رسالة الي وزير (ة) الثقافة

جمعة, 22/04/2016 - 10:34
 عبد الرحمن لاهي

ربما تصلح هذه الرسالة لكل وزير (ة) ثقافة، في كل زمان، وحتي ربما في كل مكان. سيدي (دتي): انا اعلم جيدا انك قبل كل شيء موظف حكومي، واعلم انك في اغلب الحالات جزء من فريق اغلبية سياسية رؤيتها وبرنامجا موحد، واعلم انك عينت - بغض النظر عن كفاءاتك - لاعتبارات حزبية، او جهوية، او طائفية، او اجتماعية، او عقدية، او انتخابية محضة.

واعلم انك - في اكثر الحالات - يهمك ذاك التعيين، لكنك ربما كنت تريد قطاعا آخر، أو لا فرق عندك بين هذا القطاع او ذاك.

واعلم انك - في كل الحالات - لست متأكدا من فترة اقامتك في مقعد الثقافة، او لنقل في مقعد الوزير بشكل عام.

اعرف ايضا انك لست قادما من فراغ، فانت مثقف بطبيعتك، ومواطن بطبيعتك، وسياسي بطبيعتك.. وانك - وهذا تحصيل حاصل - لديك افكارك وآراؤك.

اعرف ايضا انك أحسن من الكثيرين من زملائك في "الفصل الوزاري"، اعرف أيضا أنك بطبيعتك كانسان تحب أن تترك أثرا حيث تمر، وغالبا ما تعتبر أثرك إيجابيا ككل واحد منا نحن البشر، أو تجد مبررا لفشلك (خارجا عن إرادتك).

أعرف أيضا انك لست مستعدا لتحمل إرث سلبي خلفه سلفك مهما كانت مبرراته ومهما كانت علاقتك به.

اعرف ايضا انك لن تعامل كل فريقك بحسن نواياهم، وأن في ذهنك اشخاصا تثق بهم اخلاقيا او مهنيا او هما الاثنين.

نعم.. هذا جزء مما اعرفه وتعرفه وربما نحن متفقون عليه. لذلك فكرت في تذكيرك بأشياء عامة، قد تحتاج تذكرها كلما دخلت مكتبك، وكلما مسكت قلمك لتخط توقيعك، وكلما داعبت يدك المكرفون وانت تهم بالكلام.

أما بعد، فإنك جأت الي قطاع يصنف - جهلا – بالفقير، ويرتب - سياسيا - في المؤجل، ويستغل - انتخابيا - للتدليس. لكنه في واقع الامر براء من كل هذا، وبعيد كل البعد من تلك الاوصاف. فهو قطاع الثروة التي لا تنضب تحت اي تاثير مناخي، وعملة لا تتاثر سلبا باي مداولات، وهو علي مر التاريخ محور الصراع، ورمز الغلبة، وبساط التوسع والتملك والاعمار.

قطاعك هذا به من اصناف البشر، واختلاف الاراء، وتباين المشارب، وتعدد الاختصاصات... ما لا تتصور.

قطاعك هذا به من مكامن الثراء ومصادر الاشعاع ما لا يحصي. قطاعك هذا به من التنوع مايربك. التنوع الثقافي، التنوع الاجتماعي، التنوع الاقتصادي، التنوع الصناعي، التنوع العقدي، التنوع الاخلاقي.. التنوع تارة لمجرد التنوع.

قطاعك هذا عليه من الآمال حمل ثقيل. أمل المبدع وحده يكفي. أمل الرسام والكاتب والشاعر والمخرج والممثل والراقص والمغني والباحث والناشر والمصور والمهندس والمؤرخ والرحالة والمزخرف والمصمم والخياط والحكواتي والنحات والقصاص والمترجم والمكتباتي والخطاط.... لا يتسع المقام لبقية اللائحة، والتي تزداد يوميا باكتشاف معارف جديدة.

لن تحقق آمال الكل مهما كان حسن نيتك وطول مقامك وتوفر الوسائل لك. ولن تنجو من التصنيف مهما كان عدلك. ولن تنال ثقة الحاكم المطلقة. حتى لو كنت هو. فهو كما تعلم (لا مدخل ولا مخرج) لكن ثمة أشياء جد بسيطة ان قمت بها ارضيت ضميرا سيظل يرافقك. يؤنبك أو يهنئك.

- استمع الي الكل. بغض النظر عن مشاربهم السياسية والعقدية والاجتماعية. وأنت تستمع تخلص من عقدة المقعد وانزل او اصعد الي مستوي محاورك.

- تحدث من قلبك. لا أحد باستطاعته خديعة أحد. انما هناك من اذا خادعته انخدع. لذلك تحدث بصدق عن ما تنوي وما تفعل. قد يصغر فعلك في عينك. لكن شخصك سيكبر في عيون الغير. ولن تضطر غدا الي مبررات واهية.

- أسس فريقا. لن تخدم نفسك ولا حزبك ولا حكومتك ولا أمتك بمفردك. خذ الوقت لتشكيل فريقا يشد عضدك. انهم هنا. كانوا هنا قبل ان تأتي. وربما يبقون بعد ان تغادر. وفيهم الخيرون الصالحون المؤمنون بمهنتهم. لكن الاهمال وتعاقب الوزراء وتلقي الصدمات قتل فيهم حب العمل وحولهم الي اصنام. استمع اليهم. كلفهم. ثق بهم ماداموا محل ثقة. ودع لهم العنان. احمهم فهم جسدك. لا تميز بينهم في الاحسان ولا في العقاب. لاتحشر نفسك في عملهم ومسؤلياتهم. ليسوا ابناءك هم فريقك وهم مصلحون ما لم يثبت العكس. وحين يثبت العكس. لا تتأخر فكما حميت حقوقهم بما يستحقون انزل عليهم عقابك بما يستحقون.

- صارح شركاءك: بقية عناصر جسدك هم شركاؤك، المجتمع الثقافي المدني. أنت وقطاعك هنا من أجله. مهمتك الرعاية والاحتضان. ومهمته الاشعاع والابداع. هو من يقدم الأمة لنفسها بفسيفسائها. وهو من يقدم الأمة للاخر بصورتها المنصهرة. هو من لا يوقف الدوام. في الوقت الذي يحسب قطاعك عمله بساعات دوام محدودة. هو من لا ينتظر لبرمجة عطائه حلول سنة مالية. هو من يقف في وسط الملعب. وعند المرمي. وفي الركنية. وعند حدود الملعب. هو من يجالس الوان واصوات وصمت الأمة. يتغذي منه ويستلهم ليقدم الحلول والاجابة. هو من يستمد اجندته السياسية والانتخابية من مطلب جماهيري دائم. هو من تحرر من عقدة الجدران الاربعة. والراتب الشهري. واطلق العنان لابداعه وعمله. هذا الشريك يحتاج منك مصارحة ومكاشفة. استمع اليه كما لم تستمع في حياتك من قبل. صارحه بنواياك. ابلغه برنامجك. اكشف له حساباتك. ثم خذ منه ما تشاء فهو معين لا ينضب. ومحارب لا يكل. وصديق لا يخون.

بما أنها مجرد رسالة. فلن اتمكن من كتابة كل التفاصيل. كما طلبت منك ارضاء ضميرك. اظن اني ارضيت ضميري بكلامي هذا.

تذكير... الوزارة في العالم الثالث والثاني. وربما كل العوالم. هي نهاية حياة سياسية وادارية. فكر في ان تختم مسيرتك بالاصلح. فالبقاء له كما تعلم.
بالتوفيق

المواطن: عبد الرحمن لاهي