التنوع الثقافي و الوحدة الوطنية

اثنين, 19/01/2015 - 12:37

ألفا ولد الشيخ ولد شماد

كثر الحديث في هذه الأيام و الأسابيع و الأشهر والسنوات الأخيرة عن الوحدة الوطنية في موريتانيا هذا البلد الذي يتميز بتعدد قومياته و بتعدد ثقافاته، فكان لابد لمن يهمهم الأمر سواء من الناحية القومية أو الثقافية ( بيت القصيد) أن يدلوا بدلوه حتى يعبر عن ما يجول في مخيلته الموريتانية.

ففي موريتانيا مثلها في ذلك مثل بعض الدول الإفريقية فان هذه الكلمات هي كلمات غالبا ما تطلق في مهب الريح تارة وتارة هي كلمات يتزايد عليها الساسة.

فحسب قاموس لاروس فان الشعب هو عبارة عن : (مجموعة من البشر تعيش في نفس المجال الجغرافي لها أصل و تاريخ و ثقافة و تقاليد و في بعض الأحيان لغات و تشكل مجموعة سياسية).

ومن جهة أخرى يمكن تعريفها على أنها:( كيان مثالي مجتمع غير قابل للتقسيم يتميز بأفراده وله سيادته).

ومن خلال التعريف الأخير يتضح التداخل الكبير بين مفهومها و بين مفهوم الدولة.

وتعرف الوحدة على أنها: ( ميزة الشيء الواحد والأحادي الذي لا يقبل التقسيم) كما انها تعرف على أنها:( ميزة الشيء الذي يكون مجموعة واحدة حيث جميع أجزاءه تعمل مع بعضها البعض لتكون مجموعة غير قابلة للتقسيم).

إذا فان مفهوم الوحدة الوطنية بالرغم من سهولته لناظره في أول وهلة مفهوم معقد و يستدعي بحث معمق ودراسة يقينية لما يكمن وراء هذه الكلمات، و ذلك لأنه مركب من كلمتين تجعل من وضعهما في قالب واحد أمر يستدعي التفكير، نظرا الى أن الشعب يعرف بوحدته أو بمعنى أخر لا يوجد شعب بدون وحدة.

ونظرا للتنوع العرقي و اللغوي و الثقافي للشعب الموريتاني و المنظومة السسيولوجية  تجعل من وحدة هذا الوطن أمر يحتاج الى تكاثف الجهود بين مختلف شرائح المجتمع.

وفي نفس السياق فان المنظومة السياسية تعتبر مجموعة من الأشخاص تتقاسم نظرة موحدة من اجل الوطن هدفها استقطاب الجمهور، الا أن هذه المنظومة السياسية فشلت على الأقل حتى اليوم في توحيد وجهة نظر تخدم الوحدة الوطنية في البلد.

وانطلاقا من تعريف الوحدة الوطنية يظهر جليا أن السياسة المتبعة في البلد انما تقوم على أدلة واهية لا تقدم أي دليل واضح على أساسه يتم بناء تلك الوحدة على العكس بل وان جميع الأطياف السياسية تلعب على وأد مشروع هذه الوحدة.

فالمنظومة السياسية في موريتانيا إنما تقوم على تجذير القبلية في المجتمع، والأمثلة لا تنتهي في هذا المجال فكلما ظهرت مجموعة اجتماعية أو حقوقية أو عمالية أو أي مجموعة مهما كانت تطالب بحقوقها التي يضمنها لها القانون تقوم بعض الجهات السياسية و تخلق منها مسألة قبلية ضاربة  بعرض الحائط كل مقومات الوحدة الوطنية، لا لشيء سوى اشباع رغباتهم للوصول او المحافظة على السلطة وهو ما ينم عن فشل المنظومة السياسية في موريتانيا. أو بمعنى أخر عجز الدولة عن خلق اطار ايديولوجي و اخلاقي وحتى هيكلي يعزز الأمل في خلق وحدة وطنية حقيقية.

فمن أجل وجود وحدة وطنية في بلاد كموريتانيا يتميز بتنوعه الثقافي يجب البدء أولا بضمان المساواة بين أفراد المجتمع للولوج إلى الخدمات العمومية، خدمات الصحة، التكوين، الشغل و العدالة الى أخره من المستلزمات المعيشية الضرورية.

وبناء عليه فان الوحدة الوطنية و مكوناتها الأساسية هي أشياء ملموسة ومعاشة و لا يمكن تحقيقها إلا إذا كان المصير مصير مشترك، أي أنه من الواجب علينا من أجل ترسيخ مشروع وحدتنا الوطنية تأميم ( إن صح التعبير) الأعراف و العلاقات الاجتماعية وهو ما يتطلب من مثقفينا إحياء الذاكرة الجماعية أي بمعنى أخر إضفاء الصيغة الرسمية على هذه العلاقات من دون تشويه حزبوي لمعالمنا التاريخية التي يتمتع بها تراثنا الثقافي الغني بشتى أنواعه.   

وفي الأخير ان كان شبابنا يريد التقدم والازدهار لموريتانيا فعليه بفعل إرادته إيجاد إطار قانوني لهذا الحلم و الذي هو التعايش السلمي بدون تمييز في هيكل هذه الفسيفساء القبلية العرقية والتي هي موريتانيا. ومن هنا سيطرح سؤال نفسه: ماذا سنفعل؟ و للإجابة على هذا السؤال يجب أن لا ننسى أن مستقبلنا لنا نحن و ليس لغيرنا ومن اللازم علينا أن نشارك جميعا في بناء مستقبل هذه البلاد، أما إذا تركناه لغيرنا فلن يكون لنا الحق في نقد ما لا يعنينا.

فالوحدة الوطنية الموريتانية لا يمكن أن تكتمل أو أن تناقش بأي شكل من الأشكال في ظل غياب أحد اطراف دعائمها ( البيظان، الحراطين، الولوف، البولار و السونونكى).

فكل ثقافة من هذه الثقافات تتميز في حد ذاتها عن الأخرى الا أن لها قاعدة صلبة مشتركة ألا وهي الإسلام و الذي جاء ليوحدنا لا ليفرقنا.