لَمَحاتٌ مِنْ تَارِيِخِ قَرْيَةِ تِنِيـگِي

أحد, 20/12/2015 - 12:24

إعداد الأستاذ محمد يحيى بن احريمو

تأسست قرية تنيگي في  أواخر القرن السادس الهجري بعد حين من سقوط دولة المرابطين، تلك الدولة التي ينتمي مؤسسوها إلى أرومة عزها وبيت رئاستها  قبيلة " لمتونة"     

وتعتبر قرية تنيگي من أهم  المدن التاريخية الموريتانية الغابرة التي شهدت ازدهارا علميا  وعمرانيا هاما ما يزال تاريخه بحاجة إلى الدراسة والتمحيص .

تقع قرية تنيگي في منطقة آدرار وتبعد عن مدينة انواكشوط  حوالي  600كلم إلى الشمال الشرقي   وتقع قريبا من خط العرض 20درجة و27 دقيقة و10ثوان من العروض الشمالية وعلى خط الطول 12 درجة و21دقيقةو45ثانيةغرب خط "كرينتش".

 

 وقد تم اختيار موقعة من طرف مؤسسيها بعناية تامة فهي تقع على  ضفة واد كبير هو الوادي  المسمى فيما بعد بـ "ارغيوية "،  ومن المرجح أن هذا الوادي كان في القديم يحتوي على مياه غزيرة دائمة طوال العام،مما يجعلها منطقة زراعية بامتياز، كما أنها تقع كذك  على الطريق التجاري المعروف  " بالطريق  اللمتوني  " الرابط بين  درعة وسجلماس في المغرب وبين منطقة آدرارفي موريتانيا ، مرورا بالمجابات الكبرى،  ولهذا كان لأهل تنيگي دور هام في التجارة عبر الصحراء وتسيير القوافل، وكان لهم نشاط تجاري واسع خصوصا في جنوب المغرب والجزائر،وفي المناطق المحاذية لنهر السينغال ،ولدينا شواهد عديدة على هذا الأمر يضيق المقام عن ذكرها  .

 

وقد ورد أول ذكر مكتوب لقرية تنيگي في رحلة  البرتغالي " فالانتيه فرناندوس "، الذي دون مجموعة معلومات نقلها عن بعض المستكشفين والرحالة الذين   زاروا  شواطئ الأطلسي سنة 850هـ وقام بجمع بعض المعلومات عن منطقة آدرار وموريتانيا عموما وقد تحدث عن قرية تنيگي باعتبارها إحدى أهم قرى منطقة آدرار(ملخص  رحلة فرناندوس البرتغالي  ترجمة المختار بن حامد في الجزء الحياة السياسية الموريتانية)  .

 

وتجمع المصادر التي تحدثت عن تنيگي على أنها كانت قرية آهلة بالسكان وافرة الأسواق تعج بمختلف أوجه النشاط العلمي والتجاري والاقتصادي الهام.

يقول الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي في الرسالة الغلاوية : " إنها كانت قصرا مشيدا " (الرسالة الغلاوية للشيخ سيدي محمد الخليفة ص 251 ط مؤسسة مربيه ربه المغرب) ويقول أحمد بن الأمين الشنقيطي في الوسيط في كلامه على جغرافية منطقة آدرار :" تنيگي وهي مدينة مشهورة وكانت من مدن آدرار المعتبرة فيما مضى وكانت بها دور ونخيل ولم يبق منها اليوم إلا الأطلال وجذوع النخيل "( الوسيط ص 340).

اما العلامة المؤرخ الكبير المختار بن حامد فيقول عنها : " ولما وضعت حرب المرابطين أوزارها أسس تجكانت قريتهم "تنيگي" في القرن السادس الهجري وأقاموا بها قريبا من أربعة قرون في غاية ما يكون من العمارة والدين والعلم والمال والعدد ".( ابن حامد موسوعة حياة موريتانيا ج5 ص 10) .

 

تنيگي والتأسيس للتقاليد العلمية في موريتانيا

 عرفت  قرية تنيگي بكثرة  علمائها و ازدهارها الثقافي والعلمي  وهو أمر سارت به الركبان ونسجت حوله الحكايات والقصص المستغربة.    

ومن أشهر ذلك الرواية التي تقول " إنه كان في تنيگي أربعون جارية فارقة تحفظ الموطأ " وهي رواية مشهورة أوردها الشيخ سيدي باب في رسالته " تاريخ إيدوعيش ومشظوف " نقلا عن العلامة المتبحر والشيخ المعمر أفلواط بن محمدُّ بن المختار بن أحمدن ألفغ الجكني الذي أدركه الشيخ سيدي باب مطلع القرن الرابع عشر وهو إذ ذاك شيخ كبار قد جاوز المائة، وأدرك كثيرا من الشيوخ والأكابر من أمثال المختار بن بونا والشيخ سيديا ومحنض باب بن اعبيد  وغيرهم  .

ومنها رواية أخرى نقلها الأستاذ المختار بن حامد عن العلامة  اباه بن محمد الأمين اللمتوني، وهي أن أكثر البلاد يومئذ علما قرية تنيگي ومدينة القاهرة .

وقد شاعت هذه الحكايات  وتداولها الناس شرقا وغربا وهي  وإن كانت لا تخلو من نوع مبالغة  -  فإن لها قيمة ودلالة رمزية لا يمكن إهمالها، كما يقول علماء الاجتماع في تحليلهم لعناصر الأسطورة، فهي ليست إلا صدى لواقع ثقافي قديم و تعبيرا عن ماض مجيد شهدته هذه القرية  .

إن هناك شواهد كما ذكرنا توحي بدور كبير لقرية تنيگي في التأسيس للثقافة الإسلامية والتقاليد العالمة في هذه البلاد، ومن بين هذه الشواهد أن أول ذكر معروف  لمصطلح " المحضرة "  قد عرف فيها حيث نجده مرتبطا باسم أحد العلماء المشهورين الذين عاشوا في هذه القرية وهو المختار بن الطالب أند عبد الله المعروف " بالطالب محضرة " وقد عاش في القرن العاشر الهجري .

و مصطلح " المحضرة " هو مصطلح أندلسي انتقل من الأندلس إلى المغرب ومن المغرب إلى موريتانيا وقد كان يعني في المغرب والأندلس المدارس القرآنية الابتدائية التي يتعلم فيها الصبيان القرآن الكريم بينما تم تعميمه في موريتانيا فأطلق  على جميع  المدارس العلمية بمختلف مراحلها وتخصصاتها    .

ومعروف أن لهذا المصطلح مكانة كبيرة ودلالة خاصة  في ثقافة هذه البلاد وفي تاريخها  العلمي، فالمحاضر هي جامعات بدوية متميزة حافظت على هوية البلد وحفظت علوم أهل الإسلام في هذا القطر وتطوع  القائمون عليها بأداء  وظيفة التدريس والإفتاء والقضاء وغيرها من الوظائف والمصالح العامة التي هي من اختصاص الدولة .

وقد خلد المحضرة  أحد العلماء المنحدرين من هذه القرية في أبيات سائرة  وهو العلامة الكبير المختار بن بونا رحمه الله تعلى حيث يقول :

   ونحن ركب من الأشراف منتظم***أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا

   قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة *** بها نبين دين الله تبيانا

 

ومن جهة أخرى فقد عرفت قرية تنيگي ازدهارا فريدا  لمؤسسة القضاء التي كان لها دور هام في المدن والحواضر الصحراوية في تلك الفترة  حيث كان القاضي كما معروف يمثل منصب " شيخ الجماعة " أي رئيس جماعة أهل الحل والعقد التي تنوب عن السلطة التنفيذية في حال غيابها  كما هو معروف في الفقه المالكي.

 

ومن مظاهر ذلك وجود عدد من العلماء والقضاة الذين اشتهروا بلقب " القاضي" فلا تذكر أسماؤهم إلى اليوم إلا مقرونة بهذا اللقب ومن هؤلاء :

القاضي يعقوب بن القاضي يحيى بن رمضان عاش في القرن الثامن الهجري (14الميلادي ) أثنى عليه  الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي في الرسالة الغلاوية وقال عنه : " إنه كان علامة لبيبا ..    ".
القاضي يرزق  بن محمد بن الحسن بن يوسف وابنه القاضي علي وحفيده القاضي محمد.

ومعروف أن هناك  قضاة اشتهروا بصفة القضاء في التاريخ الإسلامي،  من أولهم:  القاضي شريح، ومن بعده اشتهر به جماعة من العلماء من مختلف التخصصات والمذاهب العلمية ، مثل قاضي بغداد :  أبي بكر الباقلاني إمام أهل السنة في علم الكلام، والقاضي إسماعيل البغدادي المالكي،  والقاضيين:  أبي بكر بن العربي وعياض من مالكية الأندلس والمغرب ،  والقاضي أبي يعلى من الحنابلة، والقاضي أبي الطيب من الشافعية، وغيرهم... .

وكثيرا ما يقترن اسم القاضي بمن اشتهر بالعدل وصناعة القضاء، مثل القاضي شريح المشتهر بحكاياته في هذا المجال .

ومما لاشك فيه أن  تحلية  هؤلاء العلماء بالقضاء وشهرتهم  على قدم العهد وطول المدى دليل قاطع وقرينة واضحة على أهمية منصب القضاء في قرية تنيگي واشتهار قضاتها في تلك العصور وما كان لهم من منزلة وصيت .

 ومن جهة أخرى فإن من أقدم الشعراء المعروفين في موريتانيا  محمد بن المسلم الديشفي وهو من أهل قرية تنيگيوقد عاش في القرن الثامن الهجري  و له قصيدة في مدح الفقيه عثمان المحجوبي عالم قرية " ولاتة " في عصره  أوردها الطالب أبو بكر المحجوبي في " منح الرب الغفور " ومطلعها :

إذا كنت جوالا على الأرض تبتغي    منازل بعض الصالحين ذوي الذكر 

عليك بعثمان الفقيه ورهطه             وإخوانه الغر الأكارم من فهر

وهي  تعتبر من  أقدم الشعر المحفوظ في موريتانيا.

وقد حفظ لنا التاريخ كذلك أسماء بعض المشائيخ الصالحين والمتصوفة من أهل  قرية تنيگي ممن نالوا شهرة وسمعة واسعة في مختلف أنحاء هذه البلاد ، ومن هؤلاء الشيخ سيدي محمد بن سيدي علي الكنتي الكبير ( ت حوالي 820)  والذي كان عالما كبيرا وصالحا زاهدا مربيا وقد كانت له صلة قوية بقرية تنيگي وكان يقطن بها  في بعض الأحيان وقد ترجم له حفيده  الشيخ سيدي المختار الكنتي وأثنى عليه بالعلم والصلاح وقال عنه الشيخ سيدي محمد وفيه يقول الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار من أبيات له يستطرد فيها بعض مناقب أسلافه  :

 

         والوالد الجد الأعلى من ختمت به   @ @   نظم العلوم ونشر السر أبداه

          وشيخنا السيد المختار والدنا  @@ من أمه الحجر الأصمى  وحياه

وكذلك  ابنه الشيخ سيدي أحمد البكاي المتوفى سنة 920هـ  الذي كان عالما صالحا مربيا كثير التلامذة والمريدين .

ومن المشائيخ  والمتصوفة الذين عاشوا في قرية تنيگي كذلك:   المستحي من الله  بن سيدي علي الذي  عاش في القرن 8 الهجري   قال عنه ابن حامد في موسوعته : " إنه كان فقيها صوفيا مربيا صاحب كرامات وسياحات "، ولمكانته الصوفية أُطلق عليه هذا اللقب المشعر بالورع والنسك، وهو الجد الأعلى للعلامة الكبير المختار بن بونا .

 

عرفنا إذا أنه كان من أهل  تنيگي جماعة من أوائل الشعراء والقضاة والمدرسين ومشائيخ التصوف المعروفين في هذا البلد وهذا ما يجعلنا في صورة الازدهار الثقافي والعلمي الذي عرفته .

ومن بين العلماء الذين عاشوا في قرية تنيگي وحفظ لنا التاريخ أسماؤهم نذكر الأسماء التالية :

1- سيدي المختار الدراوي بن يعقوب الجكني ولد بقرية تنيگي ونشأ بها ثم انتقل إلى وادي درعة واستقر به وقد كان عالما كبيرا فقيها محدثا وما تزال لدينا  نسخة من صحيح البخاري كتبها بخطه وهي في غاية ما يكون من الحسن والتحرير والضبط .

2- سيدي المختار الشواف بن الطالب حبيب الله بن الوافي الجكني  قال عنه ابن حامد: " كان علامة مشهورا بكراماته وبركاته. تهابه اللصوص وتخافه الأعداء. فلذلك طالبوه بتغيير علامة ماشيته ليتجنبوها. فغيرها إلى الورك الأيسر بدلا من شق الرقبة الأيمن"

3-  أندكسعد التاشدبيتي ( ت حوالي سنة 1040ه ) عالم مشهور هاجر من تنيگي إلى منطقة القبلة التي اشتهر بها

 4- سيدي محمد المحجوب الجكني ( ت 1102ه ) ولد في قرية تنيگي ونشأ بها ثم حج وطلب العلم في المغرب  وجاء ببعض الأسانيد والإجازات العلمية وأخذها عنه علماء شنقيط وتشيت وغيرهم .

5- محمد سعيد المجلسي جد أسرة " أهل محمد سالم " أصحاب المدرسة المشهورة التي خرجت أفواجا من العلماء وعرفت بوفور نشاطها العلمي تدريسا وتأليفا .

ولعل في هذا ما يعطينا فكرة عن بعض ملامح التاريخ الثقافي لقرية تنيگي وهي معطيات كانت مجهولة إلى وقت قريب  .

                          

 وفي أوائل أواخر  القرن الحادي عشر شهدت تنيگي قلاقل واضطرابات،  أدت إلى نزوح سكانها واندثارها بالكامل، وكان خرابها حوالي سنة  1055هـ  حسب رواية شيخنا  العلامة محمد عبد الله بن الإمام رحمه الله التي تؤيدها قرائن عديدة .

 

خربت  تنيگي وهاجر سكانها إلى مختلف مناطق موريتانيا وهاجر بعضهم إلى المغرب والجزائر ومالي والسينگال،  ولكنهم مع ذلك ظلوا متشبثين بالانتماء إلى هذه القرية، فهي في الحقيقة رمز وحدتهم وأصالتهم وقد أشار إلى ذلك العلامة الأجل سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي – وهو من أوثق العلماء صلة بهم -  في بعض أحكامه القضائية  .

وقد شملت هجراتهم معظم مناطق الصحراء والساحل، إضافة إلى معظم حواضر وقرى المغرب، ومنقطة تيندوف، واتوات في جنوب الجزائر، وأزواد وغيرها، وما زلنا إلى اليوم نكتشف من  آثار هذه الهجرات ما لم نكن نعرفه من قبل، ومن آخر وقفت عليه من ذلك قرية " دُوّار تجكانت"، في منطقة " حوز مراكش"، التي تأسست في القرن 19م على يد سكان قدموا قبل ذلك من تنيكي، ومجموعة   "اولاد  سيدي أعمر  بن غفير" الذين اندمجوا قديما في طبقة " المرابطين- الزوايا"في  اتوات، وخفي أمرهم، وقد وجدت ذكرهم في بعض وثائق العلامة أحمد بن الحاج الرقادي الكنتي.

  وقد رثاها الشاعر عبد الرحمن بن  أفلواط بن محمد ُّ رحمه الله تعلى بأبيات يصور فيها هول الفاجعة ويبين أنها كانت نتيجة صراع أهلي بين ساكني القرية  فقال :

تينگي قومي بإذن الله قائمة *** قد ينشر الله أقواما وإن ماتوا

فالله أفناك يوما لا مرد له *** وسوف يحيك والأيام تارات               
ذووك أقوام حرب خربوك بها *** فالشمل منك بأيدي القوم أشتات
أيديهم قطعتْ أيديهم سفها*** لا عار ما لعدو فيك إشمات

أما العلامة  المختار بن الأمين بن المختار المحضري (تـ حوالي سنة 1250هـ )  فقد خلد ذكر قرية تنيگي في قصيدة قالها وهو في المغرب أثناء رحلته إلى الحج حيث سأله بعض المغاربة عن  موطنه  ومن أي قرية هو ؟ بعد قرون من خرابها  فأجاب قائلا:

ما للغرائب نصب عين الواني ****  بل من تغرب نازح الأوطان 
لا غرو إلا ما يسائل صاحبي *** مستخبري هل لي من عمران ؟
فإذا سألت سعيد عني إنني  *** من معشر غر ذوي تيجان                                                              
 لم أستطب شنقيط يوما لا ولم أك *** قاطنا بالشم من وادان                                                                        
تشيت لم تك من منازلنا ولا *** بولاتة القصوى وقيت الشاني                                                                   
 أ أخا السعادة والجديد إلى البلى *** مصري تنيگي الشامخ الأركان                                                             
 قصر مشيد كان محترما لنا   **** فيما مضى من غابر الأزمان                                                                     
 والآن نحتل الصحاري بعدما ***   ألوى الزمان بغصنه الفينان    

إلى أن يقول منوها ببداوة قومه وفصاحتهم: :

                                                          

تركوا الرُّطانة للحضارة لا ترى ***  إلا فصيحا حميريَّ لسان

 وفي الختام فإن على  وزارتي  الثقافة والسياحة   الاهتمام بالمدن المندثرة مثل تنيكي ،وأوداغست، وكونبي صالح ،وأزوكي، وتنظيم زيارات استكشافية لها،  وإيجاد برامج ومشاريع تسعى للتعريف بها ونفض الغبار عن تاريخها، وإعادة بناء بعض معالمها كالمسجد والسور، وتشييد نزل لاستقطاب السواح،

 والله الموفق.  

تنويه

نشر هذا المقال سنة 2012م وأعيد نشره الآن بمناسبة انعقاد  " مهرجان المدن التاريخية"، في ودان.