متلازمة الديمقراطية والمعارضة / د الصوفي ولد الشيباني

اثنين, 08/12/2014 - 11:01

قرأت في الأيام الأخيرة مقالات تناول أصحابها ما أسموه ضعف المعارضة الوطنية وتشتتها وقوة النظام الحاكم ونجاح سياساته، ورغم أن لكل فرد الحق في الحكم على مكونات المشهد الوطني، إلا أن اختيار هذه اللحظة التي يتعرض فيها الوطن لخطر حقيقي يتهدد وحدته  ...

.. وتتنامى فيها الدعوات المتطرفة والمعالجات السطحية الخاطئة لقضايا الوطن الكبرى للتهجم على المعارضة يثير العديد من الأسئلة حول سر صدور هذه المقالات التي لا يجد القارئ صعوبة في إدراك خيط ناظم يجمعها  من حيث اللغة و الأفكار والمرامي وكأن جهة واحدة هي التي أعدتها ونسقت أفكارها، وإذا كان التزلف للحاكم و تضخيم انجازاته  والرغبة في ما عنده هي أمور تعودنا عليها للأسف لدى كثير من النخبة الداعمة للأنظمة في بلادنا، إلا أنه ليس من السهل تفهم أن يجد كاتب المتعة في التهجم على معارضة بلده ومحاولة تسفيهها والنيل من قادتها بل والافتخار بكونها <<غير وموجودة << حسب رأيه، إنه لأمر عجيب!

 إن استهداف المعارضة الوطنية في هذا الوقت الذي يحتاج فيه الوطن لكل أبناءه وتتعين مساهمة كل منهم من موقعه في التصدي للتحديات التي تواجهه يطرح سؤالا كبيرا حول مدى فهمنا وقناعتنا بأهمية المعارضة في النظام الديمقراطي، بل ويجعل قناعة بعضنا بالديمقراطية من أساسها محل تشكيك، وفي هذا المقام فإنني أود المساهمة بالأفكار التالية:

1ـ إن الديمقراطية لا تستقيم ولا تتحقق ثمارها إلا في ظل وجود معارضة قوية، فالمعارضة جزء أصيل من النظام الديمقراطي وصمام أمان له وحتى إذا لم تكن قوية فإنه ينبغي العمل على إزالة أسباب ضعفها لتلعب دورها في الدفاع عن قضايا المواطن ولتساهم في تقويم أداء الحكومة، وبدون إدراك هذه الحقيقة والعمل بمقتضاها فإن الحديث عن التمسك بالديمقراطية يظل نوعا من النفاق.

2ـ إن قوة المعارضة هي التي تمنح الحياة السياسية حيوية وتضفي نوعا من الجدية على أداء الأنظمة الحاكمة، بل إنها هي التي تدفعها إلى بذل المزيد من الجهد من اجل خدمة المواطن وتسوية مشاكله ولنا في أداء السلطة الحالية مثال على ذلك، حيث أن العديد من تدخلاتها إنما يكون في مجالات ركزت عليها المعارضة أو في أوقات صعدت فيها هذه الأخيرة مواقفها تجاهها، وقد بات المواطنون في مناطق عديدة من البلاد يصرحون بأنهم لا يلمسون اهتماما من السلطة بهم إلا بعد التحاقهم بالمعارضة أو في ظل تواجدها القوي في مناطقهم، ومع أن تدخلات السلطة في مثل هذه الحالات اقرب ما تكون إلى ابتزازا للمواطن بدل سعي شريف لخدمته، إلا أن الفضل فيها يرجع بعد المولى عز وجل لأداء المعارضة وضغطها بالدرجة الأولى( خذ مثلا برنامج أمل ،على رغم نواقصه، هل كان سيستمر بعد أن اتخذ قرار بوقفه، لولا ضغوط المعارضة وتخوف السلطة من تأثير خطابها على المواطن)، أليس ذلك من قوة المعارضة وفوائدها المهمة على الوطن والمواطن؟ ، فبأي حق يسعى بعض الكتاب بعد ذلك إلى إقناع المواطن بأن ضعف المعارضة هو إنجاز يتغنى به؟ وإذا سلمنا جدلا بأن المعارضة هزيلة ومتصارعة ومنقسمة على نفسها كما يروج هؤلاء الكتاب فما هو إذن مبرر انزعاج النظام منها ومحاصرة المنتمين لها محاصرة تصل غالبا حد استهدافهم والتمييز ضدهم على أساس مواقفهم وآراءهم على أصعدة شتى؟ وما هو المانع من الدخول معها في حوار حقيقي وجاد حول قضايا الوطن بما في ذلك تصحيح مساره الديمقراطي الذي يظل صمام أمانه في وجه التحديات والهزات التي تجتاح المنطقة بما ينهي الأزمة والاحتقان الذين تعيشهما البلاد منذ انقلاب 2008؟

3ـ إن الذين يتصورون أن المعارضة الوطنية لم يعد لها تأثير لا يدركون حقيقة الوضع، فلأول مرة يلتئم أكبر عدد من أحزاب المعارضة وهيئات المجتمع المدني والمركزيات النقابية والشخصيات المستقلة تحت مظلة واحدة هي المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة بهدف خدمة برنامج موحد لتحقيق التداول السلمي للسلطة وإيجاد حلول للمشكلات الوطنية الكبرى، وليس من الحصافة في شيء اعتبار دعوة هذا المنتدى للحوار وتمسكه بالنضال السلمي نوع من الضعف أو الفشل لا، فذلك سر قوة هذه المعارضة وهو يقربها من تحقيق أهدافها ويزيد المقتنعين ببرنامجها يوما بعد يوم ويعاظم تأثيرها في الساحة الوطنية ويزيد ضغوطها على النظام، وإذا كان البعض لا يقيس تأثير المعارضة إلا من خلال الأنشطة الاحتجاجية، وهي المسألة التي تخضع لإستراتيجية المعارضة وتقديرها لمصلحة الوطن في كل مرحلة ، فإنه ينبغي أن يدرك أن ذلك فهم قاصر للأمور.

4ـ على النظام والمدافعين عنه أن يدركوا أن استمرارهم في وصف المعارضة بأنها خطر على الوطن وسعيهم الدءوب لإقصائها وإضعافها هي أمور لا تنتمي إلى هذه الحقبة من التاريخ إلا لدى الأنظمة الاستبدادية التي تحارب تطلع شعوبها نحو الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ، ولا أريد لهم ذلك رغم أنهم، سامحهم الله ، يفضلون في اغلب الأحيان على السير في ذلك الاتجاه، وهي لا تزيد المواطن إلا تشكيكا في قناعتهم بالديمقراطية من أساسها من جهة و قناعة بدور المعارضة وأهميتها من جهة أخرى، وإنه لمن الأفضل للجميع صرف الأوقات والجهود في التقريب بين مكونات الساحة الوطنية والبحث عن حلول لمشكلات الوطن بكل أهله بدل سياسة الإقصاء والتهميش ومحاربة المعارضين،  فذلك لا يفيد شيئا ولا يبني وطنا و لا يعبر عن مسؤولية تجاه أبناءه.

5ـ إن أولويات العمل في هذه المرحلة سواء بالنسبة للنظام أو للمعارضة  لا يجب أن يكون من ضمنها محاولة بعضهم إلغاء الآخر أو تبديد الجهود في الصراعات البينية، بل إن تركيز الجميع يجب أن ينصب على مواجهة التحديات الكبرى التي يواجهها الوطن وما تحمله من مخاطر على مستقبله، وفي هذا السياق فإن الرهان الحقيقي لدولة تريد أن تسير نحو الديمقراطية والاستقرار لا يكون على إضعاف المعارضة و التهجم عليها وتسفيهها وإقصاءها والتغني بقوة النظام و<<نجاحاته<<، وكل ذلك سهل للأسف على كثير من أبناء هذا البلد، بل إن الرهان يجب أن يكون على بناء توافق وطني تكون المعارضة، بغض عن من فيها ،جزء فاعلا فيه وصمام أمان له، وقد بات جليا أن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بإطلاق حوار شامل يتم التوافق من خلاله على منهجية لإدارة البلاد ومعالجة مشكلاتها الكبرى المتعلقة بحماية مقدساتها والحفاظ على وحدة مكوناتها وسلامة أراضيها وتحقيق العدالة والكرامة والإنصاف لكل أبناءها ومحاربة ما تشهده من تطرف ودعوات فئوية وعنصرية تتم تغذيتها بوعي أو بغير وعي، وهي التحديات التي تنامت للأسف في ظل النظام الحالي أكثر من أي وقت مضى، ورغم أن تحقيق ذلك التوافق هو مسؤولية الجميع، إلا أن النصيب الأوفر من  المهمة يقع على عاتق النظام الذي عليه أن يبادر دون تردد ولا عناد ولا تأخير إلى اتخاذ خطوات جادة وملموسة في هذا الاتجاه.