلى وضع أفضل عبر ادارة الجهد السياسي التراكمي الذي يراوح محاولا تخفيف وطأة العدو عن شعبه وأمته بإبعاد أسوء الشرين ومنجزا للبناء بالتدريج لبنة لبنة أما من ينتظرون الطفرات الخلاصية فغالبا لا يحققون شيئا.
فتحة في جدار الحصار
استطاعت حكومة العدالة والتنمية بهذا الاتفاق أن تحقق جزئا من رفع الحصار في ظروف غير مواتية وفي سياق اقليمي يعرف انجراف بعض العرب تحديدا في مساعدة الإسرائيليين اكثر من اهتمامهم بالفلسطينيين شعبا وحركات مقاومة مما جعل الوضع الفلسطيني في وضع هو الأصعب منذ العام 1948 فكيف يخون أردوغان وهو يزحف وحده محاولا خدمة القضايا العربية في لحظة خذلان حتى من العرب أنفسهم إن القراءة المنصفة للواقع الراهن ستنصف أردوغان حتما وتجعل منه رجلا استثنائيا في تاريخ الأمة العربية والإسلامية جمعاء.
سيمكن هذا الاتفاق "التطبيعي" حسب البعض من حل هام لمشكل الكهرباء في القطاع كما سيسمح بتقديم تركيا للمساعدات بصورة مباشرة عبر ميناء أسدود وهذه الخطوة ستكون جد مفيدة لأنها روضت الصلف الإسرائيلي الرافض للمجتمع الدولي أن يقوم بأي دور انساني لصالح القطاع المحاصر وستسمح للدول والمنظمات أن تتعاون مع تركيا لإدخال المساعدات كما سيحرج الأوربيين ويدفع التيار الإنساني لبذل جهود جديدة لدعم القضية ومقاومة الحصار فدماء الأتراك في سفينة مرمرة لم تذهب هدرا وأسست مع الجهد السياسي لفعل انساني وحضاري سيسجله التاريخ بأحرف من ذهب. 
وعلى العرب أن يحذوا حذو تركيا وعليهم ان يستفيدوا من الثغرة التي فتحت في جدار الحصار للتخفيف عن خوانهم بدل تسخيف الجهد التركي وتسفيهه وتخوينه.