تزكية النفس والحذر من الفتور.

جمعة, 02/10/2015 - 12:16

 

إعداد :الأستاذ : احمد يحي ولد المبارك.

الحمد لله الذي خلق فسوى, وقدر فهدى والصلاة والسلام علي نبي الهدى

          ومن بهديه اهتدي وبعد :

فإن الفلاح مطلب العاملين وقد رتبه الله تعلي علي زكية النفس وتربيتها وتهيرها فقال عز وجل قد افلح من تزكي ) "الأعلي14" وقالقد افلح من زكاها"9" وقد خاب من دساها) "الشمس:9-10" قد بعث الله رسوله صلي الله عليه وسلم معلما ومربيا , فقال: (هو الذي بعث بالأميين رسولا منهم يتلو عليهم آيات ويزكيهم ويعلمهم الكتابة والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) "الجمعة:2"فكان صلي الله عليه سلم يتعاهد نفوس أصحابه بالتزكية والتربية .

وإن صلاح النفوس وتزكيتها دأب السائرين الي الله تعالي:الأنبياء ربو انفسهم زقد كان صلي الله عليه وسلم يكابد من دعوة قومه الشدائد,فإذا أظلم الليل انتصب لربه راكعا وساجدا , يسأله ويرجوه ويخضع بين يديه ويتذلل له وقد كان قيام الليل واجبا علي المسلمين امل كاملا, وذلك لما له من أثر في إصلاح القلب وانطلاقة المسلم وثباته في آن معا مما يجعله ضرورة ملحة لا غنى عنها.

ومن ثم:كان واجب كل مسلم –وخاصة المشتغلين بالعلم والدعوة- أن يجعل من أكبر همه إصلاح نفسه وتهذيبها وتعاهدها في صلته مع الله واخلاقه وسلوكه مع الخلق-ويجعل من ذلك من ذلك منطلقا بدعوة الناس واصلاحهم .

التخلية والتحذية والمجاهدة:

من أعظم قواعد تربية النفس : تخليها من اتباع الهوي ,فإن اتباع الهوي موجب لامراض لا حصرة لها ,وعلة المرض لا تعالج إلا بضدها ,فالطريق لمعالجة القلوب :سلوك مسلك المضادة لكل ما تهواه النفس وتميل إليه ,وقد جمع الله ذلك كله في كلمة واحدة,فقال(عزوجل)وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوي,فإن الجنة هي المأوي)"النازعات:40-41" وقالوالذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .......)"العنكبوت:69".

والاصل المهم في المجاهدة : الوفاء بالعزم فإذا عزم علي ترك شهوة وابتلاه الله وامتحنه بتيسير اسبابها, فالواجب الصبر والاستمرار, فإن النفس إذا عودت ترك العزم ألفت ذلك ففسدت .

ثم يتعين بعد ذلك :تحذية النفس وتعويدها علي الخير حتي تألفة ويكون سجية لها قال صلي الله عليه وسلم :(إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه)" صحيح الجامع " فإن الاععال لها أثر يمتد حتي يصل الي القلب , فكما أن كل صفة تظهر في القلب يفيض أقرها علي الجوارح: "فإن كل فعل يجري علي الجوارح قد يرتفع منه أثر الي القلب , والامر فيه دور وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح" (تهذيب موعظة المومنين ,ص 221) .

الحذر من الفتور أنظر الفتور د ,ناصر العمر)

فإذا ماتمت تخلية النفس من اتباع الهوى وتحليتها بفعل الخيرات والفضائل: وجب بعد ذلك أن ينصبّ الاهتمام علي متابعة النفس في فعا الواجبات والمستحبات , وترك المحرمات والمكروهات والنية في المباحات وعدم الاسراف فيها فأن الصحابة كانوا يتركون سبعين بابا من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام والنفس من طبيعتها الكسل والتراخي والفتور قال صلي الله عليه وسلم  لكل عمل شرة, ولكل شرة فترة, فمن كانت فترته الي سنتي فقد افلح , ومنكانت الي غير ذلك فقد هلك) "المسند-2-21" وصحح احمد شاكر اسناده .

درجات الفتور:

إذن :فالفتور أمر لا بد منه ولكن الفتور درجات واقسام :

1-   أخطرها كسل وفتور عام في جميع الطاعات, مع كره لها ,وهذه حال المنافقين .

2-   كسل وفتور سببه بدني , فهانك الرغبة في العبادة, ولكن الكسل والفتور مستمر ,وهذه حال كثير من المسلمين .

والخطير في هذه الحالة أن العمر يمضي , والأيام تنصرم دون إنتاج ولا عمل يذكر , والاخطر من ذلك : الانتقال الي حلة أشد منها فتعظم المصيبة , أو يقع الشبه بالمنافقين في التكاسل عن الطاعات والتثاقل عن الخيرات لذا : كان النبي صلي الله عليه وسلم يستعيذ من العجز ومن الكسل في الصباح والمساء ويعلم اصحابه أن يستعيذوا منه .وقد عاتب الله المومنين في تثاقلهم عن الجهاد ,ودعاهم الي المسارعة في الخيرات والمبادرة اليها ورغبهم في جزاء السابقين المسارعين الي الخيرات تربية لهم علي ذلك الديدن.

الداعية والفتور:

والفتور والكسل داء يدب في الناس علس مختلف درجاتهم ,وأخطر

مايكون علي الدعاة وطلبة العلم مما يجعل تفاديه قبل حلوله , أو تلافيه بعد نزوله أمرا ضروريا ,والدفع أسهل من الرفع .

ومن هنا : وجب تعاهد النفس لئلا تقع في فتور ينقلها من مرحلة الي مرحلة فيتأثر الداء وتصعب المعالجة لأن أمراض النفس كالنبتة أسهل مايكون قلعاه وإزالتها أول نباتها , فإذا ما تركت أخذت في النمو والكبر والثبات في الارض حتي يحتاج قلعها الي الرجل والفؤوس , وكذلك امراض القلوب :تبدأ في ظواهر يسيرة فإذا أهمل صاحبها علاجها تمكنت منه حتي تكون هيئات راسخة وطباع ثابتة .

لذلك:كان الواجب علينا – معشر الدعاة- أن نتفحص أنفسنا ونتأمل أحوالنا : هل نجد شيئا من مظاهر الفتور؟ , فنبادر الي معرفة الاسباب والسعي في العلاج .

مظاهر الفتور:

مظاهر الفتور كثيرة ,منها:

-     التكاسل عن الطاعات ,الشعور بالضعف والثقل أثناء أداتها, والغفلة عن الذكر,وقراءة القرءان.

-     الشعور بقسوة القلب, وضعف تأثره بالقرءان والمواعظ.

-     التساهل في ارتكاب المعاصي وإلفها .

-     عدم استشار المسؤولية والامانة, وضعف هم الدعوة في القلب.

-     انفصام عرى الأخوة بين المتحابين .

-     الاهتمام بالدنيا, والانشغال بها عن فعل الخير .

-     كثرة الكلام الذي لا طائل تحته, وكثرة الجدال والمراء , والحديث عن الامجاد والمشجلات ,و الانشغال بذلك عن العمل الجاد والمثمر المفيد للأمة .

-     ضعف جذوة الإيمان وانطفاء الغيرة علي محارم الله .

-     ضياع الوقت وعدم الاستفادة منه .

-     عدم الاستعداد للالتزام بشيء والتهرب من كل عمل جدي

وجب في هذا الاطار المعالجة الفورية لمظاهر الفتور وعدم التاجيل والتسويف وتمني علي الله الاماني(أوراق بخط اليد عن ظاهرة الفتور)

أسباب الفتور:

وإذا تساءلنا : ماأسباب هذا الفتور الذي نعاني منه وما دواعيه ؟ فالجواب أنها كثيرة متفاوتة في الاهمية ومنها :

-عدم الاخلاص في الاعمال , أو عدم مصاحبته لها بأن يطرأ الرياء علي الاععمال .

- ضعف العلم الشرعي, فيضعف علم فضائل الاعمال وثوابها وفضل الصبر وأثره ونحو ذلك .

- تعلق القلب بالدنيا ونسيان الاخرة.

- فتنة الزوجة والاولاد , فإنها ملهاة عن كثير من الطااعات إذالم ينتبه لها .

- ععم فهم الدين نفسه وهذا غريب!, والاغرب أن يفهم طبيعة الدين ويتذوق حلاوة الايمان ثم ينصرف عن العمل في ميدانه.

- الوقوع في شيء من المعاصي والمنكرات , وأكل الحرام أوالمشتبه فيه .

- عدم وضوح الهدف الذي يدعو من أجله وهو : طلب مرضاة الله , وتعبيد الناس لرب العالمين وإقامة دين الله في الأرض.

- الفردية وإيثار العزلة , فيدركه الملل والسأم.

- الجمود في أساليب الدعوة وعدم التفكير في وسائل وأساليب ابدائية توصل للهدف المنشود .

- عدم الثقافة الملائمة للعصر وعدم فقه الواقع .

- عدم التنويع في المطالعة وتحصيل العلم ومسايرة العصر فيما لا يختلف مع الثوابت الدينية .

- عدم استحضار عداوة الشيطاني المستمرة وأيضا: عدم استشعار تحدي الكفار للمسلمين , وانهم يبذلون كل وسيلة لصد المسلمين عن دينهم والكيد لهم .

- الاوهام وساوس الشيطان التي تزرع الخوف في القوب وتشكك الداعية في سلامة الطريق .

- الاحباط واليأس وانعدام التفاؤل وعدم القناعة الراسخة بأن المستقبل لهذا الدين .- امراض القلوب: كالحسد, وسوء الظن , الغل , وحب الصدارة ,والكبر......

- التقصير في العبادة وعمل اليوم والليلة من الرواتب والسنن والورد القرءاني اليومي.

- استبطاء النصر , واستعجال النتائج .

- عدم الاستقرار علي برنامج أو عمل معين وترك العمل قبل إتمامه, ثم الانتقال الي غيره... وهكذا.

- النظر الي من دونه في العلم والعبادة , وذلك مثبط للهمم .

- الدخول علي أهل الدنيا ومخالطتهم وفيه مفاسد عظيمة لا ينجو منهاإلا من سلمه الله وقليل ماهم .

- وأخيرا الفتور في معالجة الفتور.

علاج الفتور:

-     ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء , والفتور من أشد الامراض المعنوية وتتأكد خطورته حينما لا يحس به الانسان حتي ينقله الي الانحراف فيقضي عليه ويصيبه في مقتل – والعياذ بالله – ومن هنا تتأكد أهمية العلاج باتخاذ سبل الوقاية منه ابتداء او عمل الاسباب التي تذهب به بعد وقوعه واهم سبل العلاج : تلافي اسبابه , وذلك أعظم وسيلة للنجاة , وإن القناعة بخطورة هذا المرض ووجوب علاجه واجتثاثه من اساسه أمرض ضروري للإفادة من سبل العلاج, ومنها :

-     الدعاء و الاستعانة بالله علي هذا الخطر الدام والمرض العضال, فإن الله يجيب المضر إذا دعاه , والمصاب في دينه الذي يخاف علي نفسه : أعظم المضطرين , والله هو المستعان علي كل خير والمعيذ من كل شر , ولذا: وصي النبي صلي الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه أن يقول دبر كل صلاة : ( اللهم أعني علي ذكرك , وشكرك , وحسن عبادتك)

-     تعاهد الايمان وتجديده, والحرص علي زيادة في كثرة العبادة من ما يكون زادا للمومن , ومخففا عنه عناء الطريق وعقباته.

-     مراقبة الله والاكثار من ذكره ومراقبته تستلزم خوفه وخشيته , وتعظيمه ومحبته , ورجاءه , والايمان بعلمه واجاطته وقدرته غير المتناهية أما الذكر: فهو قوت القلوب وبه تطمئن , واعظم ذلك : الصلة يكتاب الله تعالي 

تلاوة وفهما , وتدبر وعملا , وحكما , وتحاكما, فإن من لم ينضبط بالقرءان أضله الهوى.

-     الاخلاص والتقوي, ( يأيها الذين ’آمنوا إن تتقوا الله يجعلكم فرقانا): "الانفال : 29"

-     تصفية القلوب من الاحقاد قال الشاعر:

لايحمل الحقد من تعلوا به الرتب **ولا ينال العلي من طبعه الغضب

وكذلك تنقية القلب من الغل والحسد وسوء الظن , مما يشرح الصدر, ويسلم القلب من تلك الامراض الخبيثة .

-     طلب العلم وخاصة الشرعية والمواظبة علي الدروس وحلق الضكر والمحاضرات, فإن العلم طريق الخشية وهوقوت القلوب.

-     الوسطية والاعتدال في العبادة وفي عمل الخير .

-     تنظيم الوقت وعدم هدره .ومحاسبة النفس علي ضياع أي جزء منه .

-     لزوم الجماعة , وتقوية روابط الاخوة .

-     تعاهد الفاترين ومتابعتهم, لئلا يؤدي بهم الفتور الي الانحراف ومالا يحمد عقباه .

-     التربية الشاملة المتكاملة علي منهاج النبوة التي تقي من الفتور بإذن الله.

-     تنويع العبادة والعمل من : الذكر , وقراءة القرءان والاستماع له , والصلاه, وقراءة الكتب المفيدة, والامر بالمعروف والنهي عن المنكر , وقضاء حوائج الناس وخدمتهم , وإغاثة الملهوفين ....

-     الاقتداء بالانبياء (عليهم الصلاة والسلام), والدعاة المخلصين... في نشاطهم وحرصهم علي أوقاتهم واعمالهم.

-     علو الهمة ونبل المقصد والاخذ بالعزيمة بأن يكون الهم : الجنة, والمقصود : مرضاة الله ,بالسعي في العبادة وعمل الخير حتي الموت .

-     الإكثار من ذكر الموت وخوف سوء الخاتمة , بزيارة المقابر , ورأية المحتضرين , وحضور الجنائز , فإن ذلك يورث : تعجيل التوبة وقناعة القلب ونشاط العبادة ونسيان الموت : يورث أضداداها .

-     جعل ذكر الجنة والنار من الانسان علي بال, وقراءة صفة كل منهما في كتاب الله تعالي وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم , فإن ذلك يشحذ الهمم ويذكي العزائم .

-     الحرص علي زيادة العمل , والاستنمرار فيه , والحذر من التكاسل , خاصة فيما حافظ عليه من عمل , فإن من ترك سنة يوشك أن يترك واجبا ومن وقع في مكروه يوشك أن يقع في حرام .... وهكذا دوالي.

-     الصبر والمصابرة فإن طريق العلم والعبادة والدعوة الي الله طرق شاق وطويل , وكثير المتاعب والمصاعب لكن ختامه مسك : الفوز برضي الله تعالي ودخول جنته , قال تعالي : (فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز )

•     وفي الختام نسأل الله عز وجل أن يثبتنا علي دينه ويختم لنا بخاتمة خير.