برنامج التحسين الوراثي الوطني ..تهديد لأرث طبيعي

سبت, 18/06/2016 - 22:23
  المهندس:الهيبة ولد سيد الخير

قررت السلطات العمومية سنة 2011 إطلاق برنامج وطني للتحسين الوراثي سعيا إلي تحسين كفاءة إنتاج سلالاتنا المحلية ،وأنشأت لذلك الغرض عدة مزارع داخل البلاد رُصدت لها مبالغ معتبرة وقد مكنت تلك المزارع من تلقيح ما يزيد علي 7000 بقرة،تدعي الوزارة بان إنتاج جيلها الأول وصل إلي 14 لترا من الحليب يوميا ،في حين يقول المنمون بأنهم لم يلحظوا فرقا يذكر .

لا شك أن التحسين الوراثي خطوة هامة علي طريق تنمية القطاع ،فإيجاد سلالات وطنية متخصصة وعالية الإنتاج سيسمح بظهور أنماط إنتاج تكثيفية ضرورية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحليب ،لكن ذلك المسار يجب أن يكون داخل مراكز البحوث ويحترم بروتكولات صارمة، وبعد خلق حوض إنتاج للأعلاف الخضراء  ، لكنه تم بطريقة ارتجالية وبدون هدف واضح ،فالبرنامج يكتفي بتلقيح حيوانات المنمين دون أن يكون قادرا علي تتبع مسار العملية مما يفقده القدرة علي معرفة طبيعة النواتج وظروف العملية الإنتاجية فيما يشبه عملية نثر لمخزون وراثي  وحسب.

إن السلالات المحلية متأقلمة مع نظام الانتجاع و هي بالتالي تملك مخزونا وراثيا قادرا علي التكيف مع الظروف البيئية القاسية و ضعف مدخلات الإنتاج ،كما أن أوزانها تسمح لها بسهولة الحركة  وبالتالي تتبع الكلأ أينما وجد ،لكن ماذا عن السلالات الجديدة فأوزانها ستكون عائقا وستقضي جوعا بسبب قلة الأعلاف المالئة خصوصا في الولايات الشرقية التي لا توجد فيها نواتج زراعية.

لم يفكر مخططو المشروع- إن وجدوا أصلا - في كيفية توفير الأعلاف للسلالات الجديدة، فهي يجب أن تكون موجهة لنظام إنتاج تكثيفي أو شبه تكثيفي ،وهذا لن يتم قبل تطوير زراعة الأعلاف، وقد كان الأجدر إجراء انتخاب  داخل سلالاتنا المحلية نفسها ما دام نظام الانتجاع هو السائد.

إن العبث بالمخزون الوراثي لسلالاتنا المحلية سيزيد من هشاشة نظام الانتجاع في ظل التغيرات المناخية ،وقد يسبب كوارث لا تحمد عقباها ، فهنالك بلدان  تعض أصابعها  اليوم ندما، لأنها وببساطة فرطت في مخزونها الوراثي ،وهو عطب لا يمكن إصلاحه ، ونرجو أن لا نكون مثلها خصوصا أننا نعتمد علي هذا القطاع بشكل كبير.

من المؤسف أن تخلط وزارة البيطرة بين أرقام إنتاج تتوقعها ،و بين الإنتاج الحقيقي للجيل الأول F1 فأربعة عشر لترا يوميا إنتاج متوقع  لنظام تكثيفي لكنه مستحيل في ظل نظام إنتاج تقليدي ،  كما أن الوزارة لا تملك بيانات أو دراسة جادة عن ظروف الإنتاج أو حتي مصير تلك الأبقار ،كما أن الحكم علي نجاح البرنامج من الجيل الأول يعكس مدي الاستهتار فمن المعروف أن إنتاج  الجيل الأول يتناقص كثيرا في الأجيال اللاحقة هذا إن افترضنا صحة أرقام الوزارة.

لتصحيح مسار هذا البرنامج لا بد من اتخاذ التدابير التالية:

اقتصار البرنامج في مرحلته الأولي علي البحث؛

طلب مشورة منظمة الأغذية والزراعة ؛

اختيار أفراد السلالة المحلية بعناية  بحيث نستخدم فقط الحيوانات ذات الإنتاج ألأعظمي؛

البدء بخلق حوض لإنتاج الأعلاف الخضراء؛

اقتصار البرنامج  علي نمطي الإنتاج ألتكثيفي وشبه ألتكثيفي وفي مزارع  معروفة؛

إنشاء برنامج خاص بالانتخاب لنظام الانتجاع يقتصر علي سلالتنا المحلية ، بحيث نضمن بان التحسين لن يؤثر سلبا علي مخزوننا الوراثي .

 

 

قد نتقبل علي مضض هدر مليارات الأوقية في بناء مصنع لإنتاج الألبان ، لكننا لن  نغفر العبث بالمخزون الوراثي لماشيتنا ،لأنه ارث طبيعي لا يقدر بثمن ولا يمكن إصلاح العيوب التي قد تلحق به ،فالتنوع الجيني هو صمام  أمان لثروتنا الحيوانية،لذلك علي صناع القرار إعادة النظر في هذا البرنامج قبل فوات الأوان.