تواصل في زعامة المعارضة.. الدلالات والتأثيرات (تحليل)

أربعاء, 05/11/2014 - 14:47

أعاد إفراج المجلس الدستوري عن اسم المختار لقيادة دفة مؤسسة زعيم المعارضة الديمقراطية، بتسميته عمدة مقاطعة عرفات، القيادي بحزب تواصل الحسن ولد محمد "زعيما للمعارضة"، المؤسسة إلى واجهة الأحداث. ما الذي يعنيه الإعلان في هذا الوقت؟ ولماذا انتظر المجلس الدستوري سنة من إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية ليفرج عن اسم المؤهل لتولي المنصب؟

مؤسسة المقاس

عندما أزمع العسكر أمره على حرمان المرشح الأبرز لرئاسة الجمهورية وفق توقعات المراقبين سنة 2007  من دخول القصر الرئاسي "تفتقت العبقرية" عن إنشاء مؤسسة زعيم المعارضة التي عدت سابقة في إفريقيا، ونموذجا لـ"دسترة دور المعارضة في النظام السياسي".

نص القانون المنظم للمؤسسة على رتبة متقدمة في لبروتوكول لزعيمها (الرابع بعد الرؤساء الثلاثة)، وعلى منحه تشريفات وزير أول.

رأى الناظرون بريبة إلى تصرفات المنظومة المتحكمة في دواليب الدولة أن المؤسسة قميص قُدَّ على مقاس الرئيس أحمد ولد داداه بعد أن تقرر حرمانه من الدخول إلى القصر الرئاسي بأي وسيلة كان ذلك.

وكان المرتابون يقولون إن المؤسسة ستكون أداة لتدجين العمل المعارض بضم قادته إلى المنتفعين ماديا ومعنويا من وسائل الدولة، و"امتصاص نضالهم" من خلال تسريبه عبر بوابة اللقاءات الرسمية بهرم السلطة.

أدت المؤسسة التي سمي الحاصل على الرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية رئيسا لها دورا اقتراحيا أزعج الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، مع انتظام لقاءاته الدورية (كل ثلاثة أشهر) بزعيم المعارضة غريمه في الانتخابات الرئاسية. عبر ولد الشيخ عبد الله عن الانزعاج في لقاء تلفزيوني بقوله: الإخوة في المعارضة يظنون أنهم يوقظونني من النوم عند كل لقاء.

مسيرة العراقيل

منحت مكانة الشخصية التي تولت الزعامة وتاريخها المتفائلين بدور للمؤسسة نفسا بعد الخرجات الإعلامية للرئيس الزعيم أحمد ولد داداه بعد كل لقاء مع رئيس الجمهورية، وتوقع مراقبون أن تسهم بشكل جدي في تحريك الحياة السياسية، وأن تكون "رافعة مزعجة" للعمل الحكومي. لكن رياح الحلم سرعان ما ركدت بفعل الأزمة السياسية التي اختنق فيها النظام النصفين؛ المدني والعسكري.

وكانت العلاقة بين الزعيم وقادة ما سيتبلور لاحقا في الحكة التصحيحية إحدى العقبات التي جمدت الدم في عروق علاقة كادت أن تكون سالكة بين القصر والمؤسسة في سنة وشهور المأمورية المصروم عقدها بانقلاب السادس من أغسطس 2008.

قبل الأزمة كانت المؤسسة "نصف معلقة" بفعل تأخر ولد الشيخ عبد الله في إصدار المراسيم التطبيقية للقانون المنظم للمؤسسة، وكانت الرئاسة تسرب بين الفينة والأخرى أن عدم التوافق داخل المعارضة هو ما يؤخرها.

في حين نظرت بعض الأطراف في المؤسسة إلى الأمر على أنه رغبة في عدم إعطاء المعارضة فرصة للتأثير في المشهد من خلال مؤسسة تمولها الدولة، ولها وضع دستوري متقدم نسبيا.

وكان "عدم التوافق" داخل الجسم المعارض واحدا من السدود التي توقف عندها سيل دسترة العمل المعارض؛ فقد كان اتحاد قوى التقدم يريد "مؤسسة للمعارضة" بدل "زعيم للمعارضة"، وكان التكتليون يفهمون الأمر على أنه جزء من تصفية الإرث المتشنج بين رفاق ولد مولود ورئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية.

كانت بقية قوى المعارضة الرئيسة (قوى التقدم، تواصل، حاتم، التحالف من أجل العدالة والديمقراطية/حركة التجديد) منخرطة في المؤسسة مع تباين في المواقف من النظام، ما أدى إلى نوع من جمود العلاقة بين مكوناتها، وكرسها مؤسسة لزعيم المعارضة.

الانتقال العسير

قبل قرابة سنة من الآن أعلنت اللجنة المستقلة للانتخابات نتائج النيابيات التي أضافت تعقيدا إلى الأزمة السياسية القائمة منذ سنتين، وكان متوقعا أن يتم بعدها الإعلان عن انتقال زعامة المعارضة إلى الحزب المعارض الأكثر تمثيلا داخل البرلمان، إلا أن المجلس الدستوري، وهو الجهة المخولة دستوريا بإعلان الجهة التي تؤول إليها قيادة المؤسسة، التزم صمتا لا يوجد نص قانوني صريح يرغمه على الخروج منه، ولا يبدو أن الجهات العليا كانت مستعجلة لإخراجه عنه. تشير التسريبات إلى أن هناك "ممانعة مزدوجة"؛ فمحمد ولد عبد العزيز غير راغب في تولي الإسلاميين، وهم من يحق له ذلك وفق رأي المجلس، والمعارضة ذات التمثيل في البرلمان ترغب في اعتماد تفسير يحرم تواصل من تولي المؤسسة لكون رئيسه غير منتخب، معتمدة تفسيرا لإحدى مواد القانون (المعدل غِبَّ حوار أكتوبر 2011). وقد عبر حزب التحالف الشعبي التقدمي عن هذا الرفض من خلال اعتذاره عن المشاركة في تشكيلة مجلس المؤسسة، كما عبر عنه رئيس حزب الوئام بقوله عشية إعلان نتائج الانتخابات، إن حزبه هو من يستحق قيادة المؤسسة.

ويرى مقربون من حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية أن تأخير المجلس "منحهم حقهم الانتخابي" هو "عقاب سياسي على مواقفهم الراديكالية من النظام"، ويعتقدون أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز كان يتمنى أن لو آلت زعامة المعارضة إلى جهة أكثر ليونة في التعامل مع النظام من الإسلاميين.

ويشير مراقبون إلى أن "عاصفة المصحف" والتي تزامنت مع وصول العلاقة بين الإسلاميين ونظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى "حافة المواجهة الأمنية" كانت أهم أسباب التأخير؛ إذ يستبعد أن يمنح النظام مؤسسة بزخم قيادة المعارضة لمستهدفين تطاردهم أجهزة الأمن بتهم "الإرهاب" و"التحريض على العنف"، و"إثارة الرعب".

لماذا الآن.. وهنا؟

لا شيء يمكن اعتباره، على وجه الدقة، يمكن أن يعزى إليه إرغام النظام على "تغيير الموقف" من "منح الزعامة للإسلاميين"، خصوصا وأنه لم تطرأ متغيرات سياسية على واقع الأزمة بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية اللتين قاطعتهما أغلبية المعارضة، إلا أنه يؤشر إلى استبعاد بعض الخيارات التي ربما كانت على طاولة البحث خلال العام المنصرم:

 فهو من جهة يشير إلى استبعاد فرضية حل البرلمان، بعدما بدى أن المعارضة لن ترضى بها ثمنا للاعتراف بالواقع الرئاسي الناتج عن الانتخابات التي تصفها بالأحادية فاقدة المصداقية.

فالنظام، على ما يبدو ، خلص إلى أن ضريبة إعادة الانتخابات البرلمانية أكبر من أن يُتبرع بها دون ضمانة بقبول أطراف المعارضة بنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهو ليس في وارد التنازل عن نتائج الانتخابات الرئاسية بسبب ما يعنيه ذلك من طعن في الشرعية، والعودة إلى مربع من هو الرئيس؟

الاستبعاد الثاني الذي يشير إليه الإفراج عن الزعامة هو خروج المواجهة الأمنية المفتوحة مع التيار الإسلامي من جدول أعمال القيادة في الظروف الحالية؛ إما بسبب ما يقال عن انشغال الرئيس بمواعيد راتبة مع الجهات التي تشرف على حالته الصحية، مع سيصاحب ذلك من غياب لا تواتيه الزوابع التي الزوابع التي ستثور مع مواجهة الآلة الإعلامية والسياسية للإسلاميين، إضافة إلى عدم وجود سوق خارجي لتسويق الحرب، بعد أن بدأت الكلبة الخليجية للتضييق على "أفرع الإخوان المسلمين" تفقد حماسها الاقتصادي، خصوصا في الأطراف البعيدة عن مركز الشرق الأوسط.

لن يكون بمنأى عن تفكير  الأطراف الأمنية في صناع القرار محاول  تشتيت الصف المعارض، مستحضرة أن الزعامة الآن بيد رئيس تكتل القوى الديمقراطية، متوقعة شيئا من عدم السلاسة في انتقال سلطة المعارضة من زعيم رئيس إلى عمدة زعيم.

العزف على وتر  "عدم الرغبة في تواصل" لدى أطراف المعارضة التي شاركت في الانتخابات، وكان حسه واصلا إلى آذان السلطة وعيونها مع "الاعتراضات القانونية" على تولي الحزب قيادة المؤسسة، وكون استحقاق تواصل جاء عبر انتخابات لا تعترف مكونات منتدى المعارضة بشرعيتها، سيجعل تسليم المؤسسة إليه رميا لجيفة ينأى التكتل بنفسه عن أن يظل جزءً من حملتها.

التأثيرات:

 مع أن عديدين يعتبرون أن زخم مؤسسة المعارضة لن يكون على ما كان عليه عندما أسست قبل سبع سنوات لاعتبارات منها طبيعة البرلمان الحالي الذي توجد قوى معارضة رئيسة خارجه، وطبيعة الزعيم الجديد الأقرب للتكنوقراط منه للزعيم السياسي، بيد أن تفعيل المؤسسة رئاستها من قبل حزب سياسي معروف بنشاطه وقدرته الاقتراحية  لابد أن يترك تأثيرات على الأرض قد يكون من أبرزها

-         تكريس بديل دستوري يتقاطع مع رغبة في التجذر المؤسسي؛ بمعني أن تسعى السلطة لاعطاء زخم أكبر للمؤسسة رغبة في أن تكون بديلا عن الأطر المعارضة التقليدية، ويمكن أن تلتقي هذه الرغبة بحاجة في نفوس التواصليين لتقديم نموذج في العمل المعارض المؤسسي من خلال مؤسسة دستورية.

-         التسويق الخارجي لمؤسسة المعارضة الدستورية باعتبارها نموذجا موريتانيا لاستيعاب المعارضة ودمجها في المنظومة الرسمية، وهو أمر يلبي رغبة لدى السلطة وحاجة للتواصليين

ثم ماذا؟

 رفع الحظر إذا عن مؤسسة زعيم المعارضة بعد سنة من الانتخابات وسلمت رئاستها في النهاية لحزب تواصل بعد الكثير من المماطلة والتردد، وبتفعيل مؤسسة المعارضة تتدافع أسئلة كثيرة عن الخطوة التالية هل يعجل الافراج عن زعامة المعارضة باطلاق حوار وطني ، أم أن القرار ليس سوى محاولة جديدة من النظام للصيد في مياه المعارضة  غير المشهورة بالصفو في أغلب مواسم الفعل السياسي الوطني