الشيخ سيديَ بابَه وموقفُه من نازلة الاستعمار (ح5)

ثلاثاء, 06/01/2015 - 17:01

 

(حقائق - تساؤلات - تحليلات - تصويبات - وثائق)

أحمد بن هارون ابن الشيخ سيديَ

ahmedharoune@gmail.com

الحلقة الخامسة: الأسس الشرعية لموقف الشيخ سيديَ بابَه (تابع).

طاعة المتغلِّب الكافر الذي لا يتعرّض للدِين؛

مسألة الموالاة والمُوادَّة؛

فصلٌ في أحكام الجهاد؛

فصلٌ في أحكام الهجرة؛

مسألة الحرابة وأولوية علاجها في هذه البلاد؛

خاتمة.

طاعة الكافر المتغلب الذي لا يتعرّض للمسلمين في دِينهم:

مقدمة:

يقول الإمام العلامة المفسر الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكنىُّ  الشنقيطيُّ، في جوابه للسائل عن حكم تولية الكفار المحتلين بلاد المسلمين بعض المسلمين على بعض:

«وأما إن كان المسلمون الذين تغلَّب عليهم الكفار لا صريخ لهم من المسلمين يستنقذهم بضمهم إليه, فموالاتُهم للكفار بالظاهر دون الباطن لدفع ضررههم جائزة، لنص القرآن العظيم، وهو قوله تعلى "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة"؛ وكذلك توليتهم بعض المسلمين على بعض في الجاري على أصل مذهب مالك ومَن وافقه من أن شرع من قبلنا شرع لنا إن ثبت بشرعنا إلا لدليل يقتضي النسخ.

وإيضاح ذلك أن نبي الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام طلب التولية من ملك مصر وانعقدت له منه وهو كافر كما قال تعلى حكاية عنه "اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم"، فلو كانت التولية من يد الكافر المتغلب حراما غير منعقدة لما طلبها هذا النبي الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم من يد الكافر ولما انعقدت له منه, ويوسف من الرسل الذين ذكرهم الله في سورة الأنعام بقوله: "ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف" الايةَ, وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم حيث قال له بعد ذكرهم، عليه وعليهم صلاته وسلامه، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده"، وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم أمر لنا لأن الخطاب الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم يتناول الأمة من جهة الحكم، لأنه قدوتهم إلا ما ثبتت فيه الخاصية بالدليل على ما ذهب إليه أكثر المالكية وهو ظاهر قول الإمام مالك»[1] .انتهى كلام الشنقيطي.

وبما أن الموضوع هنا علميٌّ شرعي لا يُلتفت فيه إلا لآراء وترجيحات العلماء المجتهدين، وطويلٌ للغاية، فقد يكون الأنسب فيه هو الاقتصارَ على الأدلة التي قدمها الشيخ سيديَ بابَه، دون أي تعليق عليها أو تعرُّض للأقوال الأخرى المطابقة لها أو المنافية.

وغنيٌّ عن الذكر في هذا الصدد، أن ما جاء في فتاوى ورسائل الشيخ سعد أبيه بن الشيخ محمد فاضل من أدلة متينة كانت كلها تصبُّ في نفس الاتجاه. وقد دارت بين الشيخين: سيديَ بابَه وسعد أبيه مراسلاتٌ وتقاريظ معروفة. والشيخ سعد أبيه هو مَن هو عِلما وفضلا وشهرة ونشرا للتعاليم الإسلامية والأخلاق الراقية جنوبَ الضفة وشمالَها. كما أن فى تلاميذه وتلاميذ تلاميذه من العلماء والفضلاء ما لا يعلمه إلا الله.

ومن التآليف العظيمة والصريحة في هذا الاتجاه أيضا، رسالة طويلة نسبيا للشيخ النعمة بن الشيخ التراد بن الشيخ الحضرمي بن الشيخ محمد فاضل، سماها: "النصيحة لأهل الحوضْ في التحذير من مساعدة من اشتغل في الهرج والفساد والخوضْ وتركِ سياسة دنياهُ وما يليق بالعروضْ" [2]. ويبدو، للأسف، أن كثيرا من الباحثين لا يعلم بوجودها.

آراء الشيخ سيديَ بابَه في طاعة الكافر المتغلب:

جاء في رسالته الموجَّهة إلى العلامة سيدي محمد بن أحمد بن حبَتْ ما نصُّه:

«وقد عُلم ما نَصُّوا عليه من احتمال بعض الضيم للمصلحة أخذا من قضية صلح الحديبية، إذ صالحهم صلى الله عليه وسلم على رد من جاء مسلما وهم يعذبونه ليردوه إلى الكفر نظرا منه صلى الله عليه وسلم إلى مصلحة أعظم. وانظر إلى إرسال إبراهيم عليه الصلاة والسلام بسَارَة إلى الجبَّار. وكلا الأمريْن في صحيح البخاري وقد تكلم عليه الحافظ في فتح الباري؛ ونصوص الفقهاء طافحةٌ بهذا المعنى في عَقد الجزية ونحوه.

وأما أمر الاصبنيول (الإسبان) في الأندلس فحالُ النصارى إذْ ذاك خلاف حالهم الآن، فقد تقرر في قوانينهم المتفقِ عليها بينهم منذ حين عدمُ التعَرُّض لأحد من أهل الأديان، كائنا من كان، وأن من تعرّض لصاحب دين من المسلمين أو غيرهم يُعاقب عقوبة شديدة. وقد شاهدنا مصداق ذلك؛ وقد رأينا من أسلم من الفرنسيين وغيرهم في انْدَرْ وانْدَكَار لا يعرضون له بقليل ولا كثير، بل يكادون تكون النصرانية وسائر الملل عند جمهورهم الآن سواء. بل عوْنُهُم على إظهار شعائر الإسلام ببناء المساجد وإقامة الأئمة فيها والمؤذنين والقضاة والمدرسين وإجراءُ أرزاقهم من بيت مالهم كلَّ حين أمر مشهور. وغير مستحيل على الله تعلى وقدرته أن يؤيد دينه بالمخالفين أو يقودهم إلى الدخول فيه، كما فعل بالديلم والسلجوقيين وبني عثمان. والله على كل شيء قدير»[3].

ويقول في رسالته الموجهة إلى أهل السنغال وغيرهم من أهل إفريقية الغربية:

«أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله العظيم واتباع سنة نبيه محمد عليه وعلى آله الصلاة والتسليم، وبطاعة هذه الدولة الفرنساوية ونصيحتها، فقد أصلح الله تعلى بها البلاد ورحم العباد وحسم الفساد بعدما تطاول قرونا وافْتَنَّ فُنونا. واعلموا أن هذه أمور يغلط فيها كثير من الناس ويعتريه فيها التباس ووسواس. منها أن طاعة الأمراء خاص بالمسلمين منهم، وذلك إنما هو في حالة عدم التغلُّب. وأما عند التغلُّب فتجب طاعة مَن تغلَّب كائنا مَن كان، كما في البناني أولَ بابِ الباغية، وشرحِ سعد الدين لمقاصده في الكلام على شروط الإمام وغيرهما. وانظروا إلى قوله تعلى: "إلا أن تتقوا منهم تقاة" وإلى قوله تعلى: "إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان"، وإلى ما في صحيح البخاري أيضا من إرسال خليل الله عليه الصلاة والسلام بأهله إلى الملك فعصمها الله تعلى منه. والمدار على المصلحة فما كان أصلح فهو المطلوب شرعا»[4].

ويقول الشيخ سيديَ بابَه أيضا في فتواه المفصَّلَة حول مهادنة المستعمر: «وأما الأمر الثاني، فقد قال يوسف عليه الصلاة والسلام: "اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إني حٌفِيظٌ عليمٌ"، قال البيضاويُّ: "وفيه دليلٌ على جواز طلب التوْلية وإظهارِ أنه مستعدٌّ لها والتولِّي من يد الكافر إذا عُلم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسةِ الخلق إلا بالاستظهار به. انتهى. وقال النسَفِيُّ: "قالوا: وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسانُ عَمالةً من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلَمة. وإذا عَلِمَ النبيُّ أو العالِمُ أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفْع الظلم إلا بتمكين الملِك الكافرِ أو الفاسقِ، فله أن يستظهر به. انتهى. قال الجوهريُّ: "استظهر به، أي استعان به". انتهى. وفي فتح الباري، في باب رَزْق الحاكم والعاملين عليها، من كتاب الأحكام، أن العَمالة، بفتح العين، هي نفس العمل؛ وبضمها، أجرةُ العمل، والميمُ مخفّفة. انتهى. ويشهد لما قاله البيضاوي والنسفيُّ من جواز الاستظهار بالكافر عند الحاجة إليه، ما ذكروه في جواز  الاستعانة بالكافر عند الحاجة إليه، كما في كتاب الأم للشافعي، وشرحِ النوويِّ على صحيح مسلم، والمنهاجِ وشروحِه، والإقناع وشرحه، وشرح الموّاق على مختصر خليل، وفي شرح المقاصد. وأما إذا لم يوجد من قريش من يصلح لذلك، أو لم يقتدر على نصبه لاستيلاء أهل الباطل وشوكة الظَّلَمَة وأرْبابِ الضلالة، فلا كلامَ في جواز تقلُّد القضاء وتنفيذِ الأحكام وإقامة الحدود وجميع ما يتعلق بالإمام من كل ذي شوكة. كما إذا كان الإمام القرشي فاسقا أو جائرا أو جاهلا، فضلا عن أن يكون مجتهدا. وبالجملة، مبْنَى ما ذُكِر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار. وأما عند العجز والاضطرار واستيلاء الظَّلَمَة والكُفَّار والفُجّار وتسلُّط الجباربرة الأشرار، فقد صارت الرياسةُ الدنيويَّةُ تَغَلُّبيَّةً وبُنيت عليها الأحكامُ الدينيةُ المَنوطةُ بالأحكام ضرورةً، ولم يُعْبَأْ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط. انتهى المرادُ منه.

وفي الأبيِّ على مسلم، في الكلام على حديث عبادةَ بنِ الصامت رضي الله تعلى عنه: "دَعَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ"، قَالَ: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ".

قوله: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا"(عياض) هو في رواية الأشياخ: "بَوَاحًا"بالواو. وعند ابن أبي جعفر: "بَرَاحًا" بالراء. وهما بمعنى باح الشيءُ وبَرَحَ إذا ظهر واشتهر. فالمعنى إلا أن يكون كفرا ظاهرا مشتهرا. وقال ثابت: رواه النَّسائيُّ بَوَاحًا بالواو، ورواه غيره براحا بالراء، هما معا بفتح الباء. عياض: لا خلاف أنه يجب على المسلمين عزل الإمام إذا فسق بكفر وكذلك إذا ترك إقامة الصلاة والدعاءَ إليها أو غيَّر شيئا من أصول الشرع. وكذلك عند الجمهور المبتدعُ. وقال بعض البصريين: " تنعقد للمبتدع ابتداء وتُستدام، لأنه متأول. وقد يُحتجُّ في المبتدع بالحديث لأنه ظاهر فيما لا تأويل فيه.

وإذا خلعه الناس نصبوا إماما عدلا أو واليا إن أمكنهم ذلك. وإن لم يتفق ذلك إلا مع طائفة وحرب، وجَبَ القيام بذلك على الكافر ولا يجب على المبتدع؛ وهذا إذا تخيلوا القدرة عليه، وإن تحققوا العجز عنه لم يجب القيام عليه. ويجب على المسلم الهجرة من أرضه إلى غيرها. انتهى كلام الأبي. والمقصود منه في هذا المقام: "وإن تحققوا العجز عنه لم يجب القيام عليه". وأما الهجرة فسيأتي الكلام عليها. وقد تقدم كلام البيضاوي والنسفي.

وفي شرح ميارة للامية الزقَّاق: (تنبيه) وإنما يجب قيامهم على الكافر منهم والفاسق على أحد القولين، إذا تَخيَّل المسلمون أن القوة لهم، وإن تحققوا العجز لم يجب القيام على الأول، ويحرُم على الثاني. ويجب على المسلم الهجرة من أرضه إلى غيرها. انتهى المرادُ منه هنا. وانظر بقيته، إن شئت، ونحوه في ابن زكري على النصيحة الكافية.

وفي البناني: "واعلم أن الإمامة تثبُت بأحد أمور ثلاثة: إما بيعة أهل الحل والعَقد. وإما بعهد الإمام الذي قبْله له. وإما بتغلُّبه على الناس؛ وحينئذ فلا يُشترط، لأن من اشتدت وطأتُه وجبت طاعتُه.

وأهل الحل والعقد من اجتمع فيه ثلاث صفات: العدالةُ والعلمُ بشروط الإمامة والرأي.

وشروطُ الإمامة ثلاثة: كونُه مستجمعا لشروط القضاء. وكونُه قرشيا. وكونُه ذا نجدة وكفاية في المعضِلات ونزولِ الدواهي والمُلمَّات. انظر ق[5]. انتهى. ونحوه في التداوي على لامية الزقَّاق»[6].

مسألة الموالاة والمُوادَّة:

يقول الشيخ سيديَ بابَه في فتواه المذكورة آنفا: «في تفسير الطبري، في تأويل قوله تعلى: "ومن يتولَّهم منكم فإنه منهم": "القول في تأويل قوله عز ذكره: "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ". قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ. وإذا رضيه ورضي دينَه، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه، وصار حكُمه حُكمَه". انتهى المرادُ منه. وفي كلامه أيضا في تفسير قوله تعلى: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين" نحوٌ من هذا.

وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، قالت: "أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَأَصِلُهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: "فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَلَى فِيهَا: "لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ".

قال القسطلاني: "وهي رخصة من الله تعلى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم، وقيل إن هذا كان في أوّل الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". وقيل: المراد بذلك النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل فأذن الله في برّهم، وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة، واحتجوا بحديث أسماء، بل قيل إنها نزلت كما ذكر هنا عن سفيان، وفي مسند أبي داود الطيالسي عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن أبا بكر الصديق طلّق امرأته قتيلة في الجاهلية وهي أم أسماء بنت أبي بكر فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين كفار قريش فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطًا وأشياء، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له، فأنزل الله تعلى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم..." الآية. انتهى.

وفي البيضاوي: "لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ"، أي لا ينهاكم عن مَبرَّة هؤلاء، لأن قوله: "أَنْ تَبَرُّوهُمْ" بدلٌ من الَّذِينَ. وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ وتفضوا إليهم بالقسط أي العدل. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ: العادلين. روي أن قتيلة بنت عبد العزى قدمت مشركة على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا، فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول فنزلت "إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ": كمشركي مكة، فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين وبعضَهم أعانوا المخرجين. "أَنْ تَوَلَّوْهُمْ": بدلٌ من الَّذِينَ بدل الاشتمال. "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ": لوضعهم الولاية في غير موضعها. انتهى.

وفي النسَفِيِّ: "لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ": تكرموهم وتحسنوا إليهم قولاً وفعلاً. ومحل أن تبروهم جر على البدل من الذين لَمْ يقاتلوكم، وهو بدل اشتمال، والتقدير عن بر الذين "وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ": وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم. وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك، فكيف في حق المسلم "إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين". "إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ". "أن تولوهم": هو بدل من الذين قاتلوكم، لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء. "وَمَن يَتَوَلَّهُمْ": منكم "فَأُوْلَئِكَ هم الظالمون": حيث وضعوا التولي فى غير موضعه. انتهى.

وفي الطبري: "القول في تأويل قوله تعلى: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ". يقول تعالى ذكره: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ": من أهل مكة، "وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ". يقول: وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم، وبرّكم بهم.

واختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عُني بها: الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا، فأذن الله للمؤمنين ببرّهم والإحسان إليهم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) أن تستغفروا لهم، (أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)؛ قال: وهم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. وقال آخرون: عني بها من غير أهل مكة من لم يهاجر.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطيّ، قال: حدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا بشر بن السريّ، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وكانت لها أمّ فى الجاهلية يقال لها قتَيلة ابنة عبد العُزّى، فأتتها بهدايا وصناب وأقط وسَمْن، فقالت: لا أقبل لك هدية، ولا تدخلي عليّ حتى يأذن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأنزل الله (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) ... إلى قوله: (الْمُقْسِطِينَ) .

قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قَدِمَتْ قُتَيلة بنت عبد العُزّى بن سعد من بني مالك بن حِسْل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، فذكر نحوه.

وقال آخرون: بل عُنِي بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين، ولم يخرجوهم من ديارهم؛ قال: ونسخ الله ذلك بعدُ بالأمر بقتالهم.

ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ)... الآية، فقال: هذا قد نسخ، نَسَخَه، القتال، أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف، ويجاهدوهم بها، يضربونهم، وضرب الله لهم أجلَ أربعة أشهر، إما المذابحة، وإما الإسلام.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ)... الآية، قال: نسختها (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .

وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله: (الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصصْ به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح. قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبيرفي قصة أسماء وأمها.

وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) يقول: إن الله يحبّ المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحقّ والعدل من أنفسهم، فيبَرّون مَن برّهم، ويُحْسنون إلى من أحسن إليهم". انتهى.

وفي البخاري، في حديث صلح الحديبية: "وكانوا، يعني خزاعة، عيْبَةَ نُصْحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في تِهامة. قال في فتح الباري: "زاد ابنُ إسحاق في روايته: "وكانت خزاعةُ عيْبَةَ نُصْحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمُها ومشركُها، لا يُخفون عليه شيئا كان بمكة. وكان الأصل في موالاة خزاعة للنبي صلى الله عليه وسلم أن بني هاشم كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمروا على ذلك في الإسلام. وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم وشهدت التجربة بإيثارهم أهلَ الإسلام على غيرهم، ولو كانوا من أهل دينهم.

ويُستفاد منه جوازُ استنصاح بعض ملوك العدوِّ استظهارا على غيرهم، ولا يُعدُّ ذلك من موالاة الكفار ولا موادّة أعداء الله، بل من قبيل استخدامهم وتقليلِ شوكة جمعهم وإنكاء بعضهم ببعض. ولا يلزم من ذلك الاستعانة بالمشركين على الإطلاق.

قوله: "وكانوا عيْبَةَ نُصْح": العيبة، بفتح المهملة وسكون التحتانية، بعدها موحدة: ما توضع فيه الثياب لنصحها، أيْ أنهم موضع النصح له والأمانة على سره. ونُصح بضم النون، وحكى ابن التِّين فتحها، كأنه شبَّه الصدرَ، الذي هو مستودع السر ، بالعيْية التي هي مستودع الثياب. انتهى بتصرف.

وفي كتاب الهِبة من صحيح البخاري، باب قبول هدية المشركين، ذَكَر فيه أحاديث، وفيه أيضا بابُ الهدية للمشركين وقول الله تعلى: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"،ذَكَر فيه حديثين. وفي البخاري: باب قوله: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" ذكر فيه حديث وفاة أبي طالب، قال في فتح الباري: "لم تختلف النقَلَة في أنها نزلت في أبي طالب، واختلفوا في المراد بمتعلِّق "أحببتَ"، فقيل: المرادُ أحببت هدايتَه. وقيل: أحببتَه هو لقرابته منك. انتهى.

وفي الطبري: "القول في تأويل قوله تعالى: "إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ". يقول تعلى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكَ" يا محمد "لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ": هدايته. "وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ": أن يهديه من خلقه، بتوفيقه للإيمان به وبرسوله. ولو قيل: معناه: إنك لا تهدي من أحببته لقرابته منك، ولكن الله يهدي من يشاء، كان مذهبا. "وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ": يقول جل ثناؤه: والله أعلم من سبق له في علمه أنه يهتدي للرشاد، ذلك الذي يهديه الله فيسدده ويوفقه.

وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل امتناع أبي طالب عمه من إجابته، إذ دعاه إلى الإيمان بالله، إلى ما دعاه إليه من ذلك. انتهى المراد منه. انظر بقية كلامه إن شئت.

وفي تفسير البغوي: "قوله تعالى: "إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ": أي أحببتَ هدايتَه لقرابته. ومثله في تفسير الخازن.

وفي ابن ناجي على الرسالة في الكلام على دعاء القنوت: ونترك من يكفُرك: أي لا نحب دينَه، ولا يُعترض على هذا بإباحة نكاح الكتابية، لكوننا إذا تزوجناها مِلنا إليها، لأن النكاح من باب المعاملات.والمرادُ هنا، كما تقدم، إنما هو بُغضُ الدين. وحكايةُ البهلول بن راشد المذكورةُ في المدارك وغيرها، إنما خرج ذلك منه على طريق الورع، ولولا الإطالة لذكرناها. انتهى. قال في مفيد العباد: نص عليه ابن ناجي أيضا في كتابه معالم الإيمان على رجال القيروان. ونصه بعد أن ذكر حكاية البهلول بن راشد، ذكر أنه رد فيها على نصراني هدية من زيت أهداها له، فقال له الرسول: ولم ترد عليه هديتَه؟ قال ذكرت قول الله: "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله"، فخشيت أن آكل من زيت النصراني فأجد له مودة في قلبي، فأكون ممن وادَّ من حادَّ الله ورسوله على غرض من الدنيا يسير.

قلت وهذا من البهلول على طريق الورع، لأن الموادة في الآية إنما هي الموادَّةُ في الدين. وأما الموادّة في المعاملة في الدنيا فغيرُ داخلة في الآية. ويدلُّكَ على هذا إباحة نكاح الكتابية، ولا شك أننا إذا تزوجناها مِلنا إليها ووادَدْناها. انتهى كلامه في معالم الإيمان.

وفي تفسير الفخر الرازي، عند قول الله تعلى: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمَسَّكم النار"، قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظَّلَمَةُ من الظلم وتحسينُ تلك الطريقة وتزيينُها عندهم وعند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب. فأما مداخلتهم لرفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة، فغير داخل في الركون". انتهى»[7].

في أحكام الجهاد:

يقول الشيخ سيدي بابَه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من سيديَ بن محمد إلى السيد الفاضل ابن سلالة السادة الأفاضل، الأخ سيدي محمد بن أحمد بن حبَتْ، رحم الله تعلى السلف وبارك في الخلف. آمين. سلام عليكم ورحمة الله تعلى وبركاته. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فقد رأيت كتابك الكريم وخطابك الوسيم. وإني أرى أنه لا يخفى عليك عدم القدرة على الجهاد من كل وجه. ولا يخفى عليك أن الجهاد وسيلة مقصِدها إعلاء كلمة الله تعلى؛ وأن الوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصِدها لم تشرع؛ وأن هذه المسألة تخفى كثيرا على أهل الفقه. ولا يخفى على الناظر عدم قدرة سكان البلد على الجهاد من كل وجه. فإذا تُحقق أو ظُن عدم اتحاد الكلمة على السلطان القاهر وعدمُ بيت المال وعدمُ السلاح المماثل وعدمُ العدد المكافئ وعدمُ الصنائع المقاومة ونحوُ ذلك من سائر أسباب القوة، فقد تُحقق أو ظُن أن الثمرة إنما هي خلاف مقصِد الجهاد. وبذلك تصير دماء المسلمين وأموالهم وحريمهم ضائعة في غير ثمرة تجنى. فيصير الجهاد مضرة خالصة فيكون فتنة من الفتن. هذا إضافة إلى أن أهل الفساد يجعلونه ذريعة لاستئصال شأفة المسلمين. والعيانُ مُغْنٍ في ذلك عن البيان والوصفُ فيه قاصرٌ عن البيان»[8].

ويقول في رسالته الموجهة إلى أهل أطار وغيرهم من أهل آدرارْ: «ومن تأمل أواخر تاريخ الاستقصاء وأمثاله من تواريخ أهل العصر واعتنى بمعرفة أحوال الزمان في البلاد القريبة والبعيدة علم أن العافية مع الإفرنج الآن هي المتعينة، والموافقة معهم هي الطريقة البيِّنة شرعا ورأيا»[9]. انتهى.

ويقول في آخر رسالته الموجهة إلى أهل السنغال وإفريقية الغربية: «وأما اللصوص المحاربون، فجهادُهم أَوْلَى وشَهيدُهم أفضلُ! كما في المنتقى، ونقله ابن فرْحون في تبصرته»[10].

في أحكام الهجرة:

يقول الشيخ سيديَ بابَه في رسالته الموجهة إلى أهل السنغال وغيرهم من إفريقية الغربية: «ومنها أن وجوب الهجرة، إنما هو عند التعرض للدين، مع القدرة عليها، كما في فتح الباري، في باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة قبل كتاب المغازي، وفي باب وجوب النّفير من كتاب الجهاد. ونص الإمام الشافعيُّ في الأمِّ على ذلك. وقد قال الله تعلى: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا".

هذا وأكثر بلاد الإسلام الآن والمعتبِر منها للدين والدنيا تحت إِيَالة الأمم المسيحية، أين المَفَرُّ؟ ولا مفرَّ لهارب، ولنا البسيطتان: الثَّرا والماءُ! على أن البلاد التي في حماية الأمم المسيحية اليوم هي التي يمكن فيها صلاح دين أو معيشة. ولا عبرة ببقائها سائبة قاحلة مغمورة باللصوص المحاربين، لا تامنُ فيها نفس المسلم ولا مالُه، ولا يتيسّر له فيها عِلمٌ ولا عمَلٌ، ولا يُنَبِّئُكَ مثلُ خبير»[11].

ويقول في رسالته إلى العلامة سيدي مُحَمَّد بن أحمَد بن حبَتْ: «فالهجرة لا تجب عند عدم التعرض للدين كما هو الواقع، ولا سيَّما مع عدم الإمكان، وعدم وجود أرض لائقة يُقام فيها الدين كما ينبغي لا سبيل للدول المسيحية عليها كما هو الواقع»[12].

ويقول في جوابه للسائل: هل ينبغي للمسلمين أن يجاهدوا النصارى: «وكما أن أهل هذه البلاد معذورون في ترك جهادهم بل مُتعين عليهم تركه، فهم أيضا معذورون في عدم الهجرة عن أرضهم التي دخلها عليهم النصارى لأجل الضعف عنها من كلهم أو جلهم حسبما يعلمه العارف بالأحوال، ولعدم أرض لائقة بهم أمنا ومعاشا يُهاجرون إليها كما لا يخفى أيضا»[13].

وجاء أيضا في فتوى  الشيخ سيديَ بابَه المفصَّلة حول نازلة الاستعمار ما يلي:

«في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومَ الفتح: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا". قال في فتح الباري: "قوله: لا هجرة بعد الفتح: أي فتح مكة". قال الخطابيُّ وغيره: كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم، لقلة المسلمين في المدينة وحاجتهم إلى الاجتماع. فلما فتح الله مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا سقط فرضُ الهجرة إلى المدينة، وبقي فرضُ الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدوٌّ. انتهى.

وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم، ليسلم من أذى ذويه وأذى من يوذيه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه. وفيهم نزلت: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض واسعةً فتهاجروا فيها..." الآيَةَ. وهذه الهجرة باقية الحُكم فيمن أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها. وقد روى النَّسائيُّ من طريق بَهْزِ بنِ حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعا: "لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم أو يفارق المشركين". ولأبي داوود من حديث سمُرة مرفوعا: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهُر المشركين"، وهذا محمولٌ على من لم يأمن على دينه. وسيأتي مزيدٌ لذلك في أبواب الهجرة من أول كتاب المغازي، إن شاء الله تعلى. انتهى.

وفي صحيح البخاري عن عائشة، رضي الله تعلى عنها: "قالت لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعلى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم مخافةَ أن يُفْتَنَ عليه. فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليومَ يعبد ربه حيث شاء، ولكنْ جهادٌ ونِيَّةٌ".

قال في فتح الباري: "قوله لا هجرة اليوم، أيْ بعد الفتح. قوله: "كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلخ". أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت، ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام". انتهى المراد منه.

وفي كتاب الأم للشافعي، قال الشافعيُّ رحمه الله تعلى: "وَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجِهَادَ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ إذْ كَانَ أَبَاحَهُ وَأَثْخَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَرَأَوْا كَثْرَةَ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اشْتَدُّوا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَفَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، أَوْ مَنْ فَتَنُوا مِنْهُمْ فَعَذَرَ اللَّهُ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ الْمَفْتُونِينَ فَقَالَ: "إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ"، وَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لَكُمْ مَخْرَجًا وَفَرَضَ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ الْخُرُوجَ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُفْتَنُ عَنْ دِينِهِ، وَلَا يَمْتَنِع"، فَقَالَ فِي رَجُلٍ مِنْهُمْ تُوُفِّيَ تَخَلَّفَ عَنْ الْهِجْرَةِ فَلَمْ يُهَاجِرْ: "الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ..." الْآيَةَ. وَأَبَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عُذْرَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَقَالَ: "إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً"  إلَى "رَحِيمًا ". قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَلَى: "وَيُقَالُ: "عَسَى" مِنْ اللَّهِ وَاجِبَةٌ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ أَطَاقَهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ فُتِنَ عَنْ دِينِهِ بِالْبَلَدِ الَّذِي يُسْلِمُ بِهَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِقَوْمٍ بِمَكَّةَ أَنْ يُقِيمُوا بِهَا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ، مِنْهُمْ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَغَيْرُهُ، إذْ لَمْ يَخَافُوا الْفِتْنَةَ. وَكَانَ يَأْمُرُ جُيُوشَهُ أَنْ يَقُولُوا لِمَنْ أَسْلَمَ إنْ هَاجَرْتُمْ فَلَكُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ فَأَنْتُمْ كَالأَعْرَابٍ وَلَيْسَ يُخَيِّرُهُمْ إلَّا فِيمَا يَحِلُّ لَهُمْ». انتهى.

وانظر شروح المنهاج عند قوله: "والمسلم بدار كفر، إن أمكنَه إظهارُ دينه استُحبَّ له الهجرةُ وإلا وجبتْ إن أطاقها"، مثلَ نهاية المحتاج ومغني المحتاج وشرح المحلَّى وحاشيته للقليوبي، ولا بد»[14].

مسألة الحرابة وأولوية علاجها في هذه البلاد:

زيادة على الأحكام العامة المتعلقة بحالة السيبة[15] التي دامت قرونا، دون أن يُرْجَى لها زوال، هناك مسألة متفرِّعةٌ عن ذلك، تعتبر في غاية الأهمية والدلالة، وهي اتخاذ السيبة طابعَ الحرب على الإسلام في أحيان كثيرة.

فالذين يقومون بعمليات القتل والنهب وانتهاك الأعراض لا يخلون من أحد أمرين: إما أن يكونوا كفارا، أو يكونوا مسلمين.

أما الاولى فقد صرح بها العلامة سيدي محمد بن سيدي عبدالله ابن الحاج إبراهيم العلويّ، حين أصدر فتوى بذلك في نظم له مشهور[16].

وهناك من لم يصرح بذلك، لكنه اقترب من ذلك إلى حد كبير، مثل الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديَ، الذي صرح بأن هؤلاء اللصوص لا يهابون حتى حرم المسجد بعملياتهم القذرة:

وتَرَى جَمَاعَةَ مُسْلِمِينَ بِمَسْجِدٍ--شُمَّ الأُنُوفِ أَعِزَّةَ الآباء...إلخ الأبيات.

كما يصفهم بأنهم يمنعون المسلمين من أداء فريضة الصلاة قائلا:

هَيْهَاتَ هَذَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدٍ-- وَصِحَابِهِ وَقُفَاتِهِ الْكُرَمَاءِ!
لَمْ تُمْسِكُوا مِنْ دِينِهِمْ إِلاَّ الْقَوَا--عِدَ خَمْسَهَا مَدْوُوفَةً بِرِيَاءِ
وَلَرُبَّمَا مَنَعُوكُمُوهَا عَنْوَةً—حَتَّى افْتَدَيْتُمْ مِنْهُمُ بِفِدَاءِ... إلخ.

ومن الأسباب المباشرة الشائعة لحرب شرببة، أن المسمى "بَبَّه" امتنع عن أداء فريضة الزكاة. وغير ذلك كثير.

(يتواصل بحول الله).

 

[1]- محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطيُّ الجكَنيُّ، رحلة الحج إلى بيت الله الحرام 1325-1393هـ، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، ص 89-90.

[2]-  نسخة أصلية منها بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[3]- رسالة أصلية بخط صاحبها في مكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[4]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ، كُتب أسفله ما يلي:  "انتهى من خط قاضي نواذيبو السيد المختار السالم بن محمد موسى، كتبها لنفسه عند بُلَنواعْ عام 1353 عصرَ يوم الجمعة أولَ يوم من المحرم اهـ. وكتبتها أنا عبدالله هارون بن الشيخ سيديَ عند نواذيبو يوم الأحد تاسع ذي القعدة عام 1394. وكتب الشيخ سيديَ بابَه ورقة فيها كثير من خطوط العلماء في الثناء على العالم السيد الفاضل محمد موسى بنِ محمَّدٍ ءَابَّ ما لفظُه: "ما رسم هؤلاء السادةُ في هذا الأمر صحيح مسلّمٌ. كتبه سيديَ بن سيدي محمد بن سيديَ، غفر الله لهم وللمؤمنين، ءامين. اهـ وممن كتَب في الورقة المذكورة: سيدي محمد بن الداه بن داداه وسيدي المختار بن الشيخ سيدي محمد ويُحظيه بن عبدالودود ومحمد الأمين بن عبدالقادر ومحمد عبدالقادر بن حبيب الله ومحمد بن ابّيَّاهْ واتقانَ بن الشيخ سعد بوهْ والدَّاهِ بن سيدْن وغيرهم.

[5]- (ق) يرمز البناني بهذا الحرف لعبد الباقي الزرقاني في شرحه لمختصر خليل.

[6]- مخطوط أصلي بمكتبة أهل الشيخ سيديَ.

[7]-  مخطوط أصلي بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[8]- رسالة أصلية بخط صاحبها، في مكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[9]- رسالة أصلية، في مكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[10]- مخطوط هارون بن الشيخ سيديَ المنقول من خط المختار السالم بن محمد موسى، المذكور أعلاه.

[11]-  المصدر نفسُه.

[12]-  المصدر السابق نفسُه.

[13]-  مخطوط أصلي بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[14]-  المصدر السابق نفسُه.

[15]- خُصصت الحلقة الثانية من هذه السلسلة لمسألة السيبة.

[16]-  توجد نسخة مخطوطة من النظم المذكور بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.