عندَما يتحدّث شيخُنا Steven Spielberg

ثلاثاء, 02/02/2016 - 17:44
بقلم:  محمد عبد الرحيم (الصورة لقطة من فلم إنقاذ الجندي رايان)

عندَما يتحدّث شيخُنا Steven Spielberg فالإنصاتُ والتفكرُ والتعلّم أولى.. في هذا "المشهدِ " خلاصةُ فيلم Saving Private Ryan: الرسالة التي سيرسِلها الجَيش الأمريكي إلى أم فقدَت أبناءها الثلاثة في الحربِ العالمِية الثانية، حيثُ وجد قادَة الجيشُ أنفسهم أمام ثلاثةِ تلغرامات تحمِل أسماء الإخوة الثلاثة في طريقِها لترسلِ إلى أمهم، ولأن وقعَ الصدمةِ عليها عندَما يصلها خبر موتِهم جميعا سيكون -حتما- مدمرا لها، يقررونَ إرسال القائِد جون ميلر الذي يؤدي دورَه الفريد Tom Hanks مع ثلّة من الجنود في مهمَة خلف خطوط العدو للوصولِ إلى الأخ الرابع جايمس رايان الذي يؤدِي دورَه الرائِعُ Matt Damonوتأمينه حتى يعود إلى أمه حتى لا تخسر ولدا رابعا.. في أثناءِ الفيلم قصصُ إنسانِية كثيرة مليئة بالصدقِ والشجاعَة والصبرِ وبالتردد والضعف والشك، في ظروف حربٍ هي الأقسى في التاريخ الحديث، يخوض جون ميلَر ورفاقَه في مهمّة صعبة وشاقة ماتَ في نهايتِها ستة منهم بما فيهم القائد، لكنّهم وصلوا إلى الجندي رايان وأمنوه حتى عادَ سالما إلى أمه، في هذا الفيلم واحدٌ من "أفضل" -واستخدام الكلِمة هنا مهني بحت- وأشنَع مشاهِد الحرب في تاريخِ السينما، مشهَد احتلال الشاطئ الذي ربما لا يفوقُه إتقانا إلا رائِعة فرانسي كوبولا في فيلم Apocalypse Now .. الفيديو المرفَق يحوي "اللقطَة" التي نشرتُ عنها سابقا، لقطة تحول جايمس رايان من عشريني في ساحةِ المعركة إلى سبعيني يقِف عند قبر القائد الذي جاءَ لانقاذه.. وإذا أراد أحدُكم أن يفهَم "عمقَ" وجمال وإتقان ما أتحدث عنه فليشاهد الفيلم كاملا.

ولتوضيحِ بعض جمالياتِ هذا المشهد: 
1- لاحظوا الاستخدامَ المتقَن حد الإحسان للموسيقى، حيث استطاعَ المخرجُ نقلَ اللحظةِ بكل دقة دون الحاجة إلى أي كلام، فقط كاميرا تتحرك دائِريا بدقّة متناهية وموسِيقى عذبة جدا ومناسِبة جدا للانتقال السلس الأخاذ.
2- طبيعة التكوِين البصري لبداية المشهدِ ونهايتِه: في البدايَة جنودٌ يجرونَ في كل ناحية بعدَ معركَة طاحنَة، وفي النهايَة سكونٌ تام وقبور تتحدث عن حجمِ الفارق بينَ البداية والنهاية، بين الحياة بشرف والموتِ بسلام.
3- حركَة الكاميرا، من أسفلَ لأعلى ومنَ اليسارِ لليمينِ في اتجاه دائِري ابداعِي، ينقلُ المشاهدَ من زاوية نظرِ الجندي العشريني إلى ما قدّم في الحرب وتفاصيل وجهِه تحكي قصته، إلى زاوية معاكسَة تماما تنقُل -من الخلف- ما هو مقبلٌ عليه ذلك الكهل الذي يقفُ على حافةِ حياتِه الأخرى وينظرُ بهدوء إلى القادم.
4- لا يمكِنكم بطبيعة الحال إغفال أهم عاملٍ قوة في اللقطة، الانتقال من الشباب إلى الشيب، الذي جمعَ تقريبا كل الصنوفِ الأساسِية للتكوِين السينمائِي الإبداعي: التصوير، إدارة الممثل، المكياج، تصميم الملابس، الإضاءة، استخدام الزوايا بعمق، الأصوات، الموسيقى، تعابير الوجه، حجم اللقطة.. وكل ذلكَ له خيط رابطٌ واحد: الإخراج بإحسان لستيفن سبيلبرغ.