في أغسطس اغتال العسكر الحلم

أربعاء, 26/08/2015 - 12:29

جمال لحبيب

هل كان صديقي الكردي يقرأ من سفر الغيب وأسرار المستقبل عن حكايا بلادي حين قال لي ذات مساء شامي في مدينة مؤتة الأردنية: ديروا بالكم.. العسكر سيخربون عليكم بلادكم!

هذا الحديث ربما كان سيمحى من ذاكرتي كأحاديث كثيرة ويظل في رفوف النسيان لو لم تكن صبيحة اليوم الموالي هي صبيحة اغتيال الحلم الديمقراطي في بلادي وكالعادة يبدأ "الاغتيال" ببيان ركيك المبنى والمعنى ومن نفس الأسطوانة المخروشة التي تعود عليها الشعب الموريتاني منذ العاشر من تموز/ يوليو 1978 م.

انقلاب يثير الشجن

يوم بعد "الانقلاب المشؤوم" كانت كبرى الصحف اليومية الأردنية تصدر بمقالات كتبت بمداد حزين، كان كتاب الأعمدة يكتبون نيابة عني بل نيابة عن كل الشعب الموريتاني المصدوم؛ بعض الكتاب اعتبر أن ماحدث شيء يدعو للأسى والشجن وآخرون تحدثوا عن العرب والديمقراطية كطرفي نقيض لا يجتمعان أبدا!!

يا نائم الليل.. ربما تصبح على انقلاب
 
المعتمد بن عباد الأمير الأندلسي أنشد في سجنه بالمغرب قصيدة طويلة قصيدة تقطر ألما وحزنا وتحوي تأملات بأحوال الأزمان وتقلب الدول ختمها بالبيت الخالد: 

يا نائم الليل مسرورا بأوله ** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا 

ليلة السادس من آب/ أغسطس 2008 كان الشعب الموريتاني ينام وهو "مسرور" بأن البلاد تعيش على وقع معركة سياسية برلمانية حامية الوطيس بين ما أطلق عليها حينها "الكتيبة البرلمانية" وبين الرئيس المنتخب الذي أكمل عامه الأول في الرئاسة للتو لكن بين "النوم" و"اليقظة" حدثت حوادث سيكون لها ما بعدها في تالي السنين.

فارق التوقيت يصنع الفرق!!

بين مؤتة ونواكشوط فارق ثلاث ساعات هذا الفارق في التوقيت أحدث فارقا كبيرا لدي ففي اللحظة التي كان فيها سكان نواكشوط يعبرون عن ارتياحهم للقرار الذي أصدره الرئيس والقاضي بإقالة كبار ضباط المؤسسة العسكرية وعلى رأس المقالين كان يوجد اسم قائد الحرس الرئاسي محمد ولد عبد العزيز الذي سيقود انقلابا عسكريا بعد ساعتين من صدور القرار ويمسك بزمام الأمور في البلاد من ساعتها وحتى هذه اللحظة لتمر سبع عجاف.

لحظة "الفرحة العابرة" تلك لم أعشها لأنني علمت بالانقلاب وإقالة كبار الضباط في نفس التوقيت!

العسكر يسحبون ثقتهم

يذكر الأستاذ المختار ولد داداه -أول رئيس لموريتانيا- في مذكراته "موريتانيا في مواجهة التحديات" أن الضابط الذي أبلغه بالانقلاب العسكري عليه ونهاية حكمه والذي اصطحبه إلى سجنه قال له: سيدي الرئيس لقد قررت القوات المسلحة سحب الثقة منكم!

يقول الرئيس المختار  أنه رغب ساعتها في نقاشه حول فكرة "سحبت الثقة منكم" فهل أعطت القوات المسلحة "الثقة" أصلا حتى تسحبها؟!

"جمهورية البرتقال"
 
الحلم الديمقراطي كان عمره 15 شهرا مرت كلها علي وأنا في الأردن أثناء دراستي الجامعية في كلية إدارة الأعمال بجامعة مؤتة؛ 15 شهرا مرت ولم تشرق علي شمس "الحلم الديمقراطي" في بلادي.

15 شهرا و نحن نعيش "الحلم" وهو يكبر يوما بعد يوم و فجأة "يقفز" عسكري متهور ينهي حلم شعب كامل مقابل أن يحقق حلمه الشخصي!!

مرت سبع عجاف على "اغتيال الحلم" ابتعدنا فيها كثيرا عن الديمقراطية والحرية والكرامة وتحولنا إلى جمهورية من جمهوريات "البرتقال".

ففي آخر "تقليعات" حكم العسكر أقدم ابن خالة الرئيس على إطلاق النار على عامل بمجمع تجاري بسبب خلاف على برتقالة وهي الحادثة التي تهكم عليها كثيرون وأطلقوا عليها "غزوة البرتقالة".