جريرة ولد صلاحي

جمعة, 23/01/2015 - 13:55
بقلم: محمد محمود ولد الصيام

في العام الأول من الألفية الثالثة وبالضبط في اليوم الموافق لليوم الذي حصلت فيه البلاد على إستقلالها من فرنسا  مطلع ستينات القرن الأخير من الألفية الثانية تم تسليم مواطن موريتاني للسلطات الأمريكية في حادثة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلد .

ليس تاجر مخدرات ولامهرب أسلحة ...إنه شاب متعلم وخلوق ...

مكان التسليم مطار انواكشوط الدولي ،وكأني  بصوت جهوري مرعب يتردد صداه  في أرجاء المكان:

أهلا بك على متن الرحلة المتوجهة إلى "جحيم اغوانتنامو".

لم يكن ذلك المواطن غير محمدو ولد صلاحي الشاب المتفوق الذي طوى سنوات عدة طلبا  للعلم في المانيا قبل أن يغفل منها عائدا وبين جوانحيه   شهادة مهندس في الإلكترونيات  ويشرع في تقديم العون لبلده ومجتمعه .... والذي بمقدورنا اليوم أن نقول بأنه قد أمضي زهاء أربعة عشر عاما وهومبعد عنه قسرا وأن الشوق يكاد يعصف به لملاقاة أهل وأحبة ...

يحكي محمدو ولد صلاحي ضمن مذكراته التي صدرت مؤخرا بعنوان "يوميات اغوانتنامو"عن ظروف وملابسات ترحيله من موريتانيا  فيذكر كيف تم الإتصال به من قبل الأمن الموريتاني وإخباره لهم بتواجده  بالبيت ليتم إستجوابه فيما بعد من قبل  محققين أمريكيين داخل غرفة  تم إغلاقها بإحكام و منع على  غيرالأمريكيين  الدخول إليها .

يضيف ولد صلاحي ايضا أنه وبعد مغادرة المحققين  الأمريكيين حاول مدير الأمن طمأنته بأن كل شيء سيكون على مايرام و يلزمه  فقط  المكوث ليومين من التحقيق وبعدها سيكون في الأردن على أن يعود قريبا للديار .

 

طلب ولد صلاحي بعد أن أيقن أنه لامناص من تسليمه لقاء عائلته فجاءه الرد سلبا  بدواعي أن الأمر ينبغي أن يتم في إطار من السرية كما أنه طلب  الحديث إلى الرئيس فكان له نفس الرد .

وجد ولد صلاحي نفسه على متن سيارة  مرسيدس معتمة يقودها مدير الأمن  بإتجاه المطار وهناك كانت بإنتظاره مروحية يتولى زمام أمورها أردنيون وصل إليها عبر بوابة الدبلوماسيين لتبدأ الرحلة الفعلية صوب جحيم  معتقل "اغوانتنامو   " السيء الصيت .

الجديد في مذكرات ولد صلاحي  او "يوميات اغوانتنامو "أنها تأصيل لمقولة أن  التاريخ لايرحم  فالأمريكيون الذين تعاون معهم نظام ولد الطايع وأعوانه لم يتمكنوا من ثني ولد صلاحي عن قرارنشر مذكراته والتي جاءت لتحكي كل شيء عن معاناته والطريقة "المخجلة "التي تم تسليمه بها ...

خلال المراحل المتأخرة لحكمه أبدى الرئيس ولد الطايع  إهتماما بالغا بالأمريكيين وهو ما تم تفسيره كنتيجة للتجافي البين بينه وبين الفرنسيين أنذاك فلم يكن أمامه غير التفتيش عن  حليف بديل.

وجد ولد الطايع على  ضالته عند الأمريكيين ، بدا مستعدا لكسب ودهم دون النظر إلى الثمن ، وأصدق دليل على ذلك  تطبيعه مع الكيان الإسرائيلي وعدم توانيه ايضا عن تسليم ولد صلاحي  .

بغض النظر عن المصوغات والتهم التي  يكيلها الأمريكيون لولد صلاحي إلا أن تسليمه من الأساس أمر مشين والطريقة التي تمت بها العملية  أشبه بسيناريو فيلم هوليودي صاغته أكثر من جهة .

مواطن يٍأخذ من منزله وأمام أفراد عائلته دون أن يفكر أي واحد منهم أنه وبعد ذلك اليوم سيطول به الغياب عنهم وتعزسبل الوصل دون ملاقاتهم ،   يتم التحقيق معه من طرف أمريكيين على أرض موريتانية، تحمله بعد ذلك  مروحية أردنية، يمضي أشهرا من التحقيق في الأردن   ثم يتم الذهاب به من الأردن إلى افغانستان ومنها إلى "اغوانتنامو" حتى يومنا هذا .

لم تعكس الحكومات الموريتانية المتعاقبة منذ رحيل نظام ولد الطايع عميق إهتمام  بموضوع المعتقلين الموريتانيين في "اغوانتنامو" على الرغم من علو منسوب المناشدات والمطالب بذلك  مع العلم بأن حكومات بلدان أخرى عدة ساهمت إتصالاتها في إرجاع الكثير من مواطنيها إلى بلدانهم الأصلية .

رب ضارة نافعة  فكل ما كابده ولد صلاحي تحول بواسطة قلمه إلى  يوميات تفوق على حد تعبير جون لوكار في رؤيتها للجحيم  كتابات روائيين كبار أمثال أوريل وكافكا ، ومن المنتظر أن يتم نشر هذه اليوميات المكتوبة باللغة الإنكليزية بأكثر من ستة عشر لغة ليتم توزيعها في مختلف بلدان العالم .

لاشك أن هذا الكتاب سيكون الطريقة المثلى لإيصال صوت  ولد صلاحي المبحوح بفعل القهر الصامد رغم الألم والمرارة لأكبر قدر من الحقوقيين وأخيار العالم  خصوصا وأن قاض فيدرالي أمريكي  كان قد أصدر حكما بإخلاء سبيله قبل أربعة أعوام   إلا أن الحكومة الأمريكية قامت بإستئناف الحكم ليظل في المعتقل .

بحول الله سيستنشق ولد صلاحي وزميله  وكل معتقلي "اغوانتنامو" عبق الحرية قريبا وستودع الإنسانية بسرور منقطع النظير نعش"اغوانتنامو"إلى الأبد لكن العار يكمن في فضيحة أودعها ولد صلاحي ثنايا كتاب سيقرأ بأكثر من ستة عشر لغة عن بلد سلم أحد ابنائه يوما و ببساطة تامة لحكومة أجنبية لتسكنه "اغوانتنامو" .