رمضان شهر الانتصارات الكبرى

خميس, 23/06/2016 - 18:08

قال الله تعالى: {{يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارا لله}}، وقال سبحانه: {{إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}}.

فجميع المسلمين مأمورون شرعا بنصرة الإسلام والدفاع عنه بكل ما يملكون من قوة {{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}} ولذلك فرض الله الجهاد وجعله من أعظم فرائض الإسلام ومن أحب الأعمال الصالحة إلى الله: {{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به}}.

وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال {{قلت يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله تعالى، قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي، قال: بر الوالدين، قلت ثم أي قال: الجهاد في سبيل الله}}.

وفي الحديث الصحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله}}.

وعلى هذا النهج في الجهاد والتضحية في سبيل الله سار النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم فور نزول قوله تعالى: {{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير}}.

فشرع المسلمون بقيادة أفضل الرسل وإمام المتقين صلى الله عليه وسلم يضحون بالغالي والنفيس نصرة للإسلام وإقامة للعدل والحق بين الناس: {{وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}}.

فما أرفع وما أسمى مكانة المجاهدين في سبيل الله وما أعظم أجرهم عند الله تعالى: {{ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما}}.

وما نقصده هنا هو الجهاد الحقيقي بضوابطه الشرعية لإعلاء كلمة الله في الأرض والدفاع عن المقدسات الإسلامية المغتصبة.

أما العمليات العدوانية الطائشة التي يسميها البعض الآن جهادا فليست جهادا بالمرة كما بينه علماؤنا حفظهم الله.

ونحن الآن في رحاب رمضان يجب أن نتذكر خصلة عظيمة من خصال هذا الشهر، فمع أنه شهر الصيام والقيام وشهر القرآن والإحسان فهو أيضا شهر الجهاد والاستشهاد والتضحية إحقاقا للحق وإبطالا للباطل.

فهذا الشهر المعطاء وقعت فيه معارك فاصلة بين الإسلام والكفر، أي بين العدل والظلم عبر التاريخ الإسلامي.

وكانت أول معركة فاصلة بين الإسلام وأعدائه هي معركة بدر الكبرى في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة والتي نصر الله فيها أهل التوحيد وأهل الحق والعدل بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، نصرهم الله نصرا عظيما باهرا على أعداء الإسلام أهل الشرك وأهل الظلم وأهل الفواحش: {{ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}} وهذا ما وقع بالفعل في غزوة بدر الكبرى حيث نصر الله المسلمين نصرا عظيما بسبب قوة إيمانهم بالإسلام وصدقهم في الدعوة إليه والعمل به كشريعة شاملة تصلح كل مجالات الحياة {{ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}} وبسبب انتشار التقوى والأعمال الصالحة في صفوفهم، وبسبب وحدتهم وتماسكهم تحت قيادة صالحة واحدة تعمل بالشورى وتشرك الناس في تحقيق المصالح ودرء المفاسد والتصدي للأخطار المحدقة بالإسلام والمسلمين.

وكان نبينا صلى الله عليه وسلم بالطبع أحسن قدوة وأكمل أسوة في الحكم الصالح الرشيد حقا الذي يخدم الدين والشعب ويحقق المنافع والمصالح وفق قواعد العدل والمساواة بعيدا عن الظلم والفساد والمحاباة: {{إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذَّكَّرون}}.

وعلى نهجه وهديه صلى الله عليه وسلم في تسيير أمور الدين والدنيا سار خلفاؤه الراشدون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 وكذلك وقعت معركة أخرى فاصلة في رمضان هي معركة فتح مكة الأعظم في العشرين من رمضان في السنة الثامنة للهجرة وقد أدى هذا الفتح العظيم إلى دخول الجزيرة العربية كلها في الإسلام مما زاد من نفوذ وهيبة الدولة الإسلامية التي انطلقت من المدينة المنورة كما انطلق الإسلام نفسه من مكة المكرمة: {{إنا فتحنا لك فتحا مبينا}}.

 وبعد معركة بدر الكبرى وفتح مكة وقعت معارك أخرى بين المسلمين والكفار أدت إلى سقوط أقوى دولتين في ذلك الوقت بيد المسلمين وهما مملكة الفرس وإمبراطورية الروم ودخول أغلب شعوبهم في الإسلام، وما زالوا يعتنقونه ويدينون به إلى يومنا هذا والحمد لله رب العالمين {{وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم}}.

كما وقعت معركة أخرى فاصلة في الخامس والعشرين من رمضان سنة 658 للهجرة هي معركة عين جالوت بين قوى الشر والظلم ممثلة في التتار (المغول) وبين قوى التوحيد والعدل والخير ممثلة في المسلمين بقيادة زعيم دولة المماليك في مصر القائد المغوار سيف الدين قطز وأصحابه الميامين وقد أديرت معركة عين جالوت الفاصلة هذه بالتشاور والتنسيق التام بين الحكام والعلماء (أي بين سيف الدين قطز والشيخ العلامة العز بن عبد السلام) وكان ذلك من أعظم أسباب النصر فيها.

 وقد أدت هذه المعركة خصوصا _بعون الله وتوفيقه_ إلى إنقاذ العالم الإسلامي من احتلال التتار له بل إنها أدت فوق ذلك إلى دخول الأكثرية الساحقة من التتار في الإسلام الذي كانوا يحاربونه {{إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}}.

إن رمضان فعلا شهر الانتصارات الإسلامية الكبرى على أهل الكفر والظلم.

 وما أحوجنا نحن المسلمين الآن لأن نستخلص العبر والدروس من هذه المعارك الرمضانية الفاصلة لنتحرر من مرض الوهن الذي عرفه صلى الله عليه وسلم بأنه {حب الدنيا وكراهية الموت} ولنخلص الولاء والمناصرة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين {{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}} ولنقيم العدل والخير في مجتمعاتنا ونتخلق بالاستقامة والتقوى {{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}} ونتعامل فيما بيننا بالتراحم والتعاون والتكافل {{إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}}، {{ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}}.

ولا بد لكي نحقق العزة والنصر للإسلام والمسلمين أن نصلح شؤون الحكم والإدارة في العالم الإسلامي حتى يتولاهما الأمناء الصالحون الأقوياء ((الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة و أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}}.

وباختصار فإن أسباب النصر والتحرر مما فيه أمتنا الآن من التخلف والمذلة والهوان محصورة في قوله تعالى: {{ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}}.

ونحن على يقين راسخ بأن الإسلام والمسلمين يتجهون إلى النصر والتمكين رغم كيد الكافرين والخائنين {{ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون}}.