صعلوك وقوطيون ومرتزقة..

أربعاء, 28/01/2015 - 10:51
بقلم / عبد الله محمد آلويمين

عندما أسقط جيش الدولة نهاية سبعينات القرن المنصرف رئيس البلاد خرجت معارضة ذالك الدهر المشؤوم شؤم يومنا هذا تطبل وتزغرد لضباط أطاحوا بالحكم المدني، ونسجت النخبة المثقفة القصائد ونسابو نحوهم كما تنجرف السيول المدمرة في اتجاه واحد فخسرت البلاد ذاتها إلى الأبد..

 

سقطت لكويرة والاقتصاد المحلي والحكم المدني، واستراتيجيات التنمية ومشروع دولة القانون لمجتمع متقدم ببطئ في اتجاه مشرق بلا فوارق ولا قبلية أوعنصرية.. بلا وساطة ولا محسوبية ولا لصوصية أو على الأقل في قلب الدولة النابض آنذاك "نواكشوط".

 

ولما تمرد الجيش كرة ثانية على فرد منه أحيا القبلية وهي رميم وهدم الفضائل ومشق الانحطاط الأخلاقي وأسس للعدالة العوراء داخل المجتمع وعاث في الحاضنة فسادا نهاية العام 2005 - مع أننا رغم فساد نظامه لم نشاهد عمارة يمتلكها في البلاد ولا قصر ولا سوق ولم يقتنص عمولة، بل كان رغم كل مساوئه رجلا وطنيا أفسدته بطانته المحيطة به - دندنت المعارضة مرة أخرى وصفقت وغنت وتنادت إلى وكره وحرق أولياء النظام المطاح به صوره ومزقوها..

 

هجاه الذين مدحوه بالأمس ونسجوا له الأغاني واستوردوا تيمنا بسمه قطع الحلوى ك "سنين معاوية وبزرادت معاوية وعين معاوية" وابتكروا على شخصيته الكاريزمية تقليعات الموضات المحلية "كا لبنة معاوية واغراغ معاوية"، فكان انقلابا لم يستهدف الأشخاص فحسب بل شمل قيم المثل والوفاء في المجتمع إلى الأبد.

 

وحين تصعلك "بود يغار" على الشرعية وسيطر بميليشياته القوطية في أقل من نصف ساعة على مفاصل السلطة أذاع شاعر للمرة الأولى في تاريخ التمرد العسكري إيذانا بزمن الانحطاط القادم بيان ذالك الانقلاب، فنكحت المعارضة النظام الجديد وشرعت انقلابه، وحماه الذين  يتقنعون بالقرآن والسنة متحلقين عليه مثل الغربان، أما حلفاء الجياع عبر عمرِ الدولة القصير لقبوهُ برئيس الفقراء، وقادت زعامة المعارضة الديمقراطية حملة تجميل لوجهه القبيح من السنغال إلى فرنسا ثم المغرب أكسبته قبول المجتمع الدولي، أما مثقفيها المنتمين لها والمرتزقة من أشباههم المشردين على ضواحي العزلة السياسية ممن لا يخجلون أقبلوا  كالثعالب في ثوب الواعظين، تغلغلوا تغلغل الإيبولا والسيدا داخل إفريقيا وصوروا تلك الصعلكة على أنها حملة تصحيحية مباركة ربما قادتها في الخفاء خمسة آلاف من الملائكة مسومين، وبعد ستة أشهر عُزل جناح المرتزقة ذالك وعاد يصب اللعنات على النظام الذي غره.

 

بعد قرابة سبع سنين من احتقارها وإذلالها وتهميشها وسخرية البوديغار منها في جولاته الكرنفالية، هاهي تطرح مسودة انقلاب آخر على دستور لم يغني في الأصل شيئا عن طريق مسرحية حوار تمططه لتلائم الزمن الذي استهلك أعمار قادتها ممن لا يمضون للتقاعد ولا للمرض أحرى الموت، ويمنحها فرصة ترشح ثانية لا تدري أنها ستكون أبعد فيها من رئاسة البلاد بعد مطلع الشمس عن مغربها ..

 

إنقلاب يشرعن لخمس سنين من التفقير ودك الوحدة الوطنية وانتشار الظلم وهيمنة التجبر على هذا الشعب الذي ابتلاه الله بآفة الزهايمر..

 

خمس سنين نحاسٍ أُفلست فيها بنوك وجرد رجال أعمال من ثرواتهم ودمر الاقتصاد وانتقل فيها (دجينكات) عن طريق النهب من لقاط أعقاب سجائر غولواز وكونغرس (Gouloise, Congrese) ومتسكعون على الأرصفة وبوابات البارات طور سفارة إسرائيل إلى مليارديرات في لمح البصر مساهمين في أكثر الهيئات الاقتصادية أهمية في البلد، والمتقاعدون من قيعان الفقر المدقع المزركش بالجهل إلى أثرى أثرياء الوطن..

 

 نصف عقد تفاقمت فيه صرخات الجياع وأنات المغتصبات وعويل المزهقين جراء فساد لم يسبق له مثيل منذ عهد نيرون إلى عهد (ادويصات) لا تزال تسجيلات أكرا وملابسات تأسيس شركة ATTM وتحقيقات الصحفي المغربي ألبقالي حول عمارات رياض الأندلس بالمغرب واعترافات ولد باية شاهدة عليه، رغم أننا (واللهم لا حسد) توجنا أخيرا بفضل هذه الصعلكة كأول دولة في تاريخ الدنيا من زمن أصحاب الكهف إلى اليوم تنتكس عملتها من القطع والورق النقدي إلي الكاويتشو النقدي (<<فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما>> صدق الله العظيم).

 

 

من يذكر هذه الكلمات:

"الرحيييييييييييل"..

 

"إنما يريده هذا الشعب هو أن يترك محمد عبد العزيز الزُّلطة"..

 

"ذللي اخلك فغسطس ذيك الساعة تمرد من أشخاص اعل السلطة الاهو انقلاب، الإنقلاب ذاك العدلن نحن ذيك الساعة"..

 

إنها ألسنة المرتزقة السائرة نحو الخَوار ذات مساءات أيام المطالبة بالرحيل وليلة موقعة كلاب قوات مكافحة الشغب حين جري الكهول من زعمائها في أزقة لكصر بحثا عن ركن يؤويهم (أتذكرون)؟..

 

 

أتذكرون مساء صرخوا من فوق المنصة جماعة "الرحيييييييل" وكل زعيم يسعل في آخر الكلمة وخرج عليهم الصعلوك في انواذيبو قائلا: "الثورة الثورة نعرفو إعدلوها ألا الشباب يغير لكهولة المسندين ما كط شفتهم إثورو".. فما الذي جرى بعد هذا الزمن القصير لتخون المعارضة مرة أخرى كما دأبت هذا الشعب الذي لا تمل من خيانته وتحور خيانتها في كل مرة على أنها تغليب للمصلحة العامة؟

 

 

لم يجري شيء ولم يجد جديد حسب رأيي سوى أن حساباتها البنكية نفدت، وسيارات الدفع الرباعي تعطلت، وفضافض قادتها رثت، وأي طريق أقصر لنفض غبار الإفلاس ووعثاء الصراخ غير تنظيم انتخابات رئاسية جديدة سابقة لأوانها تعود عليها بالملايين لتمويل الحملة من المجتمع الدولي المخدوع أبدا بها فتكتظ الحسابات وتحيى الأجساد بعد شدتها وتلامسها أثواب أزبي بعدما أورمتها قضبان الهيروات شهور، وقلص الحصار تنظيمها متراجعة حتى في المسميات كمتتالية حسابية يرتبها الفشل من الأكبر إلى الأصغر من جبهة أحزاب المعارضة إلى تحالف أحزاب المعارضة إلى منتدى أحزاب المعارضة آخذة في انكماش شمل الأشخاص والمسميات.

 

 

ما أغرب هذا المجتمع وما أضعف ذاكرته، إنه ليس من المجتمعات التي تؤثر فيها الأحداث الكارثية أو تنحت فيه السنين والتغييرات الجذرية روح التمرد والوعي، كما نحتت الثورة الفرنسية عام 1789 في نفوس الأوروبيين روح المساواة والديمقراطية، وغرست اتفاقية سيفر في نفوس الأتراك عام 1920 روح التمرد على الانكسار، وفي عقول الأمريكيين عقب اغتيال مارتن لوثر كينغ عام 1968 روح العودة لمثل الإنسانية.. بل هو مجتمع تزاور الأحداث والوقائع الصادمة عن ذاكرته وعقله الجمعوي فلا تزيد من رشده كأنما يغلب عليه الضياع في فناء من الزهايمر يحوله إلى معتوه لا أمل في بلوغه مرحلة الوعي السياسي، يخدعه الذين أمنهم على مستقبله السياسي ويسرقون ديمقراطيته ويشعلون فتيل الصراعات والعداوة في وحدته الوطنية ثم يعودون من خلف النافذة كل مرة فتضج فيافيه بالتطبيل كأنه جبل على النسيان الأزلي الذي لا ينتهي إلا مع إشراق الراجفة ويعيد الثقة فيه مرة أخرى.. فما أغرب هذا..

 

 

إنها ظاهرة ساهمت عوامل متعددة في تعميقها يأتي في مقدمتها تحكم الجهلاء السادة في فيافي البدو والداخل العميق بين كثبان الرمال الصفراء وأشجار الطلح اللعينة حيث يستقر مركز الثقل الانتخابي والديني، فالثقل الانتخابي يأتي من أكثرية المجتمع الموجود هناك المقيد بالخرافات لاسيما منها تلك الخرافات المرتكزة على أسطورة "تزبوت الأشياخ" والبركة في اختيار ما اختاروا وهو أمر طبيعي في مجتمع تتخلى فيه دولة يتحكم فيها الصعاليك والقوطيون كل يوم عن وظيفتها في نشر المعرفة وتعليم الأجيال ومحو الأمية واقتصارها على خطب ود أولئك الدجالون المتسمون أحيانا بالصالحين وطورا آخر بالشيوخ..

 

 

وعامل آخر أكثر خطرا يتجلى في استغلال الدين سواء الاستغلال المعاصر أم ذاك التقليدي، فالاستغلال التقليدي هو الربقة الأكثر ضغطا اليوم على المجتمع ولتتضح صورتها أكثر سأورد لك عزيزي القارئ مثالين سريين تستشف منهما ما أريدك أن تفهمه:

 

 

"في العام 2013 وأنا أعمل صحفيا وثائقيا في قناة الساحل أجري زميل لي مقتدر مقابلة مع الشيخ حماه الله في أقصى حدود شرق البلاد داخل الأراضي المالية، أعرب الشيخ في المقابلة عن سخطه على حزب الإتحاد من أجل الجمهورية وعلى رئيسه وتوعد بخسارته في الانتخابات القادمة في "كوبني وولد لعكيلة " ومناطق أخرى، وفي ضحى اليوم الثاني بعد مقدم رئيس الجمهورية من زيارة خارجية جاء رسوله إلى مقر القناة وسلم نسخة من البرنامج على قرص، وبعد أقل من شهر بعثت الوفود إلى الرجل لكنها لم تجدي شيئا، فنشب صراع لم يسبق له مثيل، امتد لكافة حدود المنطقة، وسقطت "كوبني" ومناطق أخرى وبعد ذالك أوشكت علاقات البلاد بمالي على التوتر وخضع الصعلوك والمجتمع أخيرا لإرادة رجل في أقصى البلاد لم يزر نواكشوط في حياته إلا مرتين، وفي زيارة لولد عبد العزيز للصلح بين المتصارعين في أزواد كما زعم التقى الرجل وطوي ملف الصراع" انتهى المثال الأول.

 

 

أما المثال الثاني ففي نفس الانتخابات وأنا أشغل منصب مسئول الإعلام لأحد الأحزاب السياسية بعدما انتهت إجراءات إيداع ملف مرشحة عن اللائحة الوطنية حزمت الصرام مساء إيداع الملف لدى اللجنة المستقلة للانتخابات إلى قرية "معط مولانة" ولما عادت واستفسرت منها قالت:

 

 

"لست وحدي بل العشرات من المرشحين الراشدين المثقفين يتزاحمون في طابور كويل وكل يأتي بصورته وشعاره ويقدمه للشيخ الكبير ويقول (أران زايرين أهذي الصورة والشعار) عشية الانتخابات يجتمع الشيخ بالكبراء ويعطي أوامره ويبلغوها بدورهم عبر سلسلة من الأشخاص فلا ينتخب في تلك القرية ولا في ضواحيها ولا في من يأتمر بأمره في كافة البلاد إلا من بورك" انتهى المثال الثاني..

 

 

ليس هذا هو المهم، بل الملفت هو تحول غالبية النخبة المثقفة المنتمية إلى تلك المناطق للتقوقع في ذاك الصراع والانجراف خلف تلك الخرافات ضد المدنية والقانون والتحضر سواء منهم الحامل لدرجة دكتوراه من جامعة رين أو السربون أو العامي المزركش بالتمائم من رأسه إلى أخمص قدميه.

 

أما العامل الأهم من كل العوامل السابقة فهو تغيب المدارس الفكرية باعتبارها العقل المسير للحياة الاجتماعية في أي بلد، فهذا المجتمع منذ أن وجد على ظهر البسيطة لم تتشكل فيه مدارس فلسفية ولا مدارسة أدبية ولا مدارس سياسية.. فالفلسفة إلى يومنا هذا يراها شيئ يلفه منديل أسود لا يزال يعتقد أنها كفر ولا يتكلف النظر في ماضي المجتمعات الدينية التقليدية التي رفعتها وحسنتها ومدنتها وهذبتها وصقلت العقول فيها كالمجتمع الأندلسي قديما والدولة العباسية في عهد المؤمون عقب انفتاحه على مكتبة القسطنطينة، والمجتمع اللبناني في مرحلة من المراحل ما قبل آفة حزب الشيطان المهيمن اليوم..

 

 

أما المدارس الأدبية رغم افتراء زائر علينا سامحه الله منتصف سبعينات القرن المنصرف من مجلة العربي الخليجية لما وصفنا ببلاد المليون شاعر وانتشر للقب في العالم انتشار النار في الهشيم، فلم تظهر مدرسة أدبية شعرية واحدة على غرار ما ظهر في العالم العربي أيام النهضة، رغم أدعاء بعض المؤرخين بوجود شيئ ما ينسبون له أحمدو ولد عبد القادر وآخرين إلا أنه لم يكن كما ينبغي، فالمدارس الأدبية المعنية هي تلك التي تحفظ الذاكرة المجتمعية وتؤرخ للأحداث وتتحول إلى مصل ضد الزهايمر المجتمعي المسيطر علينا مَثلُ ذالك مثل القصائد الملحمية والروايات الأدبية العظيمة والمسرحيات الخالدة التي تصدرها مجموعة من المستنيرين في المجتمع متحدين في الهدف ومع الوقت تدرس للأجيال وترويها الجدات للأطفال قبل المنام فتكون حاجبا منيعا ضد النسيان ولو أنها وجدت لما كنا اليوم موبوؤون بأحزاب رؤسائها منذ ثلاثة وعشرين عاما منتصبة أمام طموح الشباب كانتصاب للات والعزى ما قبل الفتح أمام المؤمنين، بل كفزاعات الحقول في وجه الطيور..

 

أما المدارس السياسية وما أبعدها منا وأبعدنا منها فهي تلك التي تتشكل عفويا حاضنة تاريخ طويل من النضال الشريف ومؤرشفة لمئات النظريات التي حولت مجرى التاريخ في بلدها كما في أوروبا ما بين اليسار واليمين، وفي آمريكا ما بين المحافظون والديمقراطيون، وحتى في إسرائيل ما بين الليكود والعمل..

 

 

لكن هنا عندنا كل شيئ منكس أسفلا على عقب كأننا بلا عقول، فالمدارس السياسية حل محلها سرطان من الأحزاب المنشطرة تساوت مع عدد القبائل.. والمدارس الأدبية حلت محلها المبادرات الشيطانية المؤصلة لكل قبيح، بل أن لسان الشاعر في بلادنا اليوم مقيد بتوجهات القبيلة السياسية مكبل بأغلال الجهوية إذا عارضت القبيلة عارض وإذا والت والى..

 

 

وهذا ما جعل المجتمع مكبل منذ الإنقلاب الأول جامد على حاله يتخطفه النسيان، اختلطت عليه مع الزمن مظاهر التحضر مع مظاهر التخلف وقوة المبدأ مع قوة النفاق، انعكس ذالك على حياته العامة: عكسته الشوارع القبيحة، والفقر المدقع المكفهر على وجوه البؤساء، والتلصص المنتشر الذي أخذ مع الوقت إسم "اتفكريش" فصار للص المعتقل اليوم على رؤوس الأشهاد نائبا برلمانيا يتشدق عن الحقوق تحت قبة البرلمان ومرشح للرئاسيات يلقي الوعود ورجل أعمال يدوي الرصاص ابتهاجا به إن دخل قرية وتنطلق الزغاريد فرحا لخروجه من السجن وجيها في القرى وبين القبائل وكان الأولى أن يعزل عن الناس في بئر سحيق وما هؤلاء متفرقون في كل ركن من البلاد كتفرق الشوك في أغصان الشجر وكاختبائه في جيد الورد.

 

 

لما انتخب المجتمع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله عائدا للوطن بعد عشرين عاما من غيابه لا يعرف ما إذا كانت لغة البلاد لاتزال هي نفسها اللغة التي خرج من السجن ومن ثم إلى النيجر بتهمة اختلاس المال العام يحدثه بها الناس قائلين "أسكي مفكرشك".. وانتخب الإسلاميون بعدما ارتمو في حضنه مطبعا مع إسرائيل ورخصهم ومدنهم ونقلهم من كيان معزول يختبئ ويجتمع ناشطوه في أزقة الرابع والعشرين وعرفات وبان أبله إلى حزب سياسي يتحرك في النور وتنكروا له يوم تمرد عليه البوديغارد كأن لم يعرفوه من قبل مساهمين في ترسيخ ذالك التمرد، وتناسى المجتمع في أقل من عامين تاريخهم لبراغماتي الطويل اتضح أن الذاكرة الجمعية للمجتمع مطموسة وأن البلاد تحتاج إلى جيل كامل من ملايين الناس نظيف أو على الأقل له ذاكرة يتذكر بها الأحداث ويفتل منها أشرعة العبور إلى التنمية والرخاء والمستقبل..

 

 

وحين واتت زعامة المعارضة الجرأة وصلابة الوجه لتخرج على فضائيات العالم مساء التمرد على الشرعية طاعنة في الإستحقاقات التي منحتها الزعامة وجعلت لها منصبا مبوبا في الدستور وسخرها الله فرجا تفرج عن البوديغارد الضائقات كلما ضاقت عليه ليجد فيها النصير منذ التمرد ومحادثات اتفاق داكار وما بينهما من أحداث إلى مسودة الخيانة المقدمة من ولد بلال هذه الأيام، كانت جرأةٌ وصلابة وجهٍ برهانين على أن القلة الذين يذكرون في مجتمع لا يذكر تحت حكم صعلوك لا يرحم في حاضنة مرتزقة لا تخجل، ليس لهم سوى الأماني في صمت ريثما ينجلي هذا الداء ويعود المجتمع لما كان عليه من مثل وأخلاق ووطنية سياسية قبل الإنقلاب الأول ما قبل  سبعة وثلاثين عاما أو ينزل رب السماء مطرا مبارك يصلحنا به وهو خير المصلحين.

 

 

فلنأمل أن نقيم ذات يوم قبل فوات الآوان والأفق تعصبه شرور الصراعات الإثنية وظلال السواطيل وشرر الرصاص من كل اتجاه حملة علاج شاملة تعيد لنا ذواتنا وإنسانيتنا وديننا وتصرف من داخلنا النفاق والزهايمر والإحتقار والظلم الذي سكننا قرون تجاه بعضنا بعضا.. أن نتشح قاطبة بالسواد الحالك كحلكة الليل كما اتشح أول محامي في فرنسا بداية الثورة بروب أسود ليذكر القاضي بالحكم الجائر الذي حكم به على رجل ظلم أمام عينينه ورغم ذالك أعدمه فاتبعه محاموا البشرية إلى الأبد.. ليراه الحرطاني المتمرد على قرون الإسترقاق الفائتة على جسد البيظاني حداد على القيم الإنسانية التي ردمها أجداده وندما على الماضي المظلم فترتاح نفسه.. ليراه لمعلم المستصرخ للكرامة على جسد البيظاني أسفا على ردم المثل الإسلامية التي حرفها أجداده لتساير هواه.. ليراه الكوري المكلوم من سنوات الجمر علي جسد البيظاني والحرطاني ولمعلم استدعاء للتصالح والتشييد المشترك.. ليراه آزناكي المنسي ببئر التماس على أجساد الآخرين صفحة جديدة للتعايش المشترك الآمن في دائرة التكافل الإجتماعي، لا في زريبة الإبل المتوحشة في قفار الصحاري المخيفة..

 

 

لنأمل أن نحمل ذات يوم بطاقة هويتنا بلا مكان ميلاد سوي اسم الدولة.. أن نسير واثقين نحو المصير بلا خوف من عسكري أو بوديغارد يعلق على أكتافه نجوم من لبلاستيك دون استحقاق أو باستحقاق ينقض على ديمقراطية أو مسار أخرجناه للنور ويؤسس منه ثروة يكون بها علامة من علامات الآخرة الكبرى (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).. أن نؤسس موسيقى مشتركة بينا، ورقصات موحدة لنا بيظان واكور، ونشيدا يعكسنا كالجسد في الماء وكالوجه في المرآة.. أن نتحدث لغة واحدة.. أن نلبس ثويا واحدا.. أن تخرج أرواحنا للنور فترى ألوان الطيف الأربعة المقوسة في السماء عقب الغيث على حقيقتها دون غبار حتى ترى أنفسنا الأشياء الأخرى على طبيعتها، كأن ترى الشر شرا وليس "أتفكريش".. والظلم ظلما وليس " استعريب".. والحق حقا وليس " اتمربيط".. والسلام سلاما وليس " استعليم".. والدمارا دمارا "وليس اتروجيل".. والإنقلاب انقلابا سواء من خلال بوديغارد متصعلك أم من خلال تعديل دستور " يقوده مرتزقة قوطيون، وليس وطنية ولا حملة تصحيحية ولا هم يحزنون"..