انتخابات تونس.. ملاحظات عن قرب

أربعاء, 05/11/2014 - 14:45

ما حصل في تونس ليس انقلابا كما ادعى السيد عبدالباري عطوان على وقع قهقهة خلفانية في حصة على قناة التونسية، وهو بالطبع ليس انتصارا تاريخيا للثورة ولحركة النهضة، كما ذهب  بعض المفرطين في التفاؤل السائرين على نهج الرضا من الغنيمة بالإياب. إنه شيء بين هذا وذاك، إن كان  لابد من تحديد درجة  قربة وبعده من الانقلاب والانتصار فهو للثاني أقرب بمسافة  يمكن قياسها بالمسافة الفاصلة بين النسخة الأولى من السيد عبدالباري والنسخة الثانية المعدلة "أعرابيا".

ماحصل في تونس هو محطة من محطات التدافع بين الثورة والثورة  المضادة سجلت فيها  الثورة المضادة نقاط انتصار محدودة، لكنها نوعية في السياق الزماني والمكاني الذي جاءت فيه، كما سجلت الثورة نقاطا معنوية أضافتها لرصيدها المستهدف منذ سنوات بحملات شيطنة ممنهجة تشرف عليها  آلة إعلامية عاتية، أنفق عليها أباطرة عهود الاستبداد بعض ما في خزائنهم من مال حرام وفير.

ولكي نفهم ما حصل في تونس  على حقيقته، دون مبالغة ولاتبخيس،  علينا أن نضعه في سياقه التونسي أولا والإقليمي والدولي ثالثا.

- بالنسبة للسياق التونسي نتذكر جميعا أن هذه الانتخابات تمثل باكورة حصاد حوار وطني فرضته القوى المهزومة في الانتخابات السابقة وقوى حزب التجمع المنحل بدعم خارجي معروف. وقد اختارت حركة النهضة – وهو اختيار وثيق الصلة بفرادة  التجربة التونسية – أن تتعاطى بمنطق مبالغ في "الوفاقية" مع حلف المهزومين انتخابيا وفلول ابن علي  المدعوم أعرابيا، فتنازلت عن حقها الديمقراطي في الحكم، وحقها الثوري في عزل رموز نظام بن على ومنعهم من المشاركة السياسية مسلمة الحكومة لفريق توافقي وتاركة الباب مشرعا أمام الجميع لينافس بما يملك من  برامج وأموال وخبرات أيضا.

من الجائز نقاش صوابية الاختيار النهضوي هذا، وخاصة في شقه المتعلق بإعفاء رموز النظام الديكتاتوري من العقاب وتركهم يعودون للعملية السياسية من البوابة الانتخابية وهو خيار سهل أمام ماكينة خبرت شراء الذمم خلال عقود، لكن الخيار في عمومه كان محل إشادة واسعة في مختلف الأوساط الإسلامية والعلمانية داخل تونس وخارجها، ولم تتحفظ عليه إلا ثلة من الثوريين الراديكاليين كانوا يرون أن واجب النهضة أن تذود عن حياض انتخبت لها ديمقراطيا، وأن تصد عن الحياض تحالف الفلول والمهزومين والأعراب.

 

لقد كان من الطبيعي جدا أن تكون ثمرة رفع الحجز عن الفلول عودة قوية في المشهد الانتخابي التالي وهذا ما حصل بالفعل، وهو أمر طبيعي لايستقيم  وصفه بالمفاجأة بأي حال. إنه نتيجة طبيعية لمقدمة التخلي عن قانون العزل  السياسي أو تحصين الثورة.

 

وفي السياق التونسي دائما يلزم التذكير بأن المدخل الأساسي لثورة الرابع عشر من جانفي كان المدخل الاقتصادي والاجتماعي،وبالتالى فقد كانت انتظارات التونسيين  تنموية بالأساس، وهي انتظارات لم تنجح  الترويكا التي منحها التونسيون ثلثي أصواتهم في تحقيق إنجازات تذكر منها، ولذلك  فطبيعي أن يصوت جزء من التونسيين ضد من يعتبرون أنهم فشلوا في تحقيق وعود التنمية، وهذا ماكان. وإن كان ما لحق بالنهضة منه أقل من شريكيها لاعتبارات لها علاقة بتجذرها المجتمعي ووجود مؤسسات تابعة لها قريبا من الناس وفي خدمتهم، وربما تقديرا أيضا من التونسيين لنهجها التوافقي الراشد الذي حمى تونس من الانزلاق إلى مسارات دموية كما حصل ويحصل في بلدان تخوض تجارب شبيهة.

أما في السياق الاقليمي والدولي فالصورة من الوضوح بحيث لاتحتاج لشرح ولا تمثيل يكفي فقط أن نشير  بشكل عابر إلى أمرين:

- أولهما أن تونس منطلق  الثورة ومحضن أكثر تجاربها وعيا ونضجا، وهي لذلك محل استهداف مُركز وقوي من أدوات الثورة المضادة، وكانت الصحافة التونسية كشفت قبل أشهر رسالة من السفير الإماراتي بتونس يهدي فيها سيارات  فارهة لزعيم نداء تونس  الباجي قائد السبسي.

وتجمع مصادر دقيقة الاطلاع على أن نداء تونس حظي بدعم مالي وفير لم يتورع – وأنَّى له أن يفعل – عن توظيفه في عمليات شراء واسعة للذمم، يحكي مراقبون دوليون تفاصيل عنها تذكر بتقنيات كنت أحسبها تقنيات موريتانية خالصة، لكنها فيما يبدو تقنيات عابرة للحدود.

- ثانيهما أن الظهير السعودي الإماراتي للثورات المضادة نجح ببراعة في استخدام وسائل الإعلام في شيطنة القوى الثورية في بلدان الربيع؛ فسخر ماكينات إعلامية  محلية ودولية للقصف اليومي وبمختلف الأسلحة للكيانات الحاملة لمشروع الثورة، وفق رؤية تسعى لجعل الشعوب التي أطاحت بالديكتاتوريات تأسف على اليوم الذي راودتها فكرة الهتاف "الشعب يريد إسقاط النظام".

وفي مقابل التركيز على الإعلام وسيلة أساسية لهدم الثورة أخفقت القوى الثورية في تونس كما في مصر في وجود إعلام قادر على تحقيق التوازن والذب عن صورة الثورة وشرعيتها، وتسليط الضوء على جرائم الأنظمة المجرمة التي ثارت الشعوب  عليها.

ما حصل في تونس إذا هو تقدم محدود للقوى المضادة للثورة نتيجة عوامل طبيعية واختيارات كلية، وإخفاقات جزئية في بعض جوانب الأداء، لكن الصورة لاتكتمل إلا بإبراز نقاط جوهرية  بها أختم:

- نجحت تونس يوم قادت العرب إلى الثورة على الطغيان،  ويوم سنت لهم سنة الحوار لحل الإشكالات، ويوم تمسكت نخبتها بصندوق الانتخاب وسيلة وحيدة لتداول السلطة، في وقت يلهث فيه الأعراب للفتك بالأمة بصناديق ذخيرة مأجورة للبقاء في الحكم  ولاستعادته أيضا من قوى الثورة.

- صمدت الثورة حين أنهت مرحلة انتقالية حافلة بالرجات وأوصلت تونس لنظام ديمقراطي كرسه دستور رائع وتجربة ديمقراطية مشرقة، وهذا هو الجوهر. أما من يحكم اليوم أو يعارض فهي تفاصيل عابرة،  وكان من المشاعر  المبهجة التي طافت بي وأنا أتابع نتائج تونس عن قرب شعور عبرت عنه في تدوينة على الفيس كتبت فيها "تقارب النتائج، تعارضها، غموضها ملامح تثبت أن تونس ذهبت بعيدا عن نمط الانتخابات العربية".

- تألقت النهضة حين قادت تجربة الانتقال بحكمة وبراعة فائقة جمعت بين العض بنواجذ ثورية على أساسيات الانتقال الديمقراطي، والتعاطي بعقل مرن مفتوح مع هواجس ومطبات وعراقيل المنافسين والمخالفين والخصوم وحتى الأعداء.

 

لقد سجلت  النهضة في رصيدها – وبالتالي في رصيد الحركات الإسلامية الديمقراطية – أنها أول حزب سياسي في عالمنا يتخلى عن حقه في الحكم بشكل طوعي ودون انتخابات سابقة لأوانها تغليبا لروح التوافق، وأنها هنأت خصمها اللدود حتى قبل أن يعلن فوزه بشكل رسمي ، مضيفة بذلك لرصيدها نقاطا تضاف لدورها التاريخي  في قيادة مسار المصالحة بين الإسلاميين والديمقراطية، وفي دورها المشهود في قيادة ثورة الشعب يريد  تونس الثورة.

هنيئا لتونس ثورتها انتخاباتها ونهضتها  ونخبتها السياسة الراشدة.